الإثنين 24 يونيو 2024
المحرر العام
محمد الباز
المحرر العام
محمد الباز

محمد الدسوقى يكتب: ابن جاد الله

أغلقت التليفون
أغلقت التليفون

فقط أغلقت التليفون فى وجهه، واضعًا رأسك بين يديك وأنت تموء مثل قطة خائفة.. لعلها المرة الأولى التى يهددك أحدهم بالقتل، صحيح أنك تعرضت من قبل للسجن، بسبب اتجاهك الناصرى لكنك- وفى عز انهزامك القديم- واصلت ركضك المتعثر فى بلاد الناس، تنظر فيما تبقى من أيام، قد تُبدد تلك المسافة بين الهزيمة والانتصار، خمَّنتَ أن الدنيا تغيرت، فعدت حاملًا رأسك المثقلة بغيبوبة البعاد، ما الذى ستفعله يا إبراهيم، وأنت ترمق صورتك فى المرآة.. 

وجهك الزجاجى الهش، لا شىء الآن يخفيه، يجب أن تعترف بأنك صرت تخاف، وأن أدنى شىء صار يعييك.

مثل قرد قلق رحت تتقافز، ما بين السرير والمقاعد، درت حول المكتب، اندلفت إلى حجرة الأولاد؛ الثلاث بنات الأزهريات والولد الكبير المتمرد على العالم- والنائم فى حضن أمه- أكان ينقصك أن تنظر إليه لتعرف أنه نصفك الآخر الذى استسلم للانكسار، ولم يحتمل؟

داهمتك رغبة من يريد أن يعانقه أحد حتى الصباح.

كان العرق المتصبب على وجهك يبترد شيئًا فشيئًا، أفلتت عيناك باتجاه المرأة مرة أخرى، دنوت تحدق، دنوت تحدق، انتابتك رعشة اختلج لها كيانك كله، شعرت بأن صورتك تنفصل عنك، رفعت يدك اليمنى فى وجهه، فرفع يده اليسرى فى وجهك، فكرت فى مواجهته لكنك جبنت، أعطيته ظهرك مسرعًا، وكلما التفت إليه وجدته يلتفت إليك بنفس العصبية والغضب، فجأة تواريت داخل حجرة أخرى ففوجئت به أمامك، انسحبت مسرعًا باتجاه الباب وفتحته، فتحت عينيك على اتساعهما، ساورتك موجة خوف مباغت وارتخت يداك بجانبك. 

وأنت تذوب فى دهشتك، وقبل أن تسأله من تكون، مط شفته السفلى، وهز كتفيه ساخرًا.. اكتسى وجهك بصفرة جافلة، فوكأت رأسك إلى راحة يدك، مخافة أن يصيبك دوار مفاجئ، داهمك صوته الأجش.. ارتطمت بالحائط وأنت تتراجع، كدت تسقط على الأرض، تدلى الاسم من رأسك يتأرجح، فكرت قليلًا، لكن ذاكرتك عادت من لهاثها فارغة.

عاودت أوبة الذعر تنتابك حين أوقفك تحت نظراته، غمرتك غلالة من دهشة، وأنت تواجهه بجسدك الفحل، أحاطت كلماته كيانك وأنت تحدق فى عينيه مرتعشًا، نتأت الحادثة الحقيقية فى رأسك. أفلتت عيناك خلف الواقف أمامك، فاصطدمت بجسد على ابن حسونة، الذى فقد مؤخرته فى ظروف غامضة، خارت قواك رويدًا رويدًا.. 

هيمن عليك خوفك المشتهى، فانبجست تداعيات الزمن المر الذى ما زلت تلوكه كما سنى عمرك التى أخمدتها ثورتك الحمقاء!!!