الثلاثاء 16 يوليه 2024
المحرر العام
محمد الباز
المحرر العام
محمد الباز

محطة الثقافة.. الحب مقاومًا الخديعة والخيبة والمأساة

حرف

- ثمة حضور للسينما والمسرح فى تضاعيف الرواية

- يؤشر العنوان «محطة الثقافة» على اسم مكان فى بنى سويف حيث القرب من قصر الثقافة المهيب

بهلول، أو جميل، أو قططى، ليست محض تسميات الشخصية المركزية فى رواية «محطة الثقافة» للكاتبة المصرية هدى توفيق، والصادرة فى القاهرة حديثًا «دار الشواهين»، لكنها تنويعات على متن هذه الشخصية المركبة التى تهيمن على فضاء الرواية، والتى تحمل كل تسمية من مسمياتها دلالة سردية، وكل اسم هنا سواء أكان «بهلول، أو جميل، أو قططى» يعد بنية دالة قادرة على تأدية وظيفة داخل المسار الروائى. وكل اسم يرتبط بحكاية فرعية، ويحيل على معنى، أو ذكرى. «جميل» مثلًا بتعطيش الجيم، يصبح النداء المحبب من صوت الأم الجنوبية الرخيم، والذى يجعل الصغير يختبئ خلف باب أو حائط حتى تعيد الأم النداء ويتلذذ بالصوت العذب، جميل الذى أحب اسمه عبر صوت أمه أكثر من أى شىء آخر. 

ومثلما حمل صوت الأم المحبة والحنان، حملت تسميتها الأخرى «بهلول» إلى ابنها «جميل» مزيدًا من المتاعب. كان إطلاق اسم بهلول كافيًا لبدء المعاناة. صحيح أننا فى كفر البهاليل، لكن الصورة الروائية المرسومة لجميل صنعت التحفيز السردى لإطلاق صفات العته والبلاهة عليه، بدءًا من الظهر المقوس، وصولًا إلى المواقف السردية «موقفه من الشحاذ الذى سأله مالًا، فأعطاه فردة حذاء من إحدى الفردتين اللتين فى قدميه»، منتهى البراءة لطفل فى الابتدائية لم يجد شيئًا يمنحه للسائل المتأفف، فهداه عقله إلى هذا الفعل الذى كان سببًا فى وصف الأم له بالبهلول.

والعم كونو حارس قصر الثقافة الذى تمتع معه بعلاقة طيبة لم تمنعه من وصفه بأنه بركة: «المهم أن مُزحة جميل أبوفردة حذاء اشتعلت كالنار فى الهشيم، وتحوَّرت إلى بهلول أبوفردة حذاء العبيط، ثم بعد ذلك بوقت طويل، عندما انتقلت للعيش فى محافظة أخرى تطور اسم بهلول إلى قططى فلسفة، لكن الغريب أنه حدث فى مكان آخر تمامًا، ولا أعرف من أين جاءهم هذا التحول الغريب من بهلول إلى قططى؟! حتى أخبرنى صديقى كُونو الذى كان يعمل تحت إشرافى كحارس فى قصر ثقافة بندر بنى سويف، وهو يضحك بسخرية وتهكم قائلًا بكل رعونة: «لأنك يا جميل تتحدث بعفوية شديدة، وتتصرف كالعبيط، وساذج فى بعض الأحيان تصدق أى شىء، لكن كمان عقلك كبير قوى. ما شاء الله عليك فى الكلام ذى البربنت. إنت طيب فعلًا يا قططى. فعلًا طيب». وشدّد على صفة الطيبة، لأنها ترتبط بالعبط من وجهة نظره مثل الآخرين. وأنها مناسبة ومتلازمة لكنية قططى الجديدة أيضًا، فسألته بحيرة وتبرم: «عبيط! ومن هو العبيط يا كُونو؟!»، استخف أو تملل من استكمال الحديث معى فجأة، وتركنى وذهب قائلًا بنصف ضحكة: «يعنى إنت بركة يا قططى، الله ما تفهم بقا، ربنا يحميك». حاولت أن أستوقفه وقلت باندهاش، بركة ما معنى بركة هذه يا كُونو يا أحمق؟ فاستمر فى تجاهلى رغم أنى كنت أتعمد ملاحقته، واختفى من أمامى دون رد أو تعليق كمن يتحاشى أبله، ويصون أعصابه». 

يدخل جميل فى تساؤلات وجودية عن طبيعة الخير والشر والذكاء وعكسه، والطيبة ونقيضها، وكلها ابنة الشعور والإحساس، وليست ابنة التثاقف. وهذا ما يحسب للكاتبة. 

تصدر هدى توفيق روايتها بمقطع من الخيميائى لباولو كويلهو: «قال الفتى فى سره: بقدر ما يقترب المرء من حلمه، تغدو الأسطورة الشخصية الغاية الحقيقية للحياة»، هذا التصدير الذى يتماس معه المونولوج الداخلى الذى يستغرق فيه جميل «بهلول/ قططى»: «وكيف أضع لى على هذا الكوكب البشرى تلك الشخصية القوية والأسطورية لتبتكر أسطورتها الخاصة.. كما صنعها هذا «الخيميائى» من قبل– كيف؟».

يؤشر العنوان «محطة الثقافة» على اسم مكان، فى بنى سويف، حيث القرب من قصر الثقافة المهيب، وتطلق الكاتبة تسمية الفواصل على فصولها السردية، فنصبح أمام الفاصل الأول «بهلول«، وصولًا إلى الفاصل الأخير «إنهاء مسرحى». 

يبدو الفصل الأول «فاصل أول.. بهلول» حاملًا ما يسمى بالتقديمة الدرامية للرواية، ففيه خلاصة الحكاية ومفتتحها، والإشارة إلى الشخصيات المركزية التى تعبئ النص «جميل أو بهلول أو قططى، الأم؛ عم كونو، الست كوكب الأنس، مطاريد الفن، جيجى، سالى، وسيم الملبوس، ...». 

وما بعد الفاصل الأول يبدو تفصيلًا يعقب الأجمال، ولذا سنجد أسماء الفصول «الفواصل» مستمدة من عبارات سردية وردت فى الفصل الأول «مطاريد الفن»، أو الشخصيات التى ذكرها فيه «بهلول، كوكب الأنس،..». 

عشرة فصول «فواصل» مستلهمة من تكنيك الفنون البصرية والأدائية، خاصة أن ثمة حضورًا للسينما والمسرح فى تضاعيف الرواية. يبدأ الفصل الأول من «بهلول» المأساة الفردية، وتنتهى الرواية بالفاصل الأخير «إنهاء مسرحى»، حيث المأساة الجماعية المتمثلة فى حريق مسرح بنى سويف الشهير الذى أودى بحياة العشرات من نقاد ومخرجى وممثلى المسرح فى الأقاليم. 

ثمة استطرادات مجانية، أسهمت فى ترهل البناء الفنى للرواية، ففى الفاصل الثانى «كوكب الأنس»، يطول الاستهلال السردى، وتتكرر المعانى ذاتها، وتحاول الكاتبة مقاربة مفهوم الرضا، فتقع الكتابة فى فخ الترهل المجانى، يكفى أن نشير إلى وجود أكثر من خمس صفحات تقريبًا تسعى لمعاينة هذا المفهوم القيمى والحياتى «الرضا» على نحو نظرى»: الرضا: ما هو الرضا؟! لنقل إنها القناعة، التى هى من أحد المبررات القوية للحياة، ومع وجود هذا الإنسان الشقى، التعس، يُقال إن القناعة كنز لا يفنى، الرضا أيضًا من الممكن أن يكون هو تقبل الإنسان الشريف، القليل الحيلة لفقره بصبر، بما يكنه فى داخل نفسه من راحة البال، والتوكل على الله دومًا. كنوم فلاح أو فلاحة بسيطة، بعد يوم طويل من الكد، والتعب فى الحقل وسط الزروع الخضراء المورقة والجو المنعش والماشية، والجلوس بينهم كالقائد المنتصر بين شروق وغروب الشمس ثم الإياب والرحيل، قُبيل الظلام مع رفقاء الدرب مِن الجاموس أو البقر والحمار، وحبس الفراخ والبط والكتاكيت داخل الحظائر، كل فى مكانه، ثم فى المساء الونس والألفة مع الأهل والأحباب».

ثم نعود إلى المسار الروائى الرئيسى، الذى كان يمكن البدء منه والاستغناء عما سبق، حيث يستأنف المسار السردى المتصل بشخوص الرواية، والإخبار عنهم، وتحليل الدوافع الكامنة خلف سلوكهم: «فالرضا فى منزل كوكب الأنس يأتى بكل الرغبات ويجلب الجميع فى ملتقى تجارى كأساس لإقامته ، ولكى تستتر خلفه السيدة كوكب التى أصل اسمها نعمات واختارت هذا الاسم الحركى تيمنًا باسم أمها المعلمة الكبيرة كوكب على سن ورمح، الدَّلالة وتاجرة الملابس والأقمشة، وكل شىء نقدًا أو بالقسط، كل على حسب ظروفه، تتاجر وتعاين كل شىء من بشر وأدوات أو حتى مسروقات، وتضع له السعر المناسب لقيمته، وجودته، لا ترفض طلبًا أو احتياجًا لأى شخص كان، حتى وصفات ليلة الزفاف للعروس، وتفك الربط الذكورى، ونفور الزوجات، وهجر الحبيب وخلطة العقم السحرية للإنجاب، وصولًا إلى العويل واللطم، ونعى الموتى خلف الجنازات، كانت لا تتوانى عن عمل أى شىء من أجل لقمة العيش المُرة وتقول بمرارة: «إيه اللى رمَاك على المر، اللى أمر منه يا ضَى عينى». 

لكن ابنتها؛ التى استعارت اسمها حُبًا وإعجابًا، كانت شاطرة فى الدراسة، وظلت تتفوق، حتى وصلت إلى المرحلة الإعدادية، وحاولت أن تدخل امتحانات الصف الثالث الإعدادى، وتكمل تعليمها إلى الجامعة، فقد كان حلم حياتها أن تعمل صحفية فى تحقيقات الحوادث». 

يبدو جميل بطلًا إشكاليًا، ليس سلبيًا وليس إيجابيًا، ويأتى الإفصاح عنه، وعن خيباته على لسانه دومًا، بوصفه الراوى المركزى للعمل: «كان والدها جميل الملامح، وسيمًا مثل أبيه الذى يشبه الفنان «سليمان نجيب»، ورثت عنه ذات نفسه الرقبة الزرافية الطويلة والجبين المنبسط وبريق العينين الخضراوين، والشعر الناعم المسترسل بطلاقة. ظللت فترة طويلة أتذكرها، ولا أستطيع نسيانها، حتى عندما أحببت مريم «سالى» كانت تأتينى كثيرًا فى الأحلام بغواية الشبق الجنسى العالى، الذى أدركته على يدها، وظل محبوسًا ومقهورًا كأنه دخل فى قمقم خاتم سليمان الذى لم ينفتح أبدًا حتى تلك اللحظة، التى أروى فيها عن حياتى اللاهية فى هذا القبو الأرضى تحت مستوى الشارع. 

كانت أول فتاة وأول امرأة وربما آخرهن فى حياتى؛ التى فتحت عيناى على أبواب شهوات الحب المبهمة. 

ثمة إشكالية فنية أخرى فى الرواية تتصل باستنطاق الكاتبة لبعض شخوصها، وتحولهم إلى أبواق للمؤلف.

يلوح جميل فى النهاية مثلما هيمن على فضاء السرد طيلة الرواية، مستشعرًا حالًا من الخيبة والإخفاق، ومدركًا أن الحب وحده قادر على انتشال الإنسان من أزماته الوجودية فى عالم قاس، ومضطرب، مرددًا جملته «أنا أحب إذن أنا موجود»، ومتماسًا مع مقولة ديكارت الشهيرة ومبدئه الأساسى فى التفكير «أنا أفكر إذن أنا موجود»، وقد فقد جميل «بهلول» كل شىء: جيجى ملاكه البرىء صاحبة العمر العقلى المتأخر، التى احترقت فى المسرح، وتخلت عنه «سالى بسكويت» حين هربت مع «وسيم الملبوس»:

«تدركين ملاكى البرىء أن الحياة ما هى إلا مسرح كبير بملهاة واسعة، وأفخاخ حقيرة لأمثالى من الفقراء، والضائعين، والضالعين فى التشرد والبؤس فى أوعية من الوسخ والعفن والبله. عن حكايات وروايات مخبوءة داخل نفوسنا المقهورة المجبرة على تقبل الظلم وتحمله. آه .. آه يا ملاكى أريد التحدث والتحدث طويلًا مع بهلولى مثلى، وهذا لا يعنى أن يكون من كفر البهاليل بالذات، وليكن حتى من بلاد القوقاز أو الهنود الحمر. فقط ينصت لى بكل انتباه، وأريده مثلى يدرك الحقيقة الواضحة: أن البهلول لا يريد أى حياة؛ لأن الحب هو ما يجعله يحيا، وما دام انتفى وجوده؛ فلا ضرورة له للحياة على الإطلاق».

وبعد.. تبدو «محطة الثقافة» محملة بالمأساة، والخديعة، والرغبة العارمة فى التسامح مع عالم موحش لم يزل ينشب أظفاره فى كل «جميل» أو «بهلول».