الثلاثاء 28 مايو 2024
المحرر العام
محمد الباز
المحرر العام
محمد الباز

سببٌ مفاجئ للنَّوم الطَّويل.. قصة لهناء متولي

حرف

حتَّى إنَّها وبعد أن توقَّفَت لدقائق تلتقط أنفاسها كانت لا تزال تلهث، ينضح جسدها عرقًا، وتتعثَّر رؤيتها من القطرات المملحة  حول عينيها، الشمس فى وسط السماء ترسل أشعَّة حارقة، والميدان فارغ تمامًا إلا منها.

مَن يصدق خلو ميدان التحرير من الناس وحركة السيارات فى ظهر  أغسطس؟! مسحَت عرقها بطرف قميصها، وتلفَّتَت حولها، لا تزال تلهث، ثُمَّ استأنفَت العَدوَ تجاه محطة المترو، نزلَت إلى باطن المحطة الخالية المهجورة، تسلَّقَت الحواجز ودلفَت إلى الرَّصيف تنتظر القطار القادم، انتظرَت طويلًا إلى أن نامَت على أحد المقاعد غارقة فى كابوس، تفيق فزعةً، تشعر بأشباح احتلُّوا محطة المترو، تجرى صاعدة إلى الميدان من جديد.

الشمس تبدو شاحبةً كوجه مريض الكوليرا، صفرتها تزيد قلبها كدرًا وضيقًا، ولكن لا يهم ما دامت ستتخلَّص من الحرارة والعرق، توسَّطَت الميدان وجلست القرفصاء تفكر، تشعر بدوار وضبابية فى الرؤية وطنين لا ينتهى، لا بُدَّ أنَّها بسبب الجوع، حولها عشرات المطاعم، دخلَت أحد المطاعم الشهيرة وكان كالميدان فارغًا مجهورًا، تناولَت طعامًا دون شهيَّة.. تناولَته واقفة رغم المقاعد الفارغة، شربَت ماءً كثيرًا.. ومشروباتٍ غازيةً، وبقيَت فترة ليست بالقصيرة فى دورة المياه، تفحَّصَت وجهها؛  فعبسَت، كان كوجه من رأى شبحًا للتَّوِّ، غسلَته وحاولَت تنظيفه مرارًا، صفَّفَت شعرَها، وتخفَّفَت من حمَّالة صدرها، وأخذت تصبُّ الماء على جسدها، تحسَّنَت قليلًا، وتأكَّدَت من قدرتها على التفكير.

«ماذا حدث؟.. أين الناس؟.. ماذا كنت أفعل قبل أن أجىء إلى ميدان التحرير؟.. ولماذا الميدان بالذات؟.. هل قامَت القيامة؟.. لا.. لا.. هناك أمر غامض لكن ليس بذلك السوء..».

تذكَّرَت حبيبها وعائلتها.. بحثت عن الهاتف فى جيب بنطالها، ما زالت الشبكة تعمل وهذا فأل خير، اتَّصَلَت بهم كثيرًا.. لا أحد يُجيبُ.. لا بُدَّ أن تطمئنَّ عليهم بنفسها، الميدان مكتظٌّ بالسيارات الفارغة، ستقترض واحدة لتعود إلى بلدها، لكنَّها لا تعرف القيادة، الطرق خالية.. فقرَّرَت أن تشاهد فيديو عن تعليم قيادة السيَّارات وتُجرِّب.. ما المانع؟ ما دامت شبكات المحمول والإنترنت تعمل.. من بعد ست سيارات وجدَت واحدة مفتوحة، قادَت بحذر المبتدئين فى البداية، ثُمَّ بسرعة أكبر، ثُمَّ بجنون، وصلَت إلى المنصورة فى ساعتين.. هرعَت إلى بيتها؛ فوجدته خاليًا من عائلتها كسائر المدينة، هناك خطب ما لكنَّه ليس خطيرًا.. نزلَت إلى النيل تستنشق هواءه وتطلب منه النصيحة، أمسكَت هاتفها لتُكلِّمَ حبيبها، من المستحيل أن يتخلَّى عنها.. «رد يا حبيبى؛ لأخبرك أنَّ المدينة كلها صارَت ملكًا لنا.. لم نعد بحاجة إلى عدة أمتار تُخفينا عن العيون»..

أوشك الليل أن ينتهى.. عاودها الجوع والعطش.. صعدَت إلى منزلها.. تناولَت طعامًا خفيفًا، وكرعت ماءً مُثلَّجًا.. ارتدت قميص النوم.. تكوَّرَت فى فراشها.. وقرَّرَت أن تنام طويلًا.