الإثنين 24 يونيو 2024
المحرر العام
محمد الباز
المحرر العام
محمد الباز

مصانع التاريخ.. حكاية العالم كما ترويها الأفكار الاقتصادية

حرف

فى عمق كل حدث تاريخى فارق ومؤثر يكمن عامل اقتصادى أو فكرة وربما أزمة قادت إلى تحريك عجلة التاريخ طلبًا لتغيير أو انقلاب على ما هو قائم. من هنا تتشكل أهمية كتاب «مصانع التاريخ.. حكاية العالم كما رسمته الأفكار الاقتصادية» للكاتب محمد يحيى، والصادر عن دار «الرواق».

يقدم الكتاب، الذى يتنقل بسلاسة بين التاريخ والسياسة والاقتصاد والفكر الفلسفى والأدبى، جولة فى تاريخ العالم من منظور الاقتصاد، بالتركيز على الأفكار الاقتصادية الكبرى التى غيرت شكل العالم، أى أسست مذهبًا اقتصاديًا أو تحولت إلى نظام معروف، منطلقًا من قناعة بأن الأفكار الاقتصادية صانعة للتاريخ وليس فقط متفاعلة معه، وأن كل أهداف الدول والإمبراطويات والممالك من وراء الحروب وبسط السيطرة والاتفاقات والتحالفات كانت فى الأصل أهدافًا اقتصادية.

ممارسات اقتصادية قديمة 

يبدأ الكتاب بمقتطفات من الممارسات الاقتصادية فى التاريخ القديم، والأحداث التاريخية التى صاحبت نشأة المدارس الاقتصادية، فيبين كيف بدأ الاقتصاد بنظام المقايضة لتلبية حاجات الإنسان، وكيف تحول إلى الاستبدال بمرور الزمن مع تطور المجتمعات وتعدد الحاجات، ما قاد إلى نشأة الأسواق فى صورتها الأولى.

انطلقت فكرة الاستبدال من استخدام سلع معينة كوسيط لعملية التبادل، فكانت الأشياء المبيعة تستبدل بمقدار معين من الأصداف، وهو ما أدى إلى انفصال عملية البيع عن الشراء، وبمرور الزمن استخدم الناس المعادن كوسيط للتبادل فاستخدموا النحاس والحديد والبرونز، ثم فى القرن السابع قبل الميلاد فى بلاد اليونان القديمة أمر الملك «فيدون» بسك مسكوكات معدنية صغيرة، فكانت بداية ظهور النقود المعدنية.

فى بلاد اليونان ظهرت أفكار اقتصادية أولية طغت عليها القضايا الأخلاقية، أما فى عصر الإمبراطورية الرومانية فقد كان الإسهام الاقتصادى محدودًا، ولكن على الجانب الآخر شهدت الدولة الأموية فى القرن السابع الميلادى بالدولة الأموية أمر عبدالملك بن مروان بإنشاء دار لسك العملة، وأصدر عملة عربية جديدة فاستقل عن أعدائه البيزنطيين ثم وضع معايير لعملة موحدة ليحارب الغش والتزييف، الذى كان سائدًا نتيجة لاختلاف المسكوكات وتعددها فصار التحكم فى سعر العملة مركزيًا وسهلًا.

ينطلق المؤلف نحو توضيح تطور الأفكار الاقتصادية فى الشرق، فيرصد وضع الدولة العباسية لنظام الحسبة لمراقبة الأسواق وضمان الأسعار العادلة ومنع الاستغلال، وإنشاء التجار نقابة مسئولة عن مراقبة المعاملات التجارية، وإسقاط «الخليفة الواثق» الجمارك تشجيعًا للتجارة عبر البحار، وغير ذلك من التطورات التى شهدها المشرق.

تطور الأفكار الاقتصادية 

بعيدًا عن البدايات، يشرع الكاتب فى توضيح كيف تطورت الأفكار الاقتصادية بعصر النهضة؛ فى أواخر القرن الخامس عشر كانت إسبانيا والبرتغال تتطوران وتنافسان دويلات إيطاليا فى التجارة والثراء، واستطاعت المملكتان الوصول إلى سواحل الأمريكتين ثم إلى الشرق الأقصى، وافتتح القرن السادس عشر بسيطرة البرتغال على معظم التجارة البحرية على حساب القوى الشرقية ودويلات إيطاليا.

وفى النصف الثانى من القرن السادس عشر وكنتيجة لسعى التجار الكبار لتعظيم ثرواتهم وسعيًا للاحتكار المطلق، ظهر نوع جديد من التعاون المالى قائم على تمويل مجموعة من الأفراد الأثرياء عملية تجارية محددة، ليكون هذا هو الطور الأول لشركات المساهمة التى عرفت فيما بعد. ومع استفحال نفوذ التجار، بتطور التجارة واتساعها، تطورت المعاملات بالذهب والفضة وانتشرت فكرة الصكوك، وظهرت الشركات الكبرى التى تمثل تطلعات الدول الإمبريالية، وبدأ مذهب الميركرنتلزم، الذى هو أساس الرأسمالية التجارية، فى الظهور. وفى النصف الثانى من القرن السابع عشر كانت إنجلترا هى الإمبراطورية الأعظم داخل القارة وخارجها، ونجح النموذج التجارى فى خلق رأسمالية أوروبية سيطرت على معظم ثروات العالم الضعيف.

يرصد المؤلف عددًا من أبرز المذاهب الاقتصادية التى انطلقت من متغيرات تاريخية، ففى القرن الثامن عشر، ظهر المذهب الطبيعى أو الفيزيوقراط بعد تمدد الرأسمالية التجارية وسيادة اللا مساواة لا سيما فى فرنسا، فحاول مجموعة من الأرستقراطيين المخالطين للملك فى فرنسا الخوض فى الأفكار الاقتصادية دون المساس بطبقتهم، وأنتجوا تعاليم اقتصادية تعتمد على أن العالم يخضع لقوانين طبيعية، ومن يريد التقدم عليه أن ينسجم مع هذه القوانين، فالناس ليسوا سواء ولكنهم طبقات، والتجارة لا تضيف شيئًا للعالم الطبيعى، والزراعة وحدها هى التى تضيف إلى العالم وتحقق إنتاجًا صافيًا.

أنتج الطبيعيون مذهبًا يبرر امتيازاتهم وملكياتهم ويمثل هجومًا على الرأسمالية التجارية التى أفرزت للمجتمع الأوروبى شخصيات ثرية لا تنتمى إلى طبقة الأرستقراطيين، فقسموا المجتمع إلى ثلاث طبقات، جعلوا على رأسه الأرستقراطيين ثم طبقة المزارعين العاملين فى الأراضى وأخيرًا طبقة التجار والصنّاع، ولقربهم من البلاط الملكى لاقت أفكارهم استحسانًا، ومع ذلك واجه تطبيق أفكارهم على أرض الواقع عراقيل، فقد دافع التجار وأصحاب الحرف عن مصالحهم، ما أدى إلى تطبيق الإصلاحات فقط على الفقراء، فألغيت القواعد الإجرائية المنظمة لتجارة الحبوب، وأدى رفع يد الدولة عن توجيه تجارة الحبوب إلى هروبها إلى الخارج وحدوث شح فى الخبز، فساءت الأوضاع إلى حد أدى إلى قيام الثورة الفرنسية.

يذكر المؤلف عددًا من الأفكار الاقتصادية الكبرى التى أثرت تاريخ العالم، وعلى رأسها أفكار آدم سميث الاقتصادية التى أسهمت فى تأسيس هيكل متين للاقتصاد بحديثه عن النشاط الاقتصادى الحر وحصر دور الدولة فى القيام بالمشروعات، والأشغال العامة الضرورية للمجتمع والتى لا تهدف إلى ربح، وحفظ الأمن الداخلى، والدفاع ضد العدوان الخارجى.

غلاف الكتاب

القرن التاسع عشر واختمار الأفكار الاقتصادية 

يبين المؤلف كيف نضجت النظرية الرأسمالية الكلاسيكية فى القرن التاسع عشر لتضع بريطانيا على رأس جدول التصنيع العالمى، ومحاولة باقى الدول الأوروبية اللحاق بها، ثم بداية ظهور مصطلحات للتقييم الاقتصادى مثل دولة متقدمة أو متخلفة وغيرها من المصطلحات التى تبين أن الثورة الصناعية صبغت العالم بمفهوم التسابق على شىء أو الهروب من شىء ما.

وفى أربعينيات القرن التاسع عشر برزت أفكار ماركس، وكان من أهم ملامحها إيمانه الشديد بمنطق هيجل الجدلى، فظهرت موجة ثورية فى معظم أنحاء الغرب الأوروبى، تطالب بإسقاط البرجوازية، وبحق العمال فى التمثيل النيابى، وبالقضاء على الملكية الخاصة باعتبارها السبب الرئيسى لما آل إليه حال العمال والفقراء، نتيجة للتفاوت الحاد فى توزيع الدخل والثروة والمكانة.

يقول المؤلف: انتهى القرن التاسع عشر والنظرية الكلاسيكية هى العقيدة المهيمنة التى يدينُ بها السوادُ الأعظم فى الغرب الأوروبى والولايات الأمريكية، وآلية السوق الحرة هى المنظومة الأكفأ التى يجب الالتزام بها إذا أرادت الدولُ اللحاقَ ببريطانيا أولًا ثم بألمانيا وفرنسا والولايات المتحدة.

محمد يحيى

الرأسمالية والقرن العشرون 

يرصد المؤلف التأثير المدمر الذى أحدثته الحربان العالميتان بالقرن العشرين، فقد قادتا إلى انهيار اقتصادات الدول وصارت معظم مدنها أطلالًا، ولكن الولايات المتحدة الأمريكية حافظت على كامل قوتها كما كانت قبل الحرب، فرجحت كفتها فى الاقتصاد العالمى.

ويعرج على حقبة الكساد العظيم بسبب سيادة ادخار الأموال خارج البنوك لدى السواد الأعظم من الطبقات الوسطى، فارتفعت معدلات البطالة وانهارت البنوك والشركات، وتدهورت أوضاع الطبقة الضعيفة، كما حدث تخلف عام عن سداد الالتزامات، وعندما التهم الكساد العالم خلال الثلاثينيات من القرن العشرين كان «كينز» قد بلور أفكار النظرية الكينزية التى ظهرت فى كتابه «النظرية العامة»، والتى تتمحور حول نقد أفكار النظرية الكلاسيكية والدعوة إلى تدخل الدولة فى النشاط الاقتصادى.

يوضح الكتاب أشكال صعود الأفكار الاقتصادية ثم خفوتها حتى نهايتها، ويقر المؤلف بنهاية الكتاب بأن الحديث عن تاريخ الفكر الاقتصادى بشكل عام يعنى سرد تاريخ الرأسمالية، وما تعرضت له من نجاحات وإخفاقات، والفترات الصعبة التى شكلتها جرائم الرأسمالية، وكيف تصدت لها الحركات الشيوعية، وأسباب استمرارها رغم كل الإخفاقات حتى اليوم.