الجمعة 24 مايو 2024
المحرر العام
محمد الباز
المحرر العام
محمد الباز

قصص مختلفة وسرود متعددة

سمير فوزى، سيد الوكيل،
سمير فوزى، سيد الوكيل، صفاء عبدالمنعم، هناء متولى

لا يمكن التعامل مع مشهد القصة القصيرة بوصفه كتلة صماء ثابتة، من جهة، أو بوصفه مشهدًا منغلقًا على ذاته، من جهة ثانية. بل ثمة تنويعات متعددة داخله، وانفتاح على الفنون الأخرى فى إطار التراسل بين الأنواع الأدبية المختلفة.

وربما يبدو هذا المدخل النظرى حاكمًا للنظر إلى مشهد متغير بطبيعته، ولحظة معرفية تتسم بسيولة لا نهائية.

ونحن إذ نفعل ذلك فإن ثمة أسئلة جمالية تبرز، تتصل بحدود النوع الأدبى وماهيته، وسؤال المعيار فى النص القصصى، ومستقبل القصة، وتجلياتها فى الآن وهنا.

إن المنطق الديمقراطى للكتابة والممثل لروحها الحقيقية التى لا تفتر، ولا تموت، يجعل من التجاور صيغة للوجود الجمالى، ومن ثم سنرى حضورًا متواترًا لأجيال إبداعية متعددة فى لحظتنا الراهنة؛ تكتب نصها وفق موجات جمالية تتآزر فى تشكيل بنية المشهد القصصى الراهن.

وهنا فى النصوص القصصية الأربعة المنشورة فى «حرف»، نصبح أمام سرديات متعددة، تتجلى فى قصص المبدعين: «سيد الوكيل، وصفاء عبدالمنعم، وسمير فوزى، وهناء متولى».

فى قصته «حجرة الأشياء المنسية» ينتخب القاص سيد الوكيل تاريخًا مفصليًا بالنسبة إلى بطله المركزى، عجوز على الحافة، يصل إلى الستين، مغادرًا مكتبه الذى عمل فيه أكثر من ثلاثين عامًا، لكن ثمة شيئًا قد نسيه السارد البطل: «تركت شيئًا مهمًا فى درج مكتبى. هذا ما كان يلح على وأنا فى طريقى إلى البيت. هاجس لم أتمكن من السيطرة عليه، ولم يكن ثمة طريقة للخلاص منه، سوى أن أعود وأتأكد.. ما الذى نسيت؟ لكننى متأكد أنه مهم.. مهم للغاية». ويصبح هذا الاستهلال القصصى الأساس الذى يبنى عليه الكاتب قصته، وتصبح آلية التذكر تقنية مهمة هنا، يمهد لها الكاتب جيدًا، وتصبح تداخلات الحلم والواقع علامة على التشظى الذى يجتاح الذات الساردة الموزعة بين عوالم مختلفة، عززتها- من ثم- سياقات زمنية متباينة داخل القصة. وتصبح حجرة الأشياء المنسية هى التفاصيل الدقيقة والحميمة القابعة فى الذاكرة، ويصبح كل منها علامة على شخصية مؤثرة فى حياة السارد، فالقداحة «الرونسون» من رائحة أبيه، و«الشيك» التائه فى كتاب لم يعد يتذكره يحيل على صديقه محمد عبدالعال الذى عاد نعشه فى الطائرة، وقد نسى السارد قصاصة الجريدة التى حملت نعى صديقه الراحل.

دومًا هناك هدى كمال لدى سيد الوكيل، تجدها فى روايته «فوق الحياة قليلًا»، وفى مجموعته القصصية «مثل واحد آخر». وهنا يمكن أن تتعامل معها على نحو خاص، حيث الذكرى العالقة فى الروح مثل صورتها المعلقة فى حجرة الأشياء المنسية.

وفى قصتها «الأحمر خلص» للقاصة صفاء عبدالمنعم، ثمة عنوان مخاتل، يحيل إلى الدلالة الشعبية الدارجة، حيث انتفاء الخجل، عبر موقف سردى، يدور فضاؤه المكانى داخل عربة المترو، وتتحدد سعته الزمنية بالوصول إلى محطة المترو المبتغاة.

وتعد العذوبة فى نسج العلاقة الإنسانية بين وحدتى السرد الأساسيتين «الذات الساردة والفتاة المتعبة داخل المترو» فى قصة «الأحمر خلص» أبرز ما يسم القصة التى تستدعى رمزية جمال عبدالناصر دون غرق فى الأيديولوجيا، والزعيق الصاخب: «لقد توفى جمال عبدالناصر فى سبتمبر ١٩٧٠، وأنا بالصف الخامس الابتدائى». هكذا قلتُ للبنت الجميلة الواقفة إلى جوارى فى مترو الأنفاق.

رأيتها تشعر بتعب شديد، وهى تضع كمامة زرقاء على أنفها، كان الأرق باديًا فى عينيها، همستُ فى أذنها: أنتِ تعبانة؟

هزت رأسها إيجابًا: نعم. نظرتُ نحو الشاب الجالس بجوارنا، وقلتُ له: «هى تعبانة، ممكن تقعدها».

وبدت نهاية القصة تعزيزًا للمشهد الاستهلالى على نحو مختلف، عبر توظيف الكاتبة تكنيك الحوار القصصى المعبر عن وعى الشخصية المركزية ورفيقتها العابرة، منذ التقديمة الدرامية للقصة، وحتى الختام السردى.

فى قصته «زيارة» يلوح عالم سمير فوزى القصصى المبنى على مهل، هذا العالم الخصب الذى ينشد الكثافة التعبيرية، عبر «صديقة» التى غاب زوجها المخبر «رفاعى»، وأصبحت تواجه العالم بمفردها، تستخدم القصة أسلوب الفجوات الزمنية، ومركز السرد فيها «صديقة»، ويصبح الاستهلال القصصى علامة على إبراز الفجوات الاجتماعية، والتكوينات الطبقية بنعومة من خلال تقنية الثنائيات المتعارضة بين مدافن الأثرياء ومقابر الفقراء، ومن دون صخب أيديولوجى، موظفًا تكنيك الحوار القصصى الدال: «تخطت البيوت المهجورة وانحرفت يسارًا، مرت على خمس حارات ضيقة ودخلت السادسة».

عندما أخذها رفاعى لترى المدفن الذى اشتراه قالت له:

- مش عالوجهة ليه؟

ضحك رفاعى ووضع يده على كتفها وهما يسيران باتجاه المدفن وقال:

- الواجهة مش لينا ياصِدّيقة، حرّاقة علينا.

- يعنى هايتدفن فيها أحسن مننا، أنت مخبر قد الدنيا والكل بيعمل لك ألف حساب.

أبعدت يده الثقيلة من على كتفها وهو يقول:

- عمومًا اللى بيموت مابيحسش مدفون فين».

ثمة حضور لآلية الترصيع السردى، عبر الحكايات الفرعية المكثفة والمضفرة داخل المتن القصصى، من قبيل الشيخ الذى غطس فى الترعة ثم عاد بعد يومين ليؤم الناس فى الصلاة، والولد الرقيع إسماعيل الذى راود صديقة عن نفسها فنالت منه أمام الجميع، تحكى صديقة حكايتها أمام قبر آخر غير قبر زوجها، وعندما تنتبه تمضى صامتة فى مفارقة ساخرة ومأساوية فى الآن نفسه.

أما القاصة هناء متولى فى قصتها «سبب مفاجئ للنوم الطويل»، فإن ما يلفت الانتباه هنا تلك القدرة الواعدة للكاتبة على المراوحة الجمالية بين الواقع والمتخيل، واللعب فى تلك المسافة الفنية بينهما.

تبنى الكاتبة قصتها على نية الوصل كما يقول البلاغيون، مستخدمة آلية الاستئناف للخطاب السردى، وكأن ثمة كلامًا قد قيل، وها نحن نستأنفه، هكذا تبدأ القصة: «حتَّى أنَّها وبعد أن توقَّفَت لدقائق تلتقط أنفاسها كانت لا تزال تلهث، ينضح جسدها عرقًا، وتتعثَّر رؤيتها من القطرات المملحة حول عينيها، الشمس فى وسط السماء ترسل أشعَّة حارقة، والميدان فارغ تمامًا إلا منها».

تنطلق القاصة من الرمزية الجاهزة لميدان التحرير، والإشارات المضمرة والظاهرة، التى تبدو مثل طيف عابر، وصولًا إلى المنصورة، حيث تتعدد الفضاءات المكانية داخل النص القصصى، بحثًا عما يبدد الفقد والوحشة، بالنسبة للذات الساردة التى تعانى اغترابًا شاملًا؛ لتستدعى ذلك الحبيب الغائب عبر لغة دالة ونافذة.

ثمة قاسم مشترك وحيد بين النصوص الأربعة، هو الاتكاء على تيمة الرحلة، وتختلف الارتحالات القلقة بين ارتحال فى الذاكرة ولا وعى الشخصية القصصية فى «حجرة الأشياء المنسية»، والرحلة المضطربة لصديقة إلى المدافن فى «زيارة»، والرحلة الكاشفة داخل محطات المترو فى «الأحمر خلص»، والارتحال الفنى بين الواقعى والتخييلى فى «سبب مفاجئ للنوم الطويل».

سببٌ مفاجئ للنَّوم الطَّويل

حجرة الأشياء المنسية

الأحمر خلص

زيارة