الجمعة 09 أكتوبر 2026
المحرر العام
محمد الباز

النكسة.. النصر.. التوريث.. ملفات ساخنة فى مذكرات عمر بطيشة

حرف

- للأسف.. كنا نسابق جمال عبدالناصر فى خطواته وندفعه دفعًا إلى المغامرات السياسية والاقتصادية والعسكرية

- لا زعيم فى العالم كله حظى بكم الأغنيات الوطنية التى تتغنى باسمه مثل عبدالناصر

- كان الشعراء والملحنون والمطربون يجرعون جمال عبدالناصر «خمر السلطة»

- الرئيس أنور السادات حقق حلم شعب مصر فى العبور يوم ٦ أكتوبر المجيد الذى جاء معجزة مصرية خالصة

- السادات هدم السجون وأحرق شرائط المخابرات المسجل عليها التنصت على المواطنين

- السادات اعتقل الآلاف دفعة واحدة من كتاب وقادة الرأى فى مصر مسلمين وأقباطًا

صدر حديثًا عن دار الشروق كتاب «شهادتى على العصر.. ستون عامًا فى الإذاعة المصرية» للإعلامى عمر بطيشة.

الكتاب صدر فى 152 صفحة من القطع الطويل، وفيه يتناول بطيشة ذكريات حقبة مضت كان فيها برنامجه الشهير «شاهد على العصر» شاهدًا بالفعل على عدد كبير من التحولات والكواليس فى الفن والسياسة وغيرهما..

وإن كان عمر بطيشة قد أصدر قبل ذلك عددًا من الكتب تحت عنوان شاهد على العصر يتناول فيها أهم الآراء التى وردت على لسان ضيوفه فى برنامجه، فإن كتابه الجديد «شهادتى على العصر» يتناول فيه الكثير من الأسرار والحكايات، مثل دخوله عالم الأغنية وكتابته لعدد من الأغانى لفايزة أحمد، والأغنيات التى كتبت بعد ثورة يوليو 52، وما تلاها من فترة حرجة فى عمر مصر وصولًا لنكسة يونيو 67، وما تلاها..

كما يتطرق للكثير من الأسرار مثل كواليس المنافسة بين أم كلثوم ومحمد عبدالوهاب، وعبدالحليم على بث الأغانى الوطنية، وفى الأخير يظهر الكتاب وكأنه رحلة فى فترة من عمر مصر، كان عمر بطيشة شاهدًا على تحولاتها من خلال الأغنية والبرنامج وغيرها..

رحلة تجاوزت نصف قرن اختصرها عمر بطيشة فى كتابه الجديد عن الإذاعة المصرية بين الاستديوهات، تعرف فيها على صراعات النجوم ومعارك الإعلاميين وأسرار وكواليس تستحق أن تروى..

منذ أواخر القرن التاسع عشر ومصر تسير من ثورة إلى ثورة.. لكى تحقق العدالة الاجتماعية والاستقلال الوطنى والكرامة الإنسانية، وترفع المظالم والفقر عن كاهل الشعب.. ولكن كلما قامت ثورة تم إفراغها من مضمونها واحتوائها.. فيقوم المصريون بثورة جديدة.. وهكذا.. فرأينا ثورة أحمد عرابى، ثم ثورة ١٩١٩ بقيادة سعد زغلول، ثم ثورة الطلبة فى ١٩٣٥، ثم ثورة عبدالناصر فى ١٩٥٢، ثم ثورة السادات «التصحيح» فى ١٩٧١، ثم ثورة ٢٥ يناير ٢٠١١، ثم ثورة ٣٠ يونيو ٢٠١٣.

ولمَ كل هذه الثورات المتلاحقة؟ إن أكثر شعوب العالم لم تشهد أكثر من ثورة غالبًا، ثورتين أحيانًا.. مثلًا الثورة الفرنسية، الثورة الأمريكية، الثورة الروسية.. فما بالنا نخرج من ثورة إلى ثورة؟ ذلك أن أيًّا من هذه الثورات لم يحقق الاستقرار النهائى. لا بد أولًا من الاستقرار الفكرى.. الاستقرار على الهوية... وهو السؤال الذى طرحته الهزة الحضارية التى أحدثتها الحملة الفرنسية: هل مصر فرعونية، أم عربية أم إسلامية أم علمانية؟ وتكرس السؤال بعد أن فرض محمد على وبعثاته نظام التعليم العام «المدنى» بمدارس أميرية حديثة تقدم تعليمًا مدنيًّا موازيًا للتعليم الدينى الأزهرى الذى كان لا ينافسه تعليم... فانشطر المصريون إلى شطرين: مدنى ودينى.. ولكن هنا ظهرت عبقرية مصر المتمثلة فى التجميع والوسطية والاعتدال والثراء الحضارى، والتوفيق بين المتناقضات لتخلق منها ثراءً حضاريًّا وثقافيًّا، وبدأت شخصية مصر وهويتها تتبلوران فى الوسطية والاعتدال، ورفض الذوبان لا فى كيان استعمارى مستور، ولا فى قالب متوارث من العصور الأولى.. فجمعت طرفى المعادلة: الأصالة والمعاصرة بكل عبقرية حضارية، وخلقت منهما مزيجًا أو «مزاجًا» مصريًّا خالصًا بها لا تجده عند أى أمة أخرى. 

ولكن ظلت مصر ترزح تحت مشاكل مزمنة هى الجهل الذى أصاب أكثر من نصف سكانها بالأمية، والفقر الذى ضرب أكثر شعبها، والمرض الذى أورث المصريين الأمراض المزمنة كالبلهارسيا والإنكلستوما، وأيضًا الجدرى والكوليرا والتيفود التى كانت تهجم فى موجات إبادة، وشلل الأطفال وأمراض الرمد والجفاف، وغيرها التى فتكت بأطفالها على مدى عقود إلى أن تضافرت جهود العالم والتقدم الطبى، فاكتشفت علاجات لهذه الأمراض؛ ما ضاعف عدد السكان أكثر من مرة، وإن بقى فيروس سى يأكل أكباد المصريين، والتلوث يهدد حياتهم إلى زمن قريب. 

وكان كل رئيس حكومة فى العهد الملكى يضمن خطاب العرش الجملة الشهيرة: «وستعمل حكومتى على محاربة الفقر والجهل والمرض». ويردف: «وسنقضى على الحفاء»! والحقيقة أنه تم بالفعل القضاء على الحفاء، وإن بقيت حال المصريين على ما هى عليه من فقر وأمية، وكثير من المرض مع انفجار سكانى ضيق أرزاقهم وقلل إمكانات أى حكومة فى إيجاد حلول ناجحة للمشاكل. 

وتتوازى مع هذه المشاكل، مشكلة الإرهاب.. وهو السرطان الذى أصاب الأمة منذ بدايات القرن العشرين باغتيال بطرس غالى، وتعدد محاولات الاغتيال بعد ذلك وبروز جماعة الإخوان المسلمين سنة ١٩٢٨، واقترانها بالعنف بعد سنوات قلائل من ظهورها واغتيال النقراشى رئيس الحكومة، ثم اغتيال مرشدها العام حسن البنا فى المقابل، ومحاولة اغتيال جمال عبدالناصر، والمواجهة الدامية بين الإخوان والنظام، وخروج الجماعات وتنظيمات الإسلام السياسى التى اتخذت العنف والإرهاب منهجًا والاغتيالات سبيلًا، واغتيال أنور السادات، وارتكاب حوادث إرهاب فى الأقصر وفى المدن والشوارع، واستئناف نهج العنف والإرهاب بعد إزاحة مرسى والإخوان فى يوم ٣٠ يونيو ٢٠١٣؛ ما روع شعب مصر وجعله يكره الإخوان المسلمين ومن يحذو حذوهم من التنظيمات، مثل السلفيين والجهاد والجماعة الإسلامية ومن إليهم.. ويتساءل المصريون- ومعهم كل الحق- يعنى إيه إخوان مسلمين؟ وهل نحن- المصريين- لسنا مسلمين؟ فليسموا أنفسهم أى اسم آخر؛ لأن الإسلام ليس مقصورًا عليهم.. فنحن شعب متدين بالفطرة.. مسلمين ومسيحيين.. نسيج واحد معتدل وسطى، لدرجة أن المسلمين يزورون قبور القديسين النصارى ويتبركون بها، كذلك يتبرك المسيحيون بأولياء المسلمين ويشاركونهم مناسباتهم الدينية ويحترمون صوم رمضان.. فلماذا نسكن الشيطان بيننا كما يريد متشددو ومتطرفو الإسلام السياسى.. هل هم أكثر إسلامًا من كل المصريين؟ الله يحكم بيننا، ولا تشقوا عن قلوبنا ولا تحكموا على النيات بالمظاهر.. وعودوا مصريين مثلنا.

والملاحظ أن كل حاكم لمصر كان يبدأ حكمه بداية مثالية ثم سرعان ما ينقلب إلى العكس. الملك فؤاد جاء له سعد زغلول فى ثورة ١٩١٩ بأعظم دستور مصرى إلى الآن وهو دستور ١٩٢٣، وازدهرت فى عهده الفنون والعمارة والإبداع ثم سرعان ما انقلب على الدستور فألغاه، إلى أن أعادته ثورة الطلبة سنة ١٩٣٥. 

الملك فاروق بدأ محبوبًا فاقت شعبيته الحدود.. ثم سرعان ما طمح إلى خلافة المسلمين، فدخل حرب فلسطين عام ١٩٤٨ دون استعداد فهزمنا وسميناها «النكبة». وجاء جمال عبدالناصر.. تجسيدًا لحلم البطل الشعبى فقاد ثورة ١٩٥٢، وانحاز للفقراء، وحدد الملكية الزراعية، وأقر مجانية التعليم، وبنى السد العالى، وقهر الاستعمار وجعل اسم مصر على كل لسان فى العالم. دولة حرة ذات سيادة وإرادة ودور.. والذين يتحدثون عن تجمع العرب كلهم فى الخميس الأول من كل شهر حول أجهزة الراديو ليستمعوا إلى الحفل الشهرى للسيدة أم كلثوم، يجب ألا ينسوا أن الشعب المصرى كله كان يتجمع أيضًا بالملايين حول أجهزة الراديو حينما كان جمال يخطب، ولكنه والشعب معه اعتبر أن خروج الاحتلال الإنجليزى باتفاقية الجلاء عام ١٩٥٤ هو غاية المراد من رب العباد! وأن حرية الوطن أو تحرره من الاستعمار تجبُّ حرية المواطن.. وأن حرية المواطن تتماهى مع حرية الوطن، لذلك لا أحزاب ولا ديمقراطية ولا صحافة حرة ولا معارضة ولا إعلام تعددى، وإنما حزب واحد هو حزب الدولة «الاتحاد الاشتراكى»، وغير مسموح بالمعارضة خارج هذا الإطار.. وكأن عبدالناصر يقول لقد حققت لكم جلاء الإنجليز الذى ظللتم سبعين سنة تحاولون إخراجهم بلا جدوى.. فلى عليكم السمع والطاعة.. وهكذا انقلب النظام إلى دكتاتورية. ودخل فى مغامرات عسكرية فاشلة قبل نكسة يونيو ١٩٦٧ أبرزها حرب اليمن.. وكانت الهزيمة من إسرائيل فى ١٩٦٧ التى سميناها النكسة!

عبدالناصر يتابع إنشاءات السد العالى
عبدالناصر يتابع إنشاءات السد العالى

سوف أعتبر شهادتى ناقصة إذا لم أثبت فيها براءة عبدالناصر من وزر النكسة! فالحقيقة أننا كلنا كشعب مسئولون معه عن هذا الوزر.. فقد كنا نسابقه فى خطواته وندفعه دفعًا إلى المغامرات السياسية والاقتصادية والعسكرية... وذلك بالأغنيات الملتهبة التى تتغنى باسمه وإنجازاته.. وبالاستفتاءات التى تحصل نسبة الموافقة فيها ٩٩٪، وبالحشود التى كانت تملأ الشوارع والميادين انتظارًا لطلته، واحتفالًا بمروره، وفرحًا بمقدمه، وابتهاجًا بخطبه السياسية الثورية الملتهبة! كنا نسابقه فى قراراته وندفعه إلى المزيد.. وكان الشعراء والملحنون والمطربون والمطربات يتغنون باسمه ويجرعونه خمر السلطة.. فغنت أم كلثوم «يا جمال يا مثال الوطنية»، وغنى عبدالوهاب «ناصر يا حرية»، وغنى عبدالحليم «يا جمال يا حبيب الملايين».. وتبارى صلاح جاهين والأبنودى فى حثه على مزيد من الخطوات الثورية مثل: يا أهلا بالمعارك.. ولا يهمك يا رئيس م الأمريكان يا ريس.. وغيرها الكثير والكثير. وجمال عبدالناصر بشر.. أدرنا رأسه بنشوة المدح والثناء، بل والتغزل فى ملامحه الشخصية مثل أغنية «وجمال وجرح قديم فى جبينه»، أو أغنية شادية «عربى فى كلامه عربى فى سلامه.. حتى ابتسامه عربى عربى»! فحولناه إلى معبود وصدق نفسه.. فتمادى دون أن يواجهه أحد أو يجرؤ على نقده أو معارضته أو مناقشته.. حتى خالد محمد خالد الذى تجرأ فى إحدى جلسات اللجنة التحضيرية للميثاق الوطنى- عام ١٩٦٥ على ما أذكر- فانتقد غياب الحريات، فوجئ بجمال عبدالناصر يحضر نفسه الجلسة التالية، ويناقشه فيما ذكره أمس ويلومه على ما قال.. ويكتشف الحاضرون أن عبدالناصر كان يستمع إلى كل مناقشاتهم من خلال ميكروفونات متصله بمكتبه مباشرة، فأخذوا حذرهم وكفوا من الصراحة! 

وأنا أؤكد أنه لا زعيم فى العالم كله حظى بكم الأغنيات الوطنية التى تتغنى باسمه مثل جمال عبدالناصر، حتى إنه يدخل موسوعة جينيز فى هذا الفرع. وبعد نكسة يونيو ١٩٦٧ تم حظر كثير من هذه الأغنيات، كما تم حظر أغنيات أخرى مثل أغنية عبدالوهاب «هيلا هوب هيلا»؛ لأن فيها مقطع يقول «صلح قلوعك يا ريس»! وكانت تصلنا هذه التعليمات بالمنع والحظر ونحن فى الإذاعة المصرية.. أيضًا تم منع أغنية «يا مصطفى يا مصطفى»، خشية التعاطف مع الزعيم الوفدى مصطفى النحاس! وطال المنع معظم الأناشيد الزاعقة، وتعززت مكانة أغنية «بلدى أحببتك يا بلدى» لمحمد فوزى التى لا تحمل اسم الزعيم، ومثلها أغنية «وطنى وصبايا وأحلامى»، وذاعت أغنية «بالأحضان» لعبدالحليم، التى تتغنى ببلادنا الحلوة.. وهكذا. فيا أيها اللائمون قبل أن تلوموا جمال عبدالناصر لوموا الشعب وعلى رأسه كبار مثقفيه وفنانيه.. فهم كانوا مشاركين فى مسئولية تخدير الجماهير، وتضخيم الحلم، ومضاعفة التطلعات التى انقلبت يوم الخامس من يونيو ١٩٦٧ إلى كابوس أسود رهيب.

سمعنا وقرأنا الكثير عن زوار الفجر، وعن التعذيب فى سجون النظام فى عهد عبدالناصر.. وبالغ الإخوان المسلمون فى تسويد وتلطيخ الصورة، وسموا هذه السجون «سراديب الشيطان»، كما كان عنوان كتاب أحمد رائف.. وكما شاهدنا فى فيلم «إحنا بتوع الأتوبيس»، وبعض روايات نجيب محفوظ محفوظ مثل «الكرنك»، لكنى سأتغاضى عن تلك المبالغات وأكتفى بسرد ما حدث أمامى كشاهد عيان وليس فقط شاهد عصر.. ففى ذات مرة كنت أجلس مع صديقى المؤرخ والكاتب الصحفى الراحل جمال بدوى فى بيته، وكانت هناك مباراة كرة قدم تذاع فى التليفزيون.. وإذا به ينتفض ويسارع إلى إغلاق التليفزيون.. فسألته ماذا به، فقال لى ألا تعلم أن ستاد القاهرة الذى تقام عليه هذه المباراة كان أصلًا اسمه ستاد ناصر؟ قلت له: بلى، أعلم.. قال هل تعلم ماذا كان على أرض هذا الاستاد قبل أن يكون ستادًا لكرة القدم؟ قلت له: لا.. قال كان مكانه السجن الحربى الذى مديره السفاح الأثيم الراحل حمزة البسيونى وزبانيته من شياطين التعذيب، وكان قدرى أن سجنت وقضيت فترة قصيرة فى هذا السجن.. قصيرة نعم، لكنها كانت كافية لتزرع فىّ عقدة نفسية طالت معى وتلازمنى إلى الآن كلما رأيت مباراة على أرض الاستاد، الذى بنى على أرض هذا السجن المقيت؛ وذلك بسبب أَرَقِى كل ليلة وأنا أسمع أصوات الاستغاثة وصراخ المعذبين وأنين الموجوعين من آثار التعذيب فى ساحات وزنازين.. هذا السجن والحمد لله أن تم هدمه وبأمر عبدالناصر نفسه، وبنى على أرضه ستاد ناصر.. ولكنى لا يمكننى أن أمنع قشعريرة تشمل جسدى كله حين أتذكر هذا السجن اللعين، وما كان يحدث فيه من تعذيب ينتهك كرامة ورجولة الإنسان. و هنا طلبت من أستاذ جمال بدوى أن يسجل لى حلقة فى برنامج شاهد على العصر، ويروى فيها ما رآه بعينيه وسمعه بأذنيه، وقد وفى بوعده وفعل... وحلقته موجودة إلى الآن فى مكتبة الإذاعة المصرية.

السادات يهدم المعتقلات
السادات يهدم المعتقلات

على أنى لن يهنأ لى بال قبل أن أختم فصل تبرئة عبدالناصر.. بشهادة شخصية على ما قدمه عبدالناصر لى ولجيلى- جيل ثورة يوليو- على مدى رياسته. 

فمثلًا لم يكن لى أن يتم تعيينى مذيعًا بالإذاعة المصرية قبل جمال عبدالناصر.. فلم أكن من أسرة إقطاعية، ولم تكن لدى واسطة، ولا أملك أن أقدم رشوة! ولكن نظام عبدالناصر جعل الفرصة متساوية للجميع فى الالتحاق بالوظائف المهمة بالدولة لو كانوا يملكون مؤهلاتها ومقوماتها.. ويعد أسماء مثل: أحمد سالم، وعلى خليل، وصفية المهندس، وحافظ عبدالوهاب.. دخل الإذاعة عبدالوهاب قتابة، وعباس متولى، وعمر بطيشة، وفتحى كامل، ونفيسة شاهين! 

أيضًا ما كان ممكنًا أن يتم نشر ديوان «الهجرة من الجهات الأربع»، وهو ديوانى الشعرى الأول على نفقة هيئة الكتاب ورئيسها الشاعر الكبير صلاح عبدالصبور لولا أن سياسة الدولة فى عهد جمال كانت تشجيع الشباب واحتواء طاقاتهم وإبداعاتهم. 

كذلك حصلت فى عهد عبدالناصر- أنا وزميلى عباس متولى- على شقة فى مشروع ناصر للإسكان.. وكانت شقة صغيرة ولكنها جميلة وتطل على نيل روض الفرج ونرى كوبرى إمبابة كله فى موقع متميز وبجنيهات قليلة كإيجار شهرى. وقبل ذلك أعترف أنه لم يكن من السهل إكمال تعليمى الجامعى بعد وفاة أبى وأنا فى السنة الأولى بكلية الآداب.. لولا القرار الثورى لعبدالناصر بمجانية التعليم الجامعى.. وبعد أن كانت الأسرة تدبر مصاريف الترم الثانى فوجئنا بصدور قرار المجانية فانزاح من على صدر أسرتى عبئًا ثقيلًا، ومن على صدور كل الأسر المصرية.. وأذكر هنا أن المحامى الكبير الراحل فريد الديب اتصل بى مرة بعد خروجى إلى المعاش وطلب منى طلبًا تصوره عزيزًا.. وهو تسجيل لأغنية «ذات ليلة» لعبدالحليم حافظ، وهى الأغنية التى تصور حال طالب فقير فى ليلة شتاء يجتهد ويعانى من أجل توفير مصاريفه الجامعية، وكيف استقبل نبأ الإعفاء من المصروفات الجامعية.. فسألته وما سر طلبك حيازة هذه الأغنية، ولو بشرائها من الإذاعة قال لى إنه مر بنفس الظروف التى تصورها الأغنية، ولولا قرار المجانية ما أكمل تعليمه وأصبح قاضيًا ثم محاميًا كبيرًا وقد أشرت عليه أن «ينزلها» من اليوتيوب فى خمس ثوان مجانًا وكان يكلف حفيدته بذلك، وأتممت المهمة فى دقائق، فلم يصدق نفسه من الفرحة وهو يجد تسجيل الأغنية بين يديه، واتصل بى ولسانه يلهج بالشكر والبهجة!

كل هذه مآثر شخصية، التى استفاد بها جيلى من عهد عبدالناصر نصير الفقراء والمعدمين، الذى رفع الظلم عن الفلاحين فى قرى ونجوع مصر وعن العمال فى عنابر مصانعهم، وكل المهمشين الذين ذاقوا الحرمان قبل عهد عبدالناصر. وأنا أميل إلى أن أقول مع بعض المنصفين إن النكسة كانت فخًا نصب بذكاء لجمال عبدالناصر اعتمادًا على دراسة الغرب وإسرائيل لشخصيته الثورية المندفعة وعناده الصعيدى.. خاصة وهم يعلمون أنه كان قد سلم أمر القوات المسلحة لأهل الثقة لا أهل الخبرة - أعنى المشير عبدالحكيم عامر - وعاد من مراكز القوى... وكان معظم جيش مصر فى اليمن.. فكان كالثمرة التى تستعد للسقوط... وسقطت يوم ٥ يونيو ١٩٦٧. 

ويخطئ من يحمل الإمام وحده المسئولية.. مسئولية خداع الجماهير.. فقد كنا مخدوعين أيضًا، وأذكر أننى كلفت بالسفر إلى سيناء يوم ٧ يونيو لتغطية أحداث الحرب لإظهار صمود الشعب المصرى.. ما يدل على أن المسئولين فى الإذاعة لم يكونوا يعرفون حجم الكارثة التى حلت بنا يوم ٥ يونيو.. ومع ذلك نفذت الأوامر.. كنت أعزب لم أتزوج بعد فى شقة مساكن ناصر.. فأخذت دشًا باردًا ووقفت فى البلكونة على النيل فى السادسة صباحًا 

أنتظر سيارة الإذاعة حتى أتت وأخذتنى إلى الإسماعيلية ثم القنطرة غرب ثم القنطرة شرق، وأجريت عدة تسجيلات عن الصمود والاستعداد للعدوان وعدنا.. ولو تأخرنا بضع ساعات لرافقنا الجيش فى عملية الانسحاب! أى أصبت بحساسية والتهاب مزمن فى الجيوب الأنفية أعانى منها إلى الآن نتيجة الانتظار بالشعر مبللًا فى بلكونة على النيل! 

ومهما أفضت فى القول عن أثر النكسة على جيلنا فلن أستطيع أن أصف مدى الهوان والذلة والانكسار الذى أصابنا.. حتى أن الدموع كانت تملأ عينى حينما كنت أستعرض مشاهد العدوان على البشر والقناة والمدن والبيوت والمدارس والمساجد والكنائس بلا تمييز... حتى اضطر عبدالناصر إلى تهجير سكان وأهالى مدن القناة الثلاث إلى مدن الدلتا والقاهرة والإسكندرية... وكان صعبًا على النفس أن تشاهد الفتيات من أبناء الأسر المهجرة وهن يخرجن للمهانة والبهدلة.. وأقسم أن هذه الدموع التى تخطت عينى كلما تذكرت منظر بهدلة بنات العائلات وأطفال فى عمر الزهور تحولوا إلى مشردين وأطفال شوارع.. وظلت هذه الدموع تملأ عينى حتى بعد سنين وبعد العبور وانتصار أكتوبر... وكيف لا؟! 

وجاء الرئيس أنور السادات.. وأيضًا بدأ بداية رائعة.. فهدم السجون وأحرق شرائط المخابرات المسجل عليها التنصت على المواطنين، وقضى على مراكز القوى، وبدأ الديمقراطية التعددية الحزبية، ثم حقق حلم شعب مصر فى العبور يوم ٦ أكتوبر المجيد الذى جاء معجزة مصرية خالصة.. إذا بالسادات وفى عز نشوة النصر يقود انقلابًا على الاشتراكية، ويقر سياسة الانفتاح والرأسمالية، ثم قام بمفاجأة أخرى بعقد اتفاقية سلام مع إسرائيل، ووقع معاهدة كامب ديفيد لاستعادة سيناء، وإعادة تشغيل قناة السويس، وقد عاداه الكثيرون، وبدأ يطاله الكثير من النقد والمعارضة الشرسة فنفد صبره مبكرًا واعتقل الآلاف دفعة واحدة من كتاب وقادة الرأى فى مصر مسلمين وأقباطًا.. فكان اغتياله فى يوم ذكرى انتصاره فى ٦ أكتوبر ١٩٨١ على أيدى متطرفين إسلاميين، وبرصاص ضابط من جيش مصر هو الإسلامبولى «خالد».

وجاء مبارك.. وأيضًا بدأ بداية طيبة.. فأخرج معتقلى السادات، وقال الكفن مالوش جيوب... ولكن سرعان ما أحاطت حاشية أو نخبة من محترفى السياسة ورجال الأعمال وكبار الصحفيين، وهو كان قليل الاستعداد فعاد عن سواء السبيل، وبدأ فى تحويل مصر إلى دولة بوليسية بامتياز.. وبدأ كل أجهزة الدولة تسعى فى منظومة واحدة لفرض توريث حكم مصر من مبارك إلى ولده جمال، وفى سبيل ذلك تهتك أعراض ويداس بالأحذية على الرءوس، وتكتم الأفواه، ومن يعترض فدهاليز أمن الدولة جاهزة بآلات التعذيب، وأقلها الاغتصاب للرجال قبل النساء! وهذه كانت الطامة الكبرى التى عصفت بمبارك وبحكمه وبأركان نظامه بالثورة فى ٢٥ يناير ٢٠١١. وأذكر هنا أنى- مثل المصريين- كنت أرفض التوريث وكنت رئيسًا للإذاعة المصرية، ولكن ذلك لم يمنعنى من اختراق الحظر فى مكالمة مشهورة أذيعت يوم أول يناير ٢٠٠٤، كنت قد بنيت النية على فتح موضوع التوريث- وهو موضوع محظور الحديث فيه معه حتى على كبار الصحفيين الذين كانوا يرتبون معه طائرته الرئاسية.. لذلك لم أستأذن أحدًا ولم أطلع السيد صفوت الشريف وزير الإعلام على نيتى خوفًا من أن يرفض- وكان سيرفض قطعًا- وفعلًا فاجأت الرئيس الأسبق مبارك بسؤالى عما يتردد عن نيته توريث نجله جمال.. وفوجئ فعلًا وكاد يحتد ولكنه تماسك وإن رد بعصبية واضحة نافيًا أى نية للتوريث، مؤكدًا أن قيادات الحزب الوطنى أقنعوه بأن يتخذ من جمال مساعدًا له فى شئون الحزب.. لا فى شئون الحكم! طبعًا هذه المكالمة تناقلتها وكالات الأنباء العالمية والقنوات الإخبارية العربية والشرقية.. وإن كان نفى مبارك لا ينفى أن جمال كان هو الحاكم الفعلى لمصر وقتها، وكان الوزراء يتعاملون معه باعتباره رئيس الجمهورية، ويستأذنوه قبل اتخاذ أى قرار.. وهذا معلوم ويعرفه شخصيًا من واقع تعاملى معهم.. وهذه شهادة. قبل ذلك بسنوات وفى عام ٢٠٠٠، طلب منى المشاركة فى احتفال عيد الإعلاميين بمدينة الإنتاج الإعلامى الذى سيحضره مبارك مثل كل عام.. فكتبت أغنية «يا رئيس الجمهورية» لحن فاروق الشرنوبى وغناء محمد الحلو ونادية مصطفى.. وكانت أغنية نقدية جريئة أذكر من أبياتها:

كنا فى الشدة رجال.. نتحمل صبر جبال

بس الغنى قبل الفقر.. مش يبقى عكس الحال 

لو يبقى هناك مشروع.. والحق كمان مدفوع 

للدولة ولولاد بلدى.. يبقى مفيش ولا موضوع

وبلا أى قضية.. يا رئيس الجمهورية

وأشهد أن مبارك لم يعاقبنى فى الحالتين.. لا بسبب تأليفى لهذه الأغنية «الثورية» التى فاجأته فى الحفل، بجرأتها فى مهاجمة الفساد الذى توحش فى عهده، ولا بسبب جرأتى فى المكالمة المشهورة، وإثارتى لقضية التوريث ما جعلها قضية مطروحة للجدل والنقاش والتعليقات أمام الرأى العام المصرى والعربى والعالمى؛ وذلك لأنى كنت محسوبًا على النظام، فقد كنت رئيسًا للإذاعة المصرية، كما أن لى أغانى سابقة تمتدح مبارك لدوره فى حرب أكتوبر مثل أغنية «البطل ده من بلادى» لوردة الجزائرية. ولما قامت ثورة ٢٥ يناير شاركت فيها بالكلمة فكتبت عدة أشعار تحت عنوان «دفتر الثورة»، وكتبت أولى أغنياتى عن الثورة يوم ١١ فبراير ٢٠١١ يوم سقوط مبارك بعنوان «٢٥ يناير»، ولحنها محمد سلطان وغنتها المطربة الشابة أجفان.. وتوالت قصائدى عن الثورة وموجات الثورة المتعاقبة فى محمد محمود، ومجلس الوزراء، ومحيط وزارة الداخلية وقصر العينى، غير الحشد الكبير فى ميدان التحرير وصولًا إلى ٣٠ يونيو ٢٠١٣. وأنا أسمى ما حدث فى ٢٥ يناير ٢٠١١ بزلزال ما، تلاه من موجات ثورية توابع هذا الزلزال، والتى اختلفت فى شدتها حتى كانت الموجة الأكبر فى ٣٠ يونيو ٢٠١٣، وما تلاه من إجراءات وقرارات وعزل محمد مرسى والإخوان وإقرار خارطة الطريق.

أشرت من قبل إلى قيام العديد من رموز مصر الوطنيين الشرفاء من النخبة بدورهم فى النقد والمعارضة البناءة الرشيدة، سواء فى العصر الليبرالى قبل ثورة يوليو ٥٢ أو بعدها، حينما أصبحت مصر دولة شمولية يحكمها حزب واحد هو الاتحاد الاشتراكى العربى دون تداول للسلطة أو حياة حزبية أو صحافة حرة.. ومع ذلك لم تعدم مصر نفرًا من أصحاب الرأى والموقف الشجاع مثل خالد محمد خالد كما أشرت، أو د. حلمى مراد أو نجيب محفوظ فى رواياته الجريئة. وكان المعارضون فى العهد الملكى أو حتى عهد عبدالناصر يقتدون بسابقيهم من أصحاب الرأى الحر مثل الشيخ على عبدالرازق صاحب كتاب «الإسلام وأصول الحكم»، الذى دحض فيه فكرة الخلافة الإسلامية، وأثبت أنها ليست أصلًا من أصول الدين فى الإسلام، معارضًا بذلك نزعة استبدت بالملك فؤاد فى العشرينيات لتولى خلافة المسلمين بعد سقوط الخلافة العثمانية.. وهو حلم أحبطه الشيخ على عبدالرازق، ولكنه انتقل وراثيًا إلى الملك فاروق وكان سببًا فى دخوله حرب فلسطين ١٩٤٨ الخاسرة، ليصبح خليفة وزعيمًا للعالم العربى والإسلامى. ولا ننسى أيضًا مواقف د. طه حسين وكتابه الشهير «فى الشعر الجاهلى» فى نفس فترة العشرينيات فى عهد الملك فؤاد، وإحالته للنيابة العمومية التى برأته من تهمة الزندقة وأعادته إلى عمله أستاذًا بجامعة فؤاد. أيضًا لا ننسى معارضة عباس محمود العقاد.. المفكر الكبير الذى قال فى عهد فاروق: «إننا مستعدون لتحطيم أكبر رأس فى الأمة إذا تطاول على الدستور»، وهو يعنى الملك.. الذى أحاله للقضاء الذى حكم بسجنه بضع أشهر.. والمفكر سلامة موسى الذى لم يتوان عن التبشير بأفكاره الإصلاحية الصادقة، ولم يخش لا الملك ولا لوم اللائمين. 

وأعود إلى الرئيس جمال عبدالناصر الذى جعل الشعب المصرى يذوب الكل فى واحد.. حتى المعارضة أصبحت من داخل النظام، وكان يحترم المعارض الشجاع الشريف. 

ولكن هذا السلوك من عبدالناصر كان سلوكًا ديمقراطيًا بمبادرات شخصية أو فردية منه وليست وليدة نظام ديمقراطى يسمح بالاختلاف والمعارضة.. بل كان السماح بالمعارضة يأتى بقرارات وموافقات فردية شخصية منه مثل السماح بنشر روايات نجيب محفوظ مثل «أولاد حارتنا»، أو الموافقة على عرض أفلامه الناقدة مثل «ميرامار» و«ثرثرة على النيل».. وغيرها. 

وأتذكر هنا شهادتين على عهد ما بعد عبدالناصر.. عهد السادات وعهد مبارك. 

الشهادة الأولى للكاتب الصحفى أنيس منصور الصحفى المقرب للرئيس السادات.. وقد أثبتها فى شهادة على العصر فى حوارى معه فى برنامج شاهد على العصر، وهى موجودة ومسجلة.. وقد قالها فى عهد مبارك بعد رحيل السادات وانحسار الأضواء عنه «عن أنيس». 

قال أنيس منصور: 

نحن فى مصر أصبحنا نفعل مثل بعض قبائل إفريقيا، حين يقوم أحدهم فى الصباح مقررًا أن يغير اسمه من شجرة مثلًا إلى ترعة وذلك دون إعلان.. فتأتى أنت لتناديه قائلًا: «صباح الخير يا شجرة»، فلا يرد لأنه غير اسمه دون إعلان! ويكمل أنيس: هكذا نفعل فى مصر.. الحاكم يصحو فجأة، فيقرر تغيير النظام السياسى أو الاقتصادى.. ويحول أعداء الأمس إلى أصدقاء اليوم والعكس. والمطلوب من الشعب أن نتبعه كالقطيع وأن نغير جلدنا، وأن نتنصل من ولاءاتنا التاريخية بمجرد إشارة منه.

انتهى!

أما الشهادة الثانية فهى لموسى صبرى.. الصحفى الكبير «الأقرب لحسنى مبارك».. ففى محنة مرضه الأخير أخذ يستعرض أمامنا أهوال الحكم البوليسى، وما يحدث فى غرف تعذيب أمن الدولة، كما استعرض والدموع فى عينيه مصائب وكوارث حوادث القطارات، وانهيار العمارات، وغرق شباب المصريين فى القوارب فى عرض البحر وغرق العبارات، وانتشار التلوث، وقائمة شهداء فيروس سى بالآلاف المؤلفة- وباح فى آخر أيامه بما لم يبح به من قبل وهو على فراش الموت.. فبعد أن كان رأس الحربة فى كتيبة الصحفيين المدافعين عن النظام قال بالحرف: 

«إن النظام الحاكم استخدمنا ووظفنا وانسقنا وسرنا وراءه كالقطيع حتى وصلت مصر إلى ما وصلت إليه الآن.. والله وحده يعلم ما هو الذى سيحدث غدًا».

والآن.. ما أحوجنا فى مصر إلى المعارضين الشرفاء، لا إلى حاملى المباخر وطبالى الزفات والمفطورين على نفاق الحاكم والانسحاق أمامه وأمام أركان نظامه.. لا نحتاج إلى هذه الحاشية المحترفة التى تحيط بالرئيس كالشرنقة.. وتعزله عن شعبه لتنفرد به من أجل مصالحها الخاصة، وتصنع منه فرعونًا.. وإذا سقط أو عزل.. تجد فى صنع فرعون يليه.. لتعيش تحت ظله تغزل شرنقة النفاق وتستولى لنفسها على خيرات هذه الأمة، وتحرم الشعب من مقدراته وأرزاقه إلا النزر اليسير، ليظل الحال على ما هو عليه عبر عقود. فلا حقق الله سعيهم ولا أبلغهم مأمنهم.. فإن هذه الطعمة المنافقة من بعض محترفى السياسة ورجال الأعمال الفاسدين والإعلاميين والصحفيين المستغلين وبعض ذوى النفوس الضعيفة من رجال الدين والقانون ومن وَالَاهُم.. كل هذه الدائرة الجهنمية التى تحيط بالحاكم إحاطة السوار بالمعصم هى التى تجهض الثورات وتحتويها وتمتصها لتعاود مص دماء الشعب المسكين. 

ولكِ الله يا مصر.. ولشعبك الطيب العظيم أيضًا.. وأرضك الثرية ونيلك الدافق بالخير والرزق إلى أبد الآبدين!