الإثنين 24 يونيو 2024
المحرر العام
محمد الباز
المحرر العام
محمد الباز

المسيح الإيرانى.. دراسات حديثة: «عيسى أصله فارسى»

المسيح الإيرانى
المسيح الإيرانى

- رمزية الحصان الأبيض فى الميترائية أتت مشابهة لنفس الفكرة فى سفر الرؤيا فى الإنجيل

ورد فى الديانة المترائية «ديانة الفرس القدماء» أن «ميترا»، إله الشمس، قد هُزم فى معركته ضد الثور المقدس، وقُتل وتم دفنه فى التراب، ثم قام من الموت على شكل نور عظيم وصعد إلى السماء، ليحتل مكانته كإله للشمس، ويقتل الثور المقدس، ومن دمائه المقدسة يخلق الكون، ثم يجتمع بأتباعه، فى عشاء مقدس أخير ليطعمهم من دماء ولحم الثور المقدس، ليُعرج به إلى السماء، ويصبح هو الشمس، ليعود فى نهاية الزمان ليخلص العالم من الشر والشيطان.

تعتبر الديانة الميترائية، أو عبادة الشمس، من الديانات الأصيلة المنتشرة فى فارس القديمة والهند، فى الألف الثالث قبل الميلاد، والتى كان لها انتشار عظيم من حدود الصين شرقًا إلى إسبانيا وإنجلترا غربًا، خاصة بعد وصول الإمبراطورية الرومانية ومن قبلها اليونانية بقيادة الإسكندر الأكبر إلى بلاد فارس، واحتلالهم أجزاءً كبيرة من إيران القديمة، وتأثرهم بالمعتقدات الفارسية، وكذلك وصول الإمبراطورية الفارسية إلى حدود روما، ما أدى إلى انتشار الميترائية فى أوروبا ولعدة قرون، وامتد تأثيرها حتى بداية ظهور المسيحية بين طوائف الشعب فى روما، وبدأت المنافسة الشرسة بين الديانتين، وصلت فى الكثير من الأحيان إلى صراعات دموية، مثلما حدث عام ٢٧٣م، حيث وقعت ما يمكن تسميته الحروب الطائفية، واستولى المسيحيون على العديد من المعابد الميترائية التى كانت منتشرة فى ذلك التوقيت، وبداية حروب مقدسة بين الطرفين، لم تنته حتى بإعلان المسيحية كدين رسمى للإمبراطورية الرومانية عام ٣٢٥م. ولم تنته كدين له حضور شعبى، إلا عام ٣٧١م حينما أمر الإمبراطور الرومانى أغوسطوس بإعدام كل أتباع الديانة الميترائية فى الميادين العامة، بتهمة العمالة لصالح الدولة الفارسية، التى كانت تشكل تهديدًا سياسيًا للإمبراطورية الرومانية فى ذلك التوقيت.

الصفحة الثامنة والعشرين من العدد العشرين لحرف

ورغم انقراض الميترائية على مستوى العالم، وظهور الديانة الزرادشتية فى إيران، التى احتوات معظم أفكار وتعاليم الميترائية، فإن تأثير تلك الديانة القديمة ظل مستمرًا بشكل واضح فى العديد من المجتمعات الغربية بعد مرحلة اعتناق المسيحية، خاصة فى مرحلة تأسيس المسيحية الغربية وما تلا ذلك من ظهور المذهب الكاثوليكى مذهبًا رسميًا لكنيسة روما.

ويبدو أن هذا الصراع بين الديانتين، خرج من الإطار الاجتماعى، إلى مجال الأبحاث العلمية التى تبناها الإيرانيون من جانب وبعض الباحثين الغربين من جانب آخر، فقد ظهر العديد من الدراسات العلمية الإيرانية سواء فى المجال التاريخى أو الأثرى أو دراسات الأساطير، تحاول أن تثبت أن هناك تشابهًا قويًا بين الميترائية والمسيحية، فى محاولة لصنع ما يمكن تسميته «المسيح الإيرانى».

فرغم تعقيد طقوس الميترائية، واعتبار الإله «ميترا» أحيانًا هو «إله الشمس» وأصل الكون، أو إله الحرب والقوة، فإن الدراسات الإيرانية ترصد التشابهات بين الفكرتين بشكل واضح فمثلًا:

١ـــ يوم ٢٥ ديسمبر، هو يوم ميلاد الإله «ميترا»، ويتم الاحتفال به كل عام فى إيران وإلى الآن، تحت مسمى عيد «شب يلدا»، احتفالًا بنهاية أطول ليلة خريفية، وبداية تساوى عدد ساعات الليل والنهار، أى بداية ميلاد النور وانتصاره على الظلام. وهو نفس يوم ميلاد المسيح فى المسيحية الغربية أو عيد الكريسماس، كما يحتفل المسيحيون الإيرانيون بطقوس «شب يلدا» والكريسماس فى نفس التوقيت وبطقوس متشابهة، حتى أن استخدام شجر الصنوبر وتزيينه كشجرة عيد الميلاد، مستخدم فى الثقافتين.

٢ـ رمزية الصليب كانت منتشرة وبقوة فى بلاد فارس والهند، وأن أغلب الجنس الآرى كان يؤمن بفكرة الصليب المعقوف، إشارة إلى عناصر الكون الأربعة، الماء والنار والتراب والماء، وأن الصليب المعقوف يدور حول نفسه ليُشكل الكون، ولدى دورانه يظهر نور الشمس. أصحاب تلك الفكرة يرون أن الصليب المسيحى ما هو إلا إعادة صياغة للصليب الإيرانى القديم.

٣ـ العشاء الأخير بكل ما يحمله من أفكار ورموز فى الديانة المسيحية، له أصول فى الديانة المترائية القديمة، كما يرى العديد من الباحثين الإيرانيين، فبعد قيام «ميترا» من الموت وقتله الثور المقدس، وقبل العروج به إلى السماء، اجتمع بمريديه وأطعمهم من دماء ولحم الثور، وبعض الخبز، ثم عُرج به. فالدماء مقدسة فى الديانتين فلها رمزية مهمة سواء كانت دماء الثور المقدس الذى خُلق منه العالم، أو دماء المسيح.

٤ـ ميلاد الإله «ميترا» الذى أصبح هو الإله الأعظم، كان من عذراء، وهى الإلهة «آناهيتا» إلهة الخصب والحياة فى الثقافة الإيرانية القديمة، والتى كانت عذراء لدى إنجابها الطفل «ميترا» الذى تحوّل إلى إله فيما بعد.

٥ـ يلاحظ الباحثون الإيرانيون أن رمزية الحصان الأبيض فى الميترائية أتت مشابهة لنفس الفكرة فى سفر الرؤيا فى الإنجيل، والذى ورد فيه «ثُمَّ رَأَيْتُ السَّمَاءَ مَفْتُوحَةً، وَإِذَا فَرَسٌ أَبْيَضُ وَالْجَالِسُ عَلَيْهِ يُدْعَى أَمِينًا، وَصَادِقًا، وَبِالْعَدْلِ يَحْكُمُ وَيُحَارِبُ. وَعَيْنَاهُ كَلَهِيبِ نَارٍ، وَعَلَى رَأْسِهِ تِيجَانٌ كَثِيرَةٌ».. تلك الصورة بكل ما تحمله من رمزية وتأويل، إلا أنها متشابهة تمامًا مع صورة الإله «ميترا» الذى سيظهر فى نهاية العالم على شكل فرس أبيض، يشع من عينيه النور والنار، ليحارب الشيطان وينتصر.

٦ـ العديد من الدراسات الأثرية والتاريخية، أثبتت وجود آثار لمعابد الديانة الميترائية أسفل الكنائس المهمة فى روما، مثل كنيسة القديس كليمنت، فى روما، التى بُنيت فى القرن ١٢ م، على أنقاض كنبيسة أخرى بُنيت فى القرن الـ٤م، والتى بُنيت على أنقاض معبد ميترائى قديم، تم الاستيلاء عليه من قِبل المسيحيين فى روما بعد فترة الصراع الميترائى المسيحى، وتم اكتشاف العديد من اللوحات والنقوش تُجسد الإله «ميترا» وتعاليمه أسفل الكنيسة. بل أن طرز بناء الكنائس فى تلك المرحلة أتت مشابهة لطرز بناء المعابد القديمة من حيث المعمار والشكل.

يحاول الإيرانيون، أصحاب الفكر القومى، إثبات عمق تأثير الفارسى القديم فى صنع الحضارة المسيحية الأوروبية، رغم الردود العلمية التى ساقها الجانب الغربى ردًا على المحاولات الإيرانية، بوصف أن الديانة الميترائية منقرضة منذ زمن بعيد، وقبل ظهور المسيحية، ولم يصلنا منها إلا بعض النقوش المتناثرة، وما تبقى من أفكار داخل الديانة الزرادشتية التى تلتها. والأهم أن مرحلة تدوين الديانة الزرادشتية مرت بمراحل مختلفة، حتى كُتبت بالخط العربى بعد دخول العرب إلى إيران، فى القرن السادس الميلادى، ومن الممكن أن يكون ذلك التدوين قد تأثر بشدة بالمسيحية بعد انتشارها فى العالم، وتعدد المذاهب والكنائس الغربية منها والشرقية. فمحاولة الإيرانيين إعادة كتابة قصة المسيح بما يتناسب مع الاتجاه القومى الإيرانى، محاولة غير علمية من الأساس.

فمن الصعب إنكار تأثير الحضارات القديمة على تشكل الوعى الدينى عمومًا فى المجتمعات، خاصة ما تسرب من معتقدات قديمة داخل السلوك البشرى مع الدين، خاصة فى مراحل التكوين والنشأة، فمن المستحيل الفصل الحاد بين المعتقدات القديمة أو الحديثة فى الفكر الإنسانى بشكل كامل، ولكن يظل الأمر قيد المراجعة الدائمة، وإعادة التفكير، فخلف العديد من الدراسات العلمية تختفى أهداف سياسية وقومية وتاريخ محمل بصراعات دموية ما زال لها تأثير حتى وقتنا الراهن.