الثلاثاء 28 مايو 2024
المحرر العام
محمد الباز
المحرر العام
محمد الباز

حجرة الأشياء المنسية.. قصة لسيد الوكيل

حرف

تركت شيئًا مهمًا فى درج مكتبى

هذا ما كان يلح علىّ وأنا فى طريقى إلى البيت. هاجس لم أتمكن من السيطرة عليه، ولم يكن ثمة طريقة للخلاص منه، سوى أن أعود وأتأكد.. ما الذى نسيت؟ لكننى متأكد أنه مهم.. مهم للغاية. الآن.. ألوم نفسى: لماذا خرجت متعجلًا بمجرد أن وصلنى خطاب المدير العام؟ لم يكن يضرنى لو بقيت بضع ساعات أخرى ألملم فيها أشيائى. أعترف بأنى كنت متلهفًا لأترك هذا المكان الذى كرهته دون أن أعرف لماذا! ثلاثون عامًا أذهب إليه كل يوم، أوقع فى دفتر الحضور فى التاسعة صباحًا، وفى دفتر الانصراف فى الثانية مساءً، أفعل هذا يوميًا كإنسان آلى، بلا شغف، أو غضب. فقط أنتظر تلك اللحظة التى يأتينى فيها خطاب المدير العام، يحيطنى علمًا أن مدة خدمتى انتهت بإحالتى إلى التقاعد.

فى تلك اللحظة، سأضع سجائرى، وقلمى فى جيب الجاكت الداخلى، وأدس كتبى فى حقيبة الكتف التى اهترأت، وتلطخت بكل بآثار الزمن.. ثلاثون عامًا كافية لأترك مكتبى، ومقعدى الذى تحمل وطأة مؤخرتى كل هذه السنين.

لكنى متأكد أنى تركت شيئًا هناك. شىء مهم أعجز عن تذكره. وعلى أن أعود لأبحث عنه. هل هى صورة «هدى كمال»؟ كنت أخفيها أسفل ملفات تحوى قرارات الترقية، وعقوبات الشئون القانونية لعشرات الموظفين. وربما هى قداحة أبى «الرونسون» التى كان يملؤها بالبنزين، هى من الأشياء التى علقت بمشاعرى، ولا أعرف لماذا!. لقد مضى زمنها ولم تعد تشتعل. محتمل أن يكون الشيك الذى جاءنى من صديقى محمد عبدالعال. كان حريصًا على أن يدعمنى ماليًا بعد إعارته إلى دولة خليجية. أنا لم أصرفه، احتفظت به فحسب، وضعته فى واحد من الكتب، أذكر أن غلافه يحتوى على صورة امرأة حزينة، وربما كانت تبكى.. بصراحة لست متأكدًا، لكنى أعرف الأشياء التى عاشت فى درج مكتبى ثلاثين عامًا: صورة لهدى كمال، وقداحة لا تشتعل، وشيك انتهت صلاحيته، وبضع كتب قديمة و.. وماذا أيضًا؟

آه.. تذكرت.. قصاصة من جريدة، تحمل نعيا لمحمد عبدالعال، تقول إنه عاد محمولًا فى صندوق على متن طائرة مصرية، ومنذ ذلك اليوم، نسيت شكل الكتاب، وعنوانه وصورة المرأة الحزينة.. لهذا لست مضطرًا أن أقلب صفحات مئات الكتب فى البيت لأعثر عليه. انتهت صلاحيته تمامًا، ورحل صاحبه للأبد.

ترى ما الذى تركته هناك غير ثلاثين عامًا من عمرى، لم يعد لها وجود الآن؟

لا أعرف.. لكن على أن أعود لأبحث عن شىء نسيته هناك.. شىء لا أعرفه أيضًا. واجهنى المبنى فى صورة لم أرها من قبل، مبنى حديث ولامع غير ذلك الذى عشت فيه ثلاثين عامًا من الضجر. هل نسيت مقر عملى أيضًا؟

تاهت المعالم القديمة منّى فلم أعرف أين مكتبى!

حتى لو وجدته، ماذا سأقول للمدير الجديد الذى احتل مكتبى، ولوث مقعدى بمؤخرته السمينة؟ بالتأكيد لن يتذكرنى بعد كل هذه السنين، لأن كل شىء سيكون جديدًا ومختلفًا: الجدران، والمكتب، والمقعد أيضًا. لا أعتقد أن المقاعد الجديدة ستتحمل مؤخرته طويلًا. مقعدى القديم لم يشكُ يومًا من وطأة مؤخرتى عليه.

فى مواجهة المبنى رأيت حجرة كبيرة من الزجاج، وثمة سرير مرتفع تنام عليه امرأة شبه عارية. ليست هدى كمال بالتأكيد. هى الآن على مشارف الستين. ربما صارت جدة لحفيد فى الخامسة من عمره، يذكرها بابنها، الشاهد الوحيد على لقائنا الأول بجوار بحيرة البط فى حديقة الميريلاند.

الحجرة التى احتضنت فيها هدى كمال لم تكن من الزجاج. كانت حجرة عادية بجدران من الطوب والأسمنت، وبلا نوافذ فحفظت سرنا، وكتمت تأوهاتنا.

ترى.. أين هدى كمال الآن؟

ها هو عامل المصعد يقف أول الطرقة الطويلة، فكرت أنه سيرحب بى، ويفتح لى باب المصعد كعادته، لكنه لم يهتم. كان شابًا بوجه ضحوك دائمًا، لكن وجهه الآن تريم عليه سحابة سوداء، كأنه خارج من مقبرة. سألته:

- أين مكتبى؟

رد باقتضاب: إذ كنت تبحث عن شىء نسيته، فلدينا حجرة نحتفظ فيها بالأشياء المنسية.

تقدمنى، ومشيت خلفه صامتًا. كانت الطرقة ممتدة بلا نهاية، مضيئة ولامعة، أشبه بسفن الفضاء فى الأفلام الأمريكية. لكننا فجأة كنا أمام باب معدنى كبير. ثمة لافتة مكتوبة بخط كوفى قديم: «حجرة الأشياء المنسية» وأنا أتأملها انفتح الباب من غير أن نطرقه، فإذا بطفل وحيد فى الداخل.

سألت عامل المصعد بصوت عال: لماذا تضعون طفلًا وحيدًا فى حجرة الأشياء المنسية؟

لكنه لم يرد.. عندئذ لاحظت أن الطفل لم يأبه لوجودنا، لم يلتفت إلينا أصلًا. كنتُ أصرخ فى عامل المصعد، فيما هو ظل منهمكًا فى رسم صورة لشخص يشبهنى قبل أن أطلق لحيتى. كانت الحجرة بلا نوافذ، لتحفظ الأشياء المنسية.

عامل المصعد نبهنى أن لا وقت لتأمل الصور القديمة، وأن علىّ أن أبحث بين الأرفف المكتظة بالأشياء المنسية للمتقاعدين. ملابس، مسابح، قبعات، زجاجات عطر، أكواب وملاعق، وصور ليس بينها صورة هدى كمال.

بنظرة خاطفة أدركت أن لا شىء هنا يخصنى، لكنه نبهنى إلى أن الجاكت الذى أرتديه الآن، هو نفسه المعلق على المشجب، ويخص شخصًا أحيل إلى التقاعد مثلى:

- لماذا أنت مندهش، كل الذين خرجوا إلى المعاش يرتدون نفس الجاكت المصنوع من لفائف الكتان.

قلت حانقًا: لفائف كتان؟ أنا لم أمت بعد.

- لكنك ترتديه الآن!

الآن.. علىّ أن أثبت له أن الجاكت لا يخصنى أيضًا، ليس له رائحتى، وليس فيه علبة سجائرى، ولا قلمى الذى كتبت به مئات الخطابات، والمذكرات القانونية. لأؤكد له ذلك، وضعت يدى فى الجيب الداخلى للجاكت، فوجدت القلم. طافت ابتسامة ساخرة على وجهه:

- أرأيت؟ إنه يخصك.

- لكن ليس للجاكت رائحتى.

- هل تذكر كيف كانت رائحتك وقتها.

خرجت مسرعًا، يغمرنى إحساس عميق بالعدم. ثلاثون عما قضيتها هنا.. هل قضيتها هنا فعلًا؟ هل تلك كانت رائحتى؟ تلك رائحة تصلح لأى شىء قديم.

بمجرد أن خرجت من الباب، وجدتنى فى فناء واسع. أخيرًا تمكنت من تذكره. أخيرًا تذكرت شيئًا ما. فناء الجامعة التى تخرجت فيها، ومنحتنى أجمل سنوات العمر. كان الفناء كعادته مكتظًا بمئات الطلاب والطالبات، يمرحون غير آبهين بما يحدث أمام أعينهم. فى منتصف الفناء تمامًا. ثمة فتاة تنزف، وتصرخ، بجوارها طفل ذكرنى بذلك الذى رأيته فى حجرة الأشياء المنسية. وثم شاب يحاول أن يصل إليها، يخوض بركة واسعة من الدماء المتجلطة على الأسفلت. بدا هلعًا، فيما كانت هى ترتعد، وتنزف.. تنزف بلا توقف. رحت أصرخ فى الجميع، أن يهبوا لنجدتها، لكن أحدًا لم يسمعنى، إنهم لا يسمعون صوتى، ولا يرون بركة الدماء، ولا.. فقط شاب وحيد يدور حول بركة الدم المتجلطة، صرخت فيه: أيها الشاب، أوقف ذلك النزيف.

أخيرًا.. تمكن الشاب من عبور بركة الدماء، ضم الفتاة إلى حضنه فصفق الجمهور، وأطلق البعض صفيرًا مبهجًا، فيما هى كانت ترسل إليهم قبلاتها، تلوح بيدها، وتمنحهم ابتسامة كتلك التى منحتها لى هدى كمال وهى عارية بين يدى.

كان الشاب ينحنى للمصفقين بامتنان، عندئذ فقط لاحظت أنه يرتدى نفس الجاكت الذى وضعت فية علبة سجائرى، وقلمى الذى كتبت به مئات المذكرات القانونية، فيما كان طفل الميريلاند، يقف خارج المشهد، ويبكى وحيدًا.