الإثنين 24 يونيو 2024
المحرر العام
محمد الباز
المحرر العام
محمد الباز

رشدي يوسف وزمان الوصل بالمحروسة

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب

مارس رشدي يوسف الكتابة منذ تفتح وعيه الفكري والنقدي على أعلام الكتابة من الشعراء والكتاب والمفكرين الذين كانوا ملء الأسماع والأبصار في نهايات العقد السبعيني من القرن العشرين. ولم يستهوه من الكتاب وسحر الكتابة إلا الكاتب المختلف والكتابة الشاردة. فأخذ بأحمد فؤاد نجم ورفاقه، كما أخذ بيحيي الطاهر عبدالله ورفاقه مثل أمل دنقل وعبدالرحمن الأبنودي، وامتلك صلاح عيسي وجدان رشدي يوسف وعقله وأخذه معه إلى المجهول والمنسي من دوائر التاريخ الاجتماعي المصري القريب والبعيد. وقد ساقه هذا الغرام بالكتابة والكتاب إلى الفكر السياسي الاجتماعي المنقب عن عورات الأنظمة السياسية وخلل العدالة الاجتماعية، وتكونت لديه رؤية اجتماعية للكاتب والكتابة قوامها كيف تكون الكتابة أساس الملك والعمران، ومنصة تشييد الوعي وكشف الغطاء عن العيون ليكون بصرها حديدا.

وامتزج عنده العلم بالأدب والفن والفكر. امتزج الطب وهو علم الإنسان قبل أن يكون علم أدواء الجسد، بالفكر والفن والعلم الاجتماعي وجوهره التاريخ، وتبلور في الكلمة التي قد تكون قصيدة، أو قصة، أو رواية، أو مشهدا من مشاهد الإنسان في الزمن عبر اختلاف الأمكنة. ولم يكن غريبا لديه أن يجتمع تاريخ الطب وتاريخ الأدب والفن والفكر. فهذا وذاك هدفهما الإنسان مهما تختلف أزمانه، أو تتعدد ألوانه وأوطانه. فالعلم كالفكر والفن والأدب مصدره اجتماعي ووظيفته اجتماعية وأدواته مهما تباينت جمالياتها ذات غايات اجتماعية محورها الإنسان الذي أسس الأنظمة الاجتماعية وشاد أعمدة الحضارات وخلد مسيرته عبر التاريخ.

ولكن رشدي يوسف حين أخذه وجد الكتابة، لم يفكر في أن يقيد هذا الوجد، وظل مبهورا بولادة الكتابة حين تتجلى أمام ناظريه في الصحف والمجلات، والندوات. والكتابة في حد ذاتها تقييد وتدوين وتسجيل. هي موقف ضد النسيان وطغيان الموج العاتي من كل اتجاه، وهي الباقي منا. والتاريخ الذي عشقه رشدي يوسف هو علم البحث عن الأثر في الحجر أو الكلمة، أو الكتلة، او اللون، أو الباقي من الإنسان. فكيف ظل العاشق مأخوذا بالجميلة وهو يدري بقول الشاعر"من ذا الذي يبقى على الحدثان". يكتب وينشر ويناقش ويهيم كالصوفي في وجد الكتابة ويستلذ بنشوتها حتى الثمالة، حتى إذا تجدد الشوق، عاد للكتابة وكأنه كما يقول شوقي في "سلوا كؤوس الطلا" 

             حمامة الأيك من بالشجو طارحها    ومن وراء الدجى بالشوق ناجاها

             ألقت إلى الليل جيدا نافرا ورمت     إليه أذنا وحارت فيه عيناها

             فعادها الشوق للأحباب فانبعثت      تبكي وتهتف أحيانا بشكواها

وهكذا تعاوده نشوة الكتابة فيكتب ولا يقيد وكأن التقييد وعي ضد النشوة، أو خروج من حالة الوجد لعالم الوجود الرتيب المعتاد والممل أحيانا. ورشدي يوسف الطبيب هو رشدي يوسف الكاتب. فشكوى المريض شكوى المتألم حروفها مكتوية بنار الألم. والطبيب ينصت ويطيل الإنصات. وكلاهما لا يقيد شيئا على الورق قبل الفراغ من البوح والشكوى. ورشدي يوسف يكتب كما يستمع من المريض، وكما تتلبسه حالة الكتابة. لا يأبه لما سوى الصوت المنبعث من الوجدان المتزين برداء الوعي الذي يمنح الكتابة بعدها السحري.

وحين عزم رشدي على اصطياد الشارد من كتاباته التي أطلقها على مدى سنين مضت، كان الأمر شاقا عليه وعسيرا كل العسر. إذ كيف يستعيد الوقت ويستعيد معه حالات الكتابة بعد أن جرت في النهر مياه كثيرة، وبعد أن أوشك الربان على نسيان المجاديف، ومهارات العوم ورشاقته. لذا لم يكن صدفة، أن يختار لهذا الصيد من الكتابة عتبة العنوان "زمان الوصل بالمحروسة" بما ينطوي عليه من دلالات لا تخفي على القاريء في هذا السياق. ولعل أول هذه الدلالات التناص اللاواعي مع لسان الدين الخطيب في موشحته التي يصور فيها زمان الوصل بالأندلس الذي يجرفه الحنين إليه فيدعو له بأن يجود عليه الغيث إذا همى:

               جادك الغيْثُ إذا الغيْثُ هَمى      يا زَمــــانَ الوصْلِ بالأندَلُسِ

               لمْ يكُنْ وصْلُكَ إلاّ حُلُــــــما      في الكَرَى أو خِلسَةَ المُخْتَلِسِ

             إذْ يقودُ الــــدّهْرُ أشْتاتَ المُنَى      تنْقُلُ الخَطْــــوَ علَى ما يُرْسَمُ

            زُفَـــراً بيْنَ فُـــــــرادَى وثُنَى        مثْلَــــما يــدْعو الوفودَ الموْسِمُ

فالمحروسة هي المكان الأثير عند رشدي الذي يعادل الأندلس المكان الأثير عند الخطيب. وكلاهما مقرون بزمن فر ولم يعد منه إلا صداه في النفس التي استعادته عن طريق الحلم في نص الخطيب، وعن طريق الاسترجاع عند رشدي. والحلم والاستعادة قفز فوق قيد الزمان.

وزمان الوصل عندهما هو زمان النضارة والطراوة أيام أن كان غضا نديا. فدهر الخطيب يقود أشتات المنى زفرا مثنى وفرادي على نحو ما يدعو المطر الوفود لتنعم بصحو يكاد من الغضارة يمطر بعد أن رقت حواشي الدهر فهي تمرمر وغدا الثرى في حليه يتكسر كما صور أبو تمام.

وثاني هذه الدلالات أن الزمن المستعاد هو الزمن الندي. تفاصيله عند رشدي غير تفاصيله عند الخطيب. فالخطيب يستعيد زمنا فيه صبوات فردية وملذات اقترنت بفتوة العمر وعنفوانه، وبعد أن أصابه الوهن، عاد به الحنين إلى الأندلس المكان الأثير لديه الذي كا مسرحا للزمان الذي مضى ولن يعود. أما رشدي فزمان الوصل عنده هو زمان أهله مضوا وتركوا آثارهم التي كان هو إما شريكا فيها، وإما شاهدا عليها وإما كاتبا عنها. وهؤلاء كانوا زمن الوصل مع الذات والمجتمع من ناحية، ومع الحاضر والماضي والأمم الأخرى من ناحية أخرى. فالوصل هو اتصال بين شبكات من الزمن بمعناه الاجتماعي، وبين الافراد المؤثرين من صناع الزمن، وبين المحروسة وغيرها من الأوطان. ولذلك، وعلى الرغم من إيقاع الشجن في لغة رشدي وهو شجن مستحب، لاتجد بكاء فرديا على ذكرى ولا على صبوة من الصبوات. فهناك إذن اتصال وانفصال بين زمان الوصل بالأندلس، وبين زمان الوصل بالمحروسة. أضف إلى ما نقول أن رشدي بسط القول فيما كتب وانتقي بعد ما كتب واستعاده للنشر في هيئة مقالات عريضة. أما ابن الخطيب، فأمره مختلف كل الاختلاف عن ذلك لأن الشعر الذي برع فيه لا يسعفه على التفصيل كما أسعفت المقالات رشدي فيما كتب عن زمان الوصل بالمحروسة.

ماذا كتب رشدي؟ لا نستطيع الرد على هذا السؤال لأن رشدي كما قلنا لم يقدم للقاريء في هذا الكتاب كل ما كتبه عن زمان الوصل بالمحروسة. ولم يكن حريصا على أن يجري سجلا يدون فيه عناوين المقالات التي نشرها عن أحوال المحروسة على مدار تاريخه في عالم الكتابة وهو تاريخ ليس قصيرا ولا هينا ولابسيطا. وحينما عنّ لي وله أن يصطاد من ذاكرة الزمان صيدا يشي بما قدم، قدم للقاريء هذه المدونات المهمة التي بين أيدينا الآن. فهي صيد الذاكرة، وغنيمة الإياب. وقد رأينا أن يكون لهذا المجموع خيط رفيع متين ينظمه ويشد من أزره. ولم يكن بد من اكتشاف هذا الخيط. وهو مدارات الكتابة التي شغلت عقل الكاتب وبرهنت على رؤيته لزمن مهم من أزمان المحروسة. وقد انشغل الكاتب كما قلنا بوظيفة الكتابة مهما تعددت مجالاتها. وتجلت هذه المجالات في ميادين خمسه هي النقد الأدبي، والنقد السياسي، ونقد الخطاب الاجتماعي، وتأبين الأعلام، ووصف الديار.

أما النقد الأدبي، فقد تركز في معظمه على الرواية كما قدمها يوسف أبو رية، وأحمد والي، وعزت قمحاوي، ونجلاء محرم، وإبراهيم أصلان. مع الإشارة الكلية إلى إبراهيم عبدالمجيد ويحيي الطاهر عبدالله وغيرهم. وفي نقد الفكر السياسي، فقد تريث طويلا عند حزب الوفد والوفديين الذين مثلوا الليبرالية المصرية التي مثلت حالة خاصة من حالات التبعية لنظيرتها في الغرب من حيث مهاد النشأة والتطور والتأثير. ولما كانت المحروسة هي الشاغل الأكبر، فقد توقف طويلا على مدى ستة مقالات عن الثورة العرابية وتطورراتها وانعكاس نتائجها على مطلب الاستقلال والدستور الذي ولد على يد ثورة 1919م

وفي نقد الخطاب الاجتماعي، بسط الكاتب القول في مسألة الخطاب الديني وجذوره التاريخية التي نشأت في حوارات مسجد البصرة عن حرية الفعل في مواجهة الدولة الأموية التي أصلت جبرية الفعل الإنساني لتؤسس لاستبداد الحاكم باسم الله. كما بسط الكاتب القول في مسألة الحداثة كما مثلها سلامة موسى، والدور الاجتماعي للعلم، هذا بالإضافة إلى انتقاده القوي للطبقات الطفيلية التي أفرزتها سياسة الانفتاح الاقتصادي.

ولأن رشدي ذو تجربة عميقة في الترحال، فقد وصف وصف الرحالة المتمكن رحلته بوصفه طبيبا إلى قنا موطن صاحب الطوق والأسورة يحيي الطاهر عبدالله وصفا دقيقا كشف فيه عن دور المكنونات الثقافية في وعي الإنسان وتشكيل رؤيته للعالم. ولم يكتف بذلك، فغادر أرض المحروسة إلى أرض الأساطير أرض اليمن وممالك اليمن وحضاراتها المتعاقبة ودورها في الجزيرة العربية. وقدم لنا وصفا تفصيليا لأسواق صنعاء ومبانيها وقصورها التاريخية وللإنسان اليمني. وغادر اليمن إلى الشاطيء الآخر من البحر الأحمر، إلى السودان التي زارها مرتين في ظرفين تاريخيين مختلفين مرة وهو في سن الفتوة والشباب وأخرى وهو في سن الكهولة واكتمال معالم النضج الفكري والعلمي. كانت الزيارة الأولى في بداية زوال حكم النميري، والثانية في عهد البشير. وكان رشدي في الزيارتين وصافا مدققا منقبا عن التفاصيل مما يدعونا إلى القول بأنه ينطوي على شخصية كاتب روائي عظيم.

وفي باب الوفاء للإنسان كان رشدي الإنسان مسجلا بالكلمة الدافئة والوجدان الصادق جوانب راقية من سيرة الراحلين صلاح عيسى، ونجيب محفوظ ويوسف أبورية والحاج محمود العربي الرجل صاحب الذكر الحسن، الذي جعل المال قسمة مشتركة بينه وبين المجتمع. ومن ثم نقول إن صيد الذاكرة في هذا الكتاب هو شهادة على زمن من أزمان المحروسة التي ضربت في أعماق الأزمان، وكان رشدي فياضا بما كتب، جياشا في غرامه بالمحروسة التي عششت في قلوبنا.