الجمعة 24 مايو 2024
المحرر العام
محمد الباز
المحرر العام
محمد الباز

فيكتور هوجو.. رجل المآسى المتلاحقة

فيكتور هوجو
فيكتور هوجو

اشترك مع شقيقه فى حب فتاة واحدة وعندما تزوجها دخل الأخ مصحة عقلية ومات فيها

عاش طفولته ضحية صراع مرير بين والده الجنرال الجمهورى الملحد وأمه الكاثوليكية المتشددة المؤيدة للملكية

ابنته الكبرى ماتت غرقًا بعد زواجها بأسابيع.. والصغرى عاشت تطارد غرامًا مستحيلًا وانتهت فى مصحة عمها

كثيرًا ما حاول النقاد والصحفيون وضع حدود فاصلة بين كتابة الشعر والرواية والقصة القصيرة، وبين من يكتبون أيًا منها، حتى إنك لن تستطيع إحصاء عدد المرات التى قرأت فيها عن تحول شاعر إلى الرواية، أو العكس، عربيًا ودوليًا، قديمًا وحديثًا.. والمؤكد أن ذلك سوف يتكرر مستقبلًا، على الرغم من عدم اختلاف الإجابات، أو ردود المزعوم تحولهم، وتركزها فى الحديث عن وحدة الفنون وتكاملها، فالشعراء لا يتحولون عندما يكتبون الرواية، والروائيون لا يتغيرون حين يفكرون فى كتابة الشعر أو القصة، أو حتى ممارسة الرسم والنحت والتصوير.. كلها فنون يجد الكاتب أو الفنان فيها ما يناسب فكرته الآنية، ويتسق معها، بل ويكملها فى بعض الأحيان، وكلها وسائط يختار منها الكاتب ما يمكنه احتواء ما يجول فى نفسه، ويقدمه للقراء فى أفضل صيغة يتصورها.. وفى تاريخ الأدب العالمى كثير من الروائيين الذين بدأوا حياتهم بكتابة الشعر، وتميزوا فيهما معًا، على أن أكثر هؤلاء تميزًا، فى تصورى، هو الكاتب الفرنسى الأشهر فيكتور هوجو، خصوصًا أنه ولد فى عصر كانت النخبة الفرنسية الحاكمة تولى فيه اهتمامًا بالغًا بالشعر والشعراء، ويقال إن قصيدة نشرها «هوجو» وهو فى الثامنة عشرة من عمره أعجبت الملك لويس الثامن عشر، فأمر له براتب سنوى، استطاع به أن يؤمّن حياته ومصدر رزقه، وأصبح بعدها واحدًا من شعراء البلاط الملكى، وربما كان ذلك هو السر فى أنه يعتبر واحدًا من أعظم الشعراء فى النثر الفرنسى بعد تحوله لكتابة الرواية، خصوصًا فى رائعتيه «البؤساء»، و«أحدب نوتردام»، واعتباره أعظم شعراء الرثاء فى الأدب الفرنسى، بعد ما مر به فى حياته من مآسٍ ميلودرامية لم يكن ليصل إلى تفاصيلها خياله، خصوصًا بعد الرحيل المأساوى لابنته الكبرى، وغرق ابنته الصغرى فى قبضة الجنون، بسبب قصة حب مستحيلة.

الرومانسى القاتل والأب المفجوع

بدأ اهتمام فيكتور هوجو بالشعر فى سن الرابعة عشرة، وكشف عن موهبة مبكرة، وسهولة بالغة فى كتابة القصيدة، حتى إنه قال لوالدته وقتها: «إما أن أكون شاتوبريان أو لا شىء»، وكان الفيكونت فرانسوا دو شاتوبريان، أشهر كتّاب فرنسا فى ذلك الوقت، هو زعيم التيار الرومانسى فى الأدب الفرنسى، ورغم مفاجأة عائلته من عبارته تلك، وعدم تصديقهم له وقتها، إذ بدت لهم كطموح جامح ومبالغ فيه، لكن ما حدث هو أن «هوجو» خلال سنوات معدودة استطاع أن يتجاوز شاتوبريان، بل وجميع كتّاب عصره، بمن فيهم أشهر شعراء المدرسة الرومانسية الفرنسية ألفونس دو لامارتين، حتى أصبح هو الرمز الأشهر والأكثر تأثيرًا فى الحركة الرومانسية الفرنسية، وبرغم مشاركته فى فاجعة عائلية أدت إلى وفاة شقيقه «أوجين» الذى كان يكبره بعامين، وذلك عندما خطب رفيقة طفولته آديل فوشيه وهو فى السابعة عشرة، بينما كان شقيقه يهيم بها حبًا، وعندما تزوجها فيكتور فى عام ١٨٢٠، أصيب أخوه بالصرع، ثم الجنون، ما أدى بالعائلة إلى سجنه فى مصحة عقلية، ظل فيها حتى وفاته قبل أن يكمل عامه السابع والثلاثين، وهى ذات المأساة التى تكررت بصورة أخرى مع آديل، ابنة هوجو الصغرى، التى خلّد قصتها مع جنون الغرام المخرج فرانسوا تروفو فى فيلمه «حكاية آديل هـ» عام ١٩٥٧، فرغم أن آديل هى الوحيدة بين أبناء «هوجو» التى عاشت حتى سن ٨٥ عامًا، لكنها كانت حياة من الشتات حول العالم، فى رحلة لمطاردة حب مستحيل لضابط بريطانى يدعى آلبرت بنسون، التقته فى حفل راقص وهى فى الرابعة والعشرين، فوقعت فى غرامه، لكن العائلة لم توافق على ارتباطها به، خصوصًا والدها، كما لم يبادلها ذلك الضابط المحبة، بل قيل إنه لم يكن يحمل تجاهها أى مشاعر على الإطلاق، واستغل تعلقها به بصورة بشعة، وكشف عن انزعاجه من مطاردتها له، ففقدت أعصابها، وراحت تلاحقه فى كل مكان، وصولًا إلى هاليفاكس فى أقصى الشمال الكندى، وانتهت بها للحياة فى ذات المصحة العقلية التى مات فيها عمها، صريعًا لزواج والدها من حب حياته.. حياة مأساوية أقرب إلى روايات والدها المليئة بالمواقف المفجعة.

نشر «هوجو» أول ديوان شعرى له وهو فى العشرين من عمره، أما روايته الأولى «هان الأيسلندى»، فنشرت بعدها بعام، وأسس أول حلقة رومانسية فى فرنسا عام ١٨٢٥، وراح يكتب المسرحيات والقصائد التى تتماشى مع ذلك الاتجاه الجديد وقتها، ثم تجلّت رومانسيته فى أوضح صورها عندما نشر مسرحيته «كرومويل» عام ١٨٢٧، وكتب فى مقدمتها أول بيان للأدب الرومانسى فى اللغة الفرنسية، ثم لم ينقضِ عام ١٨٣٠ إلا بتتويج فيكتور هوجو زعيمًا للحركة الأدبية الجديدة، خصوصًا بعد أن دارت فصول معركة كبيرة أمام المسرح الفرنسى بين أتباع الكلاسيكية وأتباع التيار الجديد، وهى المعركة المعروفة فى تاريخ الأدب الفرنسى باسم «معركة هيرنانى»، عنوان المسرحية التى كتبها «هوجو» ودارت المعركة حولها فى ذلك الوقت، وانتهت بانتصار حركة التجديد التى أصبح زعيمها.

فى مطلع العام التالى، نشر «هوجو» أول رواية تاريخية له باسم «نوتردام دو باريس»، وهى الرواية التى صدرت فى طبعة جديدة فى العام التالى، وصفت بأنها طبعة نهائية وكاملة بعنوان «أحدب نوتردام»، وسرعان ما تمت ترجمتها إلى جميع اللغات الأوروبية فى نفس العام، وهى الرواية التى ما زالت تعرض على شاشات السينما وخشبات المسارح حول العالم حتى وقتنا هذا، وتسببت وقتها فى حرج كبير لبلدية مدينة باريس، ودفعتها إلى ترميم كاتدرائية نوتردام التى كانت تعانى من إهمال شديد، فيما كان آلاف السياح الذين قرأوا الرواية فى عموم القارة العجوز يأتون لزيارتها.

قبلها بعام واحد، وتحديدًا فى عام ١٨٢٩، نشر روايته القصيرة «أوراق محكوم عليه بالإعدام»، التى أصبحت أول أعماله الجادة والمهمة، وهى الرواية التى تستند إلى قصة حقيقية لحياة قاتل، وتحكى عن خطاب داخلى لسجين محكوم عليه بالإعدام قبل أسابيع قليلة من موعد تنفيذ الحكم.

فى العام ذاته نشر مجموعة شعرية بعنوان «أوراق الخريف»، بعدها توالت أعماله بوتيرة متسارعة، حتى يقال إنه كان يكتب كل صباح مائة سطر من الشعر أو عشرين صفحة من النثر، فنشر خمس مجموعات شعرية بين عامى ١٨٢٩ و١٨٤٠، منها دواوين «شرقيات» و«أغانى الشفق»، و«المناجاة القلبية»، و«الأشعة والظلال».

ومما ساعد على ذيوع صيته كواحد من أعظم شعراء الرثاء فى عصره، ما حدث فى قصة وفاة ابنته الكبرى والمفضلة ليوبولدين، وهى الحادثة التى أصابته بحزن لم يستطع التخلص منه، إذ لم تكن قد أكملت عامها التاسع عشر بعد، وتوفيت غرقًا فى نهر السين بعد زواجها بوقت قصير لا يزيد على عدة أسابيع، شدتها تنانيرها الثقيلة عندما انقلب القارب الذى كانت فيه بصحبة زوجها، الذى مات هو أيضًا وهو يحاول إنقاذها.. ومما زاد من أحزان «هوجو» أنه فى ذلك الوقت كان مع عشيقته فى الجنوب الفرنسى، ولم يعرف بوفاتها إلا من خبر فى إحدى الصحف التى كان يتصفحها خلال وجوده بأحد المقاهى.

فى نفس الفترة التى نشر فيها «أحدب نوتردام»، بدأ «هوجو» فى العمل على روايته الأكثر أهمية، وشعبية حول العالم، والتى أصبحت أعظم إبداعات حياته الأدبية، وهى رواية «البؤساء»، واستغرقت كتابتها سبعة عشرة سنة، وتم نشرها فى عام ١٨٧٢.

حياة مأساوية لم يصلها بخياله

ولد فيكتور مارى هوجو فى السادس والعشرين من فبراير ١٨٠٢، فى مدينة بيزنسون الواقعة على الحدود الفرنسية السويسرية، والتى جعلت منها طبيعتها الجغرافية معقلًا عسكريًا مهمًا فى شرق فرنسا، إضافة إلى كونها عاصمة دينية، وكان فيكتور هو الابن الثالث لجوزيف ليوبولد هوجو، وهو واحد من كبار الضباط المؤثرين فى جيش نابليون الإمبراطورى، وكان معروفًا باعتباره ملحدًا ومؤيدًا للنظام الجمهورى، بينما كانت والدته صوفى تريبوشيه كاثوليكية متشددة ومؤيدة للملكية.

وشهدت تلك الفترة من حياة «هوجو» الكثير من التغيرات الدرامية الحادة فى التاريخ الفرنسى، إذ قامت الثورة الفرنسية، ونهضت الجمهورية الأولى بعد الإطاحة بأسرة بوربون من الحكم قبل سنوات قليلة من ولادته، ثم سقطت الجمهورية الأولى وأصبح نابليون بونابرت إمبراطورًا بعد عامين من ولادته، وقبل أن يطوى عامه السابع عشر، تمت استعادة نظام أسرة بوربون الملكى، وهو ما أثر فى حياة «هوجو» بصورة كبيرة، إذ أثر الخلاف فى التوجهات السياسية، والميول الدينية على حياتهما الزوجية بصورة حادة، ما أدى فى النهاية إلى افتراقهما، وخلق فوضى عارمة فى حياة أبنائهما، فبسبب مهنته كضابط، وثقة بونابرت فيه، إذ كان يعتبره بطلًا قوميًا، كان جوزيف هوجو فى رحلات مستمرة، ينتقل من مكان إلى آخر، وتتبعه عائلته فى كل مكان، فذهبوا معه إلى إيطاليا حيث عمل كحاكم لمقاطعة بالقرب من نابولى، ومنها إلى إسبانيا لتولى حكم ثلاث مقاطعات، وبحلول عام ١٨٠٣ كانت صوفى قد تعبت من السفر المتواصل، ومن زوجها «سيئ الخلق»، فقررت الانفصال مؤقتًا عنه، والبقاء فى باريس، وتعليم ابنها الذى كان يدخل عامه الثانى تعليمًا دينيًا، غرست فيه الولاء للملكية والمعتقدات الكاثوليكية، وهو ما ظهر فى أعماله الشعرية المبكرة، فاتسمت بمديح الملكية والإيمان الكاثوليكى العميق.

توفيت والدته قبل أن يتم عامه العشرين بسنة واحدة، فتزوج بعد رحيلها من صديقة طفولته آديل فوشيه، التى كان قد ارتبط معها فى قصة حب سرية ملتهبة، وقيل إنه كتب لها مائتى رسالة غرامية خلال فترة خطوبتهما التى استمرت نحو أربع سنوات بسبب المقاومة الشرسة من والدته لهذه العلاقة، والتى يبدو أنها كانت على علم بغرام شقيقه بها، فاستمرت علاقتهما سرًا حتى رحيلها، وأنجبا فى العام التالى ١٨٢٣ أول طفل لهما، لكنه لم يعش حتى سن البلوغ.

ورغم أنه أصيب بحزن عميق عند وفاة زوجته عام ١٨٦٨، لكنه لم يتردد فى خيانتها قبل أن يمر على زواجهما إحدى عشرة سنة، إذ التقى منتصف ١٨٣٣ بالممثلة المسرحية جولييت درويه، وارتبط معها بعلاقة عاطفية، فاعتزلت التمثيل، وتخلت عن مهنتها وكل مشاريعها لكى تكرس نفسها له وحده، حتى أصبحت أقرب إليه من زوجته، وهى التى رافقته طوال حياته، ولعبت دورًا كبيرًا فى حمايته، والدفاع عنه، والتأثير عليه، بل وقيل إنها هى من أنجته من محاولة اغتيال شبه مؤكدة، وكتب لها على مدار حياتهما معًا آلاف الرسائل التى نشرت فى عدد من المجلدات بعد وفاتهما.

عندما سيطر لويس نابليون، المعروف باسم «نابليون الثالث» أو «نابليون الصغير»، على السلطة عام ١٨٥١، وضع دستورًا ضد فكرة البرلمانية، فبدأ «هوجو» فى مهاجمته، ونتيجة لذلك تم إجباره على مغادرة البلاد، واستقر فى جزيرة «جيرنزى» التى عاش بها حتى عام ١٨٧٠، وخلال منفاه نشر «هوجو» عددًا من المنشورات ضد نابليون، لم يستطع أن يمنعها من إثارة الانتباه فى جميع أنحاء العالم، رغم حظر النشر الذى كان مفروضًا على أعماله، والطريف أنه فى عام ١٨٥٩ تم العفو عن جميع المنفيين سياسيًا من نابليون الثالث، ولكن «هوجو» اختار ألا يعود، وظل فى منفاه الاختيارى، حتى تمت الإطاحة بسلالة نابليون، وتأسيس الجمهورية الثالثة فى البلاد.

فى سنوات «هوجو» الأخيرة هاجمته الأحزان، فبعد وفاة زوجته بثلاث سنوات لحق بها أحد أبنائه، ثم تبعه الثانى بعدها بعامين، وأصيب هو باحتقان دماغى فى ١٨٧٨، وبالرغم من تدهور حالته الصحية، استمر فى المشاركة بنشاط فى الحياة السياسية والثقافية، إلا أنه فقد طاقته وقدرته على ممارسة الحياة بعد وفاة عشيقته جولييت درويه فى عام ١٨٨٣، فلحق بها قبل أن يمضى عامان على رحيلها، وتوفى فى ٢٢ مايو ١٨٨٥ عن عمر يناهز ٨٣ عامًا، ونظمت له الجمهورية جنازة رسمية حضر مراسمها مئات الآلاف، ليتم دفنه فى مقبرة العظماء، المعروفة باسم «البانثيون».