الجمعة 12 أبريل 2024
المحرر العام
محمد الباز

متى يفلس المثقف؟

حرف

يفلس المثقف عندما يتوقف عن إنتاج المعرفة، وعندما يكف عن لعب دور فى المجال العام، يعزز من خلاله ثقافته الوطنية، وحين يمارس شكلًا من شكول الاستبداد بالمعنى، فيعتقد أن الحق هو ما يقوله وحده؛ والصواب يكمن دومًا فى الجانب الذى يمثله. وهؤلاء المتثاقفون ينطلقون من تصورات يقينية عن العالم، مضفرة بأوهام لا نهائية عن الذات، فهى وحدها المناضلة، والنزيهة، والواعية، والمدركة، والمحيطة بسفاسف الأمور قبل أعظمها!!. 

وهذه صورة كارتونية بامتياز، تليق بشخصيات كاريكاتورية، وليس بمثقفين فاعلين، قادرين على خلق مناخ إيجابى، داعم لقيم الثقافة الوطنية وروافدها الحضارية الممتدة.

لكن هل يفهم بعض مثقفينا حقًا معنى الثقافة؟ وهل تشغلهم بحق؟ هل يملكون مشروعًا فكريًا يضاف إلى جملة المشاريع المعرفية التى عرفتها ثقافتنا المعاصرة؟ أم أنهم يملأون الدنيا ضجيجًا، تصديقًا للمثل العربى الشهير: أسمع جعجعة ولا أرى طحينًا!.

ظلت الثقافة عنوانًا مبهمًا لدى الكثيرين، وهى مفردة متسعة المعنى، عميقة المغزى، تعددت على متنها التعريفات، وتنوعت ما بين تصورات عامة، مثل مقولة إليوت بأنها تجعل العالم أفضل، وما بين تصورات أكثر خصوصية لدى الناقد والمفكر الإنجليزى تيرى إيجلتون، بأنها وسيلة لتوكيد الذات وتحقيق المعنى، وتصورات ثالثة أكثر قربًا لدى المفكر الفلسطينى العالمى إدوارد سعيد حين يرى أن المثقف يجب أن يكون أعلى تمثيلات الحقيقة، وأنه عينة ممثلة لجمهوره، ومن ثم فلا يجب أن يكذب، أو يراوغ، أو يتملق الشعور العام.

وربما ما نجده الآن على السوشيال ميديا يوقفنا أمام نمط يسعى لخلق حالة مستمرة من الاستقطاب، والدفع باتجاه المشاعر السلبية، عملًا بالمبدأ السيكوباتى الذى يختص بتسميم البئر على أصحابه.

وهذا النمط من المثقفين نمط دعائى فى جوهره، يحتفى بالشو أكثر من احتفائه بالمعنى. ويشعر دائمًا بالاستهداف، والمؤامرة الكونية المنعقدة ضده، وفى سبيل ذلك فهو لا يتوقف عن إنتاج السخائم، والضغائن، والاتهامات الجاهزة. 

يطرح هؤلاء خطابًا يعتمد على محورين: المظلومية، والاستشهاد، وليس بعجيب ولا غريب أن هذين المحورين من مرتكزات الجماعات المتطرفة، ويمثلان مع منهج التقية الذى يتبناه الإخوان ومناصروهم أساسات مركزية للفكرة الظلامية المعادية لمفاهيم الدولة المدنية الحديثة، ولقيم التقدم، والاستنارة، والتسامح.

إن المثقف عقل نقدى، وهذا ما ندفع باتجاهه باستمرار؛ ولا يمكن لأحد أن يكون ضد إعمال العقل النقدى، وتعزيز الخيال الإبداعى فى المجال العام، فهما خصيصتان حتميتان للنهوض والتقدم لأى أمة أو جماعة بشرية. هكذا سارت أوروبا وهكذا كان كُتّابنا ومفكرونا الحقيقيون الذين كانوا حراسًا أوفياء للثقافة الوطنية، وأساتذة أجلاء امتد تأثيرهم إلى ربوع عالمنا العربى؛ هكذا كان طه حسين، وتوفيق الحكيم، ونجيب محفوظ، ويحيى حقى، ولويس عوض، ومحمد مندور، ويوسف إدريس، ولطيفة الزيات، وشكرى عياد، وغيرهم.

والعقل النقدى يعنى أن تحمل الفكرة البديلة الوعى الممكن القادر على الاستشراف والتخطى، ولا يعنى الصراخ، والزعيق الصاخب المحمول على مظلات أيديولوجية رجعية، أو تحت لافتات صبيانية تتسم بالمراهقة الفكرية، وتلجأ إلى خطابات التحريض وإثارة المشاعر السلبية، واللعب على وتر الغضب وتزكيته من دون أى فكرة محددة، ومن دون أى رغبة فى تعزيز الوجود الإنسانى الأصيل، المتكئ على الوعى الخلاق وليس الوعى الزائف، وتنمية الثقة بالذات الفردية، ووصل الشخصية المصرية بالقيم الحضارية المتراكمة التى شكّلها تاريخ ممتد لآلاف السنين.

ربما ولهذا جميعه نحن بحاجة إلى تفكيك معنى الثقافة، ومعنى المثقف وصورته فى الآن وهنا، وأن يقف مثقفونا على التحديات الراهنة، ساعين إلى أن تصبح الثقافة قيمة مضافة إلى متن الدولة المصرية.

لا شك أن ثمة تحديات مختلفة تواجه الثقافة المصرية، تتمثل فى قيود الأيديولوجيات الجامدة التى تطرح تصورًا ماضويًا للعالم من جهة، وتسعى إلى تنميط الذائقة الإبداعية من جهة ثانية، فضلًا عن تزايد الأداء الروتينى على بعض قطاعات وزارة الثقافة، وانتفاء روح المبادرة، وحدوث ما يسمى «تآكل النخب»، وهى إشكالية فى العالم جميعه بالمناسبة، وندرة العمل الثقافى الأهلى؛ ولذا فإن ثمة حاجة حقيقية فى الآن وهنا إلى مشروع ثقافى وطنى الملامح والهوى، منفتح على محيطه العربى، من جهة، وعلى الدوائر الجيوثقافية من جهة ثانية، حيث الدوائر الإفريقية، والمتوسطية، ومن ثم العالمية، وهذا يستدعى تعزيز النفوذ الثقافى المصرى، والعمل على تنميته باستمرار، واستيعاب كل التغيرات الحديثة، والوعى بطبقات التراكم الفكرى والإبداعى الذى صنعته أجيال الريادة المصرية فى محيطنا العربى، وتأثيرها الملهم فى أقطار عديدة حتى اللحظة الراهنة.

ويقتضى هذا الفهم العمل على استئناف مشروع التنوير المصرى الذى توقف بفعل عوامل عديدة لا مجال لذكرها الآن، واستعادة معنى التنوير تعنى استعادة جوهره الخلاق فى إعمال التفكير النقدى، والخيال الإبداعى، والانطلاق من وصل الثقافة بمحيطها الاجتماعى، بحيث يصبح التنوير حالة مجتمعية بالأساس، ترعى الأمل، وتعزز قيم الجدارة والجمال؛ وأن يتم هذا وفقًا للوعى بالجدل السياسى والثقافى، بحيث تصبح صناعة الجمال، وتنمية الوعى غاية فكرية للثقافة المصرية فى لحظتها الراهنة، ومشروعًا معرفيًا وجماليًا ممتدًا، وقيمة مضافة إلى متن الدولة الوطنية، وحجر أساس فى بناء الجمهورية الجديدة، واهتمامها بالقدرات الشاملة، وتكريسها قيم التنوع الخلاق. 

ويظل ثمة ضوء ساطع دومًا يتمثل فى الروح المصرية ذاتها، هذه الروح الإبداعية الولود والمتجددة، والتى تحمل معها طبقات من المفكرين، والمبدعين، الذين يمثلون القوة الناعمة فى أكثر تجلياتها وهجًا ونموًا. ويستلزم تفعيل هذه الطاقات الفكرية والإبداعية الضخمة إعادة الاعتبار للمناخ الثقافى ذاته، وما يستدعيه من بلورة صورة المثقف، وعدم فقدان المثقف ذاته هذه البوصلة السحرية الموصولة بحبل الوطن المقدس، وسعيه الحقيقى صوب غد أكثر جمالًا وتقدمًا. 

وكى نصل إلى هذا المعنى المنشود لا بد من أن يعى المثقف دوره بحق، ويدرك جوهر وجوده باعتباره قاطرة حقيقية تدفع بالوعى والمجتمع إلى الأمام، وليس محض مثقف تقنى، فاقد لماهية وجوده، وانتمائه الهوياتى المركب من جذور حضارية متعددة شكلت فى مجموعها الهوية الوطنية المصرية الجامعة.

وفى عالم من السيولة اللا نهائية، تفككت فيه المقولات الكبرى، لكنها لم تسقط بل يعاد إنتاجها عبر عناصر ذاتية وهامشية، سيكون على المثقف الانحياز غير المراوغ إلى قيم الحق والخير والجمال، بوصفها القيم الفلسفية الكبرى التى يجب أن تشكل الوجدان العام، وتصبح حائط الصد الفكرى أمام التيارات التكفيرية، والتصورات الرجعية التى تحمل معها التشرذم، والتعصب، والتمييز.

وربمًا أيضًا نحن بحاجة فى هذا السياق إلى استراتيجية ثقافية شاملة تستلهم مكوناتها من مزج العناصر المحلية المكونة لجوهر الثقافة الوطنية، والتحولات ما بعد الحداثية التى انفتح عليها العالم جميعه. 

يجب أن تتكامل الثقافة مع قيم الاستنارة، وأن يعملا معًا بصبر ودأب على الارتقاء بالشعور العام، وتشكيل العقل الجمعى عبر أدوات جديدة تعتمد على خيال جديد، وأفكار ملهمة وخلاقة، لا تدور فى دائرة مفرغة من التصورات والملامح.

إن انتخاب سياسات ثقافية جديدة، وانتهاج استراتيجيات متطورة فى صناعة الثقافة بجميع مكوناتها فى الإنتاج والتوزيع، أو فى الابتكار والانتشار، قد أصبح أمرًا مهمًا للغاية، لن تحققه سوى آليات إجرائية تضع نصب عينيها قدرة الثقافة على بلورة خطاب الدولة الجديدة، من جهة، وتعزيز ثقة الإنسان الفرد فى ذاته من جهة ثانية، بحيث يجب على وزارة الثقافة بجميع قطاعاتها وهيئاتها أن تتجه إلى تنمية الجوانب الإيجابية فى الشخصية المصرية، عبر تطوير كفاءة المؤسسات الثقافية ذاتها، وإيجاد خطط فاعلة لديها فى تعزيز الوجود بالفرح الإنسانى عبر الأدب، والموسيقى، والسينما، والمسرح، والفن التشكيلى، والأفكار المنتجة الخلاقة.

وبعد.. لن يعيد الاعتبار لصورة المثقف سوى المثقف ذاته أولًا، حين يضع نصب عينيه أن الوطن غاية، والثقافة خلق جديد، والعقل النقدى ضرورة، والصراخ الأجوف إفلاس، وإدمان الشو عبث. وأن العمل الثقافى البناء ينتصر للأفكار الخلاقة، وينحاز إلى الخيال الإبداعى، ولا يرى فيه المثقف نفسه أعرف من الآخرين، وأننا جميعًا مجرد حلقة من سلسلة ممتدة فى نهر لن ينضب ولن يجف.