الجمعة 12 أبريل 2024
المحرر العام
محمد الباز

«سورة» الشرف.. محمد عبلة: رد «وسام جوته» مجرد تعبير بسيط من مواطن مصرى عن دعمه فلسطين

محمد عبلة
محمد عبلة

قبل أقل من أسبوع، قرر الفنان التشكيلى الكبير محمد عبلة ردّ «وسام جوته»، الذى حصل عليه من ألمانيا فى 2022، احتجاجًا على الموقف الرسمى الألمانى تجاه العدوان الإسرائيلى على غزة.

وأدان «عبلة» موقف الحكومة الألمانية الرسمى تجاه العدوان على غزة، ووصفه بـ«المشين»، مشددًا على أن «أى إنسان لديه ضمير وكرامة عليه أن يتخذ مثل هذا الموقف»، وفقًا لما كتبه على حسابه الرسمى فى «فيسبوك».

موقف الفنان التشكيلى جاء فى ظل زيادة صادرات ألمانيا من السلاح إلى إسرائيل، خلال العام الماضى 2023، بنحو 10 أضعاف مقارنة بـ2022، مع تشديد برلين على أن تعاملها مع طلبات تصدير هذه الأسلحة «أولوية»، منذ تنفيذ عملية «طوفان الأقصى»، فى 7 أكتوبر الماضى، وفق ما ذكره مصدر فى الحكومة الألمانية.

«حرف» التقت «عبلة» للحديث عن كواليس رده «وسام جوته»، ودور الفنان فى المجتمع بصفة عامة، إلى جانب رؤيته لأوضاع الفن التشكيلى فى مصر حاليًا، والفن والثقافة بصفة عامة، فكان هذا الحوار.

■ رد «وسام جوته» ليس الموقف الأول للفنان محمد عبلة من الحكومات، فقد سبق ذلك موقفه من الحرب على العراق، وهو دور يستقيم مع شخصيته ومواقفه الفكرية والوطنية، وكعضو فى لجنة صياغة الدستور المصرى... فما القصة؟

- العالم كله الآن ينتفض من أجل فلسطين، فيه مظاهرات لدعم فلسطين، ينتفض لموضوع يخصنا نحن، لذا جاء رفضى لهذا التكريم، وهو مجرد تعبير بسيط من مواطن مصرى يريد القول إن «المصريين لسه عايشين».

أرى أن هذا دور الفنان الطبيعى، من المفترض أن هذا دوره، لا بد أن تكون له علاقة بما يدور فى المجتمع وقضاياه كافة، لا بد أن يعبر عنها، لأن الفن ليس فقط إنتاج لوحات فنية، بل إن المنتج الفنى أسهل ما فى الموضوع.

يستطيع الجميع إنتاج أعمال فنية، التافه ومن يمتلك معرضًا وغيرهما الكثير، لكن الفنان لا بد أن تكون لديه وجهة نظر، يعبر عنها بأشكال مختلفة منطلقًا من الفن، لأن الفن له علاقة بالمجتمع، شئنا أم أبينا ذلك، هذا دور الفنان فى الأساس، أن يعبر عما يحلم ويفكر به الناس ويتفاعل معهم، والفنان ينبغى أن يكون فى الطليعة.

■ ولماذا غاب هذا الدور خلال الـ٤٠ عامًا الماضية؟

- لا، لم يغب، دور الفنان والمثقف موجود طوال الوقت، لكن هل مسموح تسليط الضوء عليه والكلام عنه؟ دورنا موجود، نحن نحتج ونقول وجهة نظرنا، لكن هل تظهر وجهة النظر هذه؟

■ دعنى أطرح السؤال بصيغة أخرى، لماذا تراجع دور المثقف أو الفنان مقابل المتشددين؟

- الدور المجتمعى الذى لعبه المتطرفون كان أحد أسبابه سماح الدولة لهم بالعمل منذ السبعينيات، بل كانت تدعم وتؤيد هؤلاء المتشددين لضرب الاتجاهات الأخرى، مثل الاشتراكيين واليساريين والعلمانيين، فى الجامعة ومختلف الأماكن.

لكن وكما ذكرت قبل قليل، طوال الوقت المصريون يحتجون وعندهم وجهة نظر، ودور المثقف لم يغب أو يتراجع، والمجتمع لم يمت، لكن الظروف الاجتماعية والاقتصادية والثقافية ساعدت على انتشار الأفكار المتشددة.

وأتذكر أيام الجامعة، عندما كانت تقام حفلة موسيقية، يتعرض لها «الإخوان» وغيرها من الجماعات، ويحطمون المسرح، من دون تدخل من الأمن. إذن السبب كان الدولة وقتها، لكى ترضى الولايات المتحدة، التى كانت تعمل على مواجهة «المد الاشتراكى»، وإنهائه فى المنطقة العربية كلها، وكان البديل هو «المد الإسلامى».

 ■ ما دور الفن فى التعبير عما يحدث من تجاوزات إنسانية بحق الشعوب بشكل عام، وضد الفلسطينيين الآن على وجه التحديد؟

- الفن له أشكال متعددة، قد يكون انفعاليًا، أى رد فعل لحظى، مثل من يخرجون فى مظاهرات، بجانب دور آخر متأنٍّ، يحتاج إلى وقت وتفكر ليبقى مؤثرًا، وفيه يحسب الفنان متى يتكلم، وماذا يقول، وما الرسالة التى يريد توصيلها، وكيف ستصل هذه الرسالة، وبأى وسيلة. والفن له أشكال متعددة، مثل الرسم، والأشكال الفنية تأخد وقتًا، لأنها تحتاج إلى هضم المواقف أولًا، والتفكير فيها بتأنٍّ، وإلا ستتحول إلى رد فعل.

■ كنت فى صفوف «اعتصام وزارة الثقافة ٢٠١٣».. كيف ترى التيارات المتطرفة؟ وما تأثيرها على الفن وهوية الوطن؟ وهل انعكس هذا على اختيارات طلاب الكليات الفنية، فقسم النحت مثلًا يعرض الطلاب عن الالتحاق به؟

- هذه التيارات لديها أيديولوجيا ووجهة نظر، ومن ضمنها أن الفن إما حرام أو مُعطل، وأى شخص أو إنسان ينتج  فنًا سيبدأ فى التفكير و«يشغل دماغه»، وهذا ما لا تريد التيارات المتشددة والمتطرفة أن يحدث، لأنه لو حدث سيحدث عنه تفكير وفكر ووجهات نظر وتساؤلات، تقود بالتالى إلى ضد الاتجاه السائد، وهذا ما لا يريدونه.

وكانت هذه التيارات تقول إن النحت حرام ويحرمونه، لكن الآن، عدم الإقبال على أقسام النحت يعود لأسباب اقتصادية، لأن طلابه لا يستطيعون العمل بعد التخرج، أو بمعنى آخر: النحت «قسم مش بيجيب فلوس»، إذن المعادلات المختلة تسلم بعضها.

■ وماذا كان يفعل طلاب أقسام النحت فى الكليات الفنية منذ تأسست؟

- فى السابق، كان عدد الطلاب قليل، صحيح أن تحريم النحت ظهر مع «الإخوان المسلمين» المتطرفين، فى سبعينيات القرن الماضى، لكن قبلها كان عدد الطلبة معقول، وكما قلت من قبل، قسم النحت لا يوجد به طلبة الآن لأسباب اقتصادية، فالطلاب يبحثون عن الدراسة التى تحقق لهم دخلًا، ويستطيعون العمل والتكسب منها.

قبل هذا، كان من يدرس الفن يدرسه لأنه يحب الفن، لكن بعد «ثورة ٥٢» أصبح الدخول بالمجموع، يعنى الدراسة صارت اقتصادية، ولا علاقة لها بأن الطالب يحب الفن، كما كان فى الماضى.

المعادلة الآن عادية، وليس بها مؤامرة، وفى كل الأحوال، الفن لا علاقة له بالدراسة، فهناك فنانون ليس لهم علاقة بالفن، رغم دراستهم إياه، وهناك فنان لم يدرس لكنه يقود المجتمع.

وأريد الإشارة أيضًا إلى أن طلاب أقسام النحت الآن بدأوا فى تطوير أنفسهم وأدواتهم، من خلال استخدام أعمالهم النحتية فى الديكور، مثل «المزايكو» و«الزجاج المعشق».

■ خضت فى عالمك التشكيلى تجارب متنوعة توحدت فيها المدارس الفنية، لكن بطريقتك الخاصة.. كيف استطعت التمكن من ذلك؟ من خلال الممارسة العملية أم النظرية؟

- لا فرق بين العملية والنظرية. الفنان يحتاج الدراسة النظرية لمعرفة التاريخ، إذن الجانب النظرى مفيد بجانب العملى، والجانبان يكملان بعضهما البعض. لكن الفن تبقى فيه دوافع شخصية لا علاقة لها بطبيعة الفن، فهناك فنان يعمل على اتجاه طول عمره، وآخر يتمرد ويجرب ويتدرب ويغير دائمًا.

بما يعنى أن الفن هو دراسة الاتجاهات والمدارس وتاريخ الفن.. إلخ، وهو الجانب النظرى، وممارسة هذا عمليًا، فإذا ما مل الفنان من اتجاه أو جانب وتغير، يكون هذا اجتهاد شخصى  على سبيل المثال، أنا أتدرب على طرق فنية كثيرة وجديدة، وعندما أسافر، هناك الكثير الذى أفعله، ويؤثر فى تعاملى مع الفن.

■ لماذا أسست «متحف الكاريكاتير» فى الفيوم؟

- أسست متحفين، «متحف الفيوم للكاريكاتير»، الذى أسسته عام ٢٠٠٧، بهدف جمع تراث «الكاريكاتير» المصرى كله، من بدايته وحتى الآن، لأننى فى الأصل أحب «الكاريكاتير»، رغم أننى لا أرسمه.

وفن «الكاريكاتير» من أهم الاجتهادات التى حدثت فى تاريخ مصر، لكن للأسف الشديد لم يكن أحد يهتم بهذا الفن وجمع تراثه، لذا أنشأت هذا المتحف، بهدف الحفاظ على تراث «الكاريكاتير»، بعد جمع هذه الأعمال منذ ٣٠ سنة.

■ وماذا عن «متحف عبلة»؟

- جارٍ العمل حاليًا على تأسيس «متحف محمد عبلة»، والهدف منه أن أجمع تاريخى الفنى وأعمالى الفنية، وأعمال الفنانين الذين أحببتهم طوال حياتى وشغفت بأعمالهم، بحيث من  يدخل المتحف يرى ويشاهد صورة متكاملة. ما الذى تأثرت به، ومن الذى أثر فىّ، ومراحل أعمالى الفنية المختلفة. ومن المفترض أن يُفتتح المتحف مع بداية العام المقبل ٢٠٢٥، وسيكون مقره فى الفيوم أيضًا.

محمد عبلة يتحدث للزميلة نضال ممدوح

■ بذكر المتاحف، ما دور المتاحف فى العالم الآن؟.. وأين متاحفنا منها؟

- المتاحف فى العالم مهمة جدًا، والكثير من الدول تهتم بها، والكثير منها الدخول إليه مجانى، فى ظل دورها المهم، سواء فى الحفاظ على التراث، أو تقديم هذا التراث، إلى جانب بناء أجيال جديدة تحب التراث. ومتحف يعنى مدرسة، وكلما تزيد المتاحف فى مجتمع، كان هذا المجتمع حيًا، وعنده رغبة فى التعلم، والعكس صحيح.

فى مصر، عندنا أقل عدد من المتاحف، فكيف أن عدد سكان الجمهورية ١٢٠ مليون نسمة، ولا يوجد لدينا غير متحف واحد للفن الحديث؟ هذا بينما متاحف الآثار أكثر، لأن السياح يرتادونها، وبصفة عامة، عندنا نقص كبير جدًا فى المتاحف.

■ ما رؤيتك لدور «الجاليريهات» فى وصول الفن المصرى إلى العالم؟

- يتكون الفن من ٣ أضلاع، فنان وجمهور و«جاليرى»، والجمهور منه مَن يكتفى بالفرجة، ومنهم مَن يشترى الأعمال الفنية، وهذه الأضلاع الثلاثة مهمة.

 وبالنسبة لـ«الجاليرى» يقوم فى الأساس على التكسب من الفن، من خلال البيع والعرض والشراء، هو مهم للعملية الفنية، لأنه يروج للفن ويساعد على انتشاره، لكن فى الوقت ذاته، «الجاليريهات» يمكن أن تضر الفن.

«الجاليرى» يضر الفن لو كان هدفه تجاريًا صرفًا، بمعنى أنه لا يعرض غير اللوحات والأعمال مضمونة البيع، وفى هذه الحالة يكون تابعًا للجمهور، أو تحت أمر الجمهور، وبالتالى الفنان يتأثر، ويكون هو الآخر تحت أمر ورغبات الجمهور، لذا عملية الإنتاج الفنى تحتاج تعاونًا بين الثلاثة عناصر: الفنان و«الجاليرى» والجمهور، حتى يتسنى للجميع إنتاج عمل محترم.

■ وماذا عما يتردد حول تمويل الفن التشكيلى و«الجاليريهات»؟

- فى الأول والأخير، «الجاليرى» مكان خاص، ولو مالكه له اتجاه سياسى أو غيره، لا يمكننا الحكم عليه أو تقييمه، إلا من خلال ما يقدمه أو يعرضه. وما يُشاع أو يقال عن أحد «الجاليريهات» بأنه «له أجندة لسحب الفنانين المصريين»، أو أنه «إخوانى» أو «سعودى» مثلًا، يُثبت أو يُنفى من خلال ما يقدم فى هذا «الجاليرى».

الجمهور يتردد على «جاليرى» هنا أو هناك، فقط لمشاهدة لوحات فنانين مصريين، لكن هل هو يروج للثقافة السعودية فى مصر؟ هل هو يدعو الناس لـ«السعودة»، أعتقد أن «كل دا كلام فاضى». كل «الجاليريهات» داخل فيها مستثمرون، وأنا ضد أنى أروح أشوف فن متخلف، وأنا أحاسب فقط على ما يقدم من فن فى «الجاليرى»، وليس «فلوسه جاية منين؟».

■ كيف ترى الحركة التشكيلية فى مصر الآن وموضعها من حركة الفن العالمى؟

- نحن بعيدون عن العالم بشكل كبير،  فالفنان فى العالم يستطيع عيش حياة مستقرة اقتصاديًا من عمله الفنى، إنما هنا لا نقدر على هذا، فالفنان فى مصر لا بد أن يكون له عمل أو إثنين، بجانب عمله بالفن.

وأى بلد فيها ٣ أو ٤ مجلات للفن التشكيلى، بينما لا توجد لدينا مجلة واحدة. فى العالم كل مدينة فيها «جاليرى»، بينما فى مصر لا توجد القاعات الفنية إلا فى القاهرة، وقاعة أو قاعتين على استيحاء فى الإسكندرية. ثم إن الحركة الفنية ليس فقط إنتاج لوحات، فالفنانون المصريون ينتجون لوحات عبقرية، رغم كل هذه الظروف، إلا أن هذا لا يعنى أن الحركة الفنية بخير.

على الدولة أن تساعد الفنانين وتدعمهم، لأن الفن جزء منه اقتصادى. مثلًا دولة مثل الإمارات تحقق دخلًا يقدر بـ٢ مليار، من الفن الذى لا تنتجه بالمناسبة، وإنما هو لفنانين من خارجها، لكن هنا فى مصر لدينا معوقات كثيرة لهذه الحركة، بداية من «الروتين» وعدم فهم قيمة الفن. على سبيل المثال، هناك جمارك لدخول وخروج لوحات الفنانين، ويجب الحصول على تصاريح، وهو ما يتطلب وجود متخصص، لتسهيل إجراءات حركة دخول وخروج اللوحات، وتذليل هذه العقبات.

أيضًا الجمارك الباهظة على الأدوات والألوان الفنية، نظرًا للتعامل معها على أنها «كماليات»، ما يزيد من سعر هذه الأدوات، رغم وجود ٢٠ مليون طالب بالكليات الفنية، ولو المواد متوفرة كل الفنانين سيعملون أفضل، خاصة الشباب فى الكليات الفنية، الذين يستعيضون عن المواد بأخرى، لعجزهم عن جلب المواد الأصلية.

■ ما أبرز طقوسك الفنية؟

- السير فى الشوارع، الكلام مع الناس، أدخل سينما، أقرأ كتبًا، أمارس أمورًا حياتية عادية ككل الناس، وعندما أبدأ العمل أستحضر كل ما مر هذا، فى مزيج يظهر فى العمل الفنى. لكن أنا لا أخطط «اسكتش» مثلًا قبل العمل، ولا أكتب «هاشتغل فى إيه»، عندما تأتينى الفكرة، إما أن تخرج على الفور فوق اللوحة وتُنفذ، أو لا تأتى، فالفكرة تكون حالة نتيجة ممارسات عديدة.