الأحد 14 يوليه 2024
المحرر العام
محمد الباز
المحرر العام
محمد الباز

وصية.. مستجاب الأخيرة

كنت حاجة بتاعة 18-19 سنة، جى من بلدنا طازة، وعايز أشتغل فى الكتابة والصحافة واللذى منه، فـ من الجريدة دى لـ الجريدة دوكهه، وطبعًا فى السن ده محدش هـ يسمح لى بـ الكتابة منى لـ نفسى كدا، يا تجيب أخبار يا تعمل تحقيقات، غير كدا مفيش.

كنت، وما زلت، بـ عافية حبتين فى موضوع التقاط الأخبار وجمعها، فـ كانت التحقيقات هى الاختيار الوحيد، ولما كنت مهتم بـ الشأن الثقافى كنت بـ أقترح موضوعات من الأدب وخلافه، ومن الموضوعات اللى افتكستها سؤال: هو ليه الشعر ما بقاش ديوان العرب زى زمان؟ ليه الرواية والقصة خدت المكانة دى؟

الحقيقة أنا مش فاكر إذا افتكست الموضوع دا فعلًا، ولا قريته فى حتة، ولا كان اقتراح رئيس القسم، ما كانش مهم بـ النسبة لى، المهم أعمل التحقيق، أسأل المثقفين والكتاب، يجاوبوا، أكتب الإجابة، الموضوع يتنشر عليه اسمى، أقبض آخر الشهر، الموضوع نفسه مش مهم.

سألت شاعر واتنين، وروائى واتنين، كنت بـ آخد نمر تليفونهم من الزملا، وما كانش فيه موبايل، أكلمهم من تليفون الجريدة، وآخد الكلمتين فى التليفون، وأسجلهم ورا المصدر بعدين أقعد أصوغه، ثم إنى لقيت رقم تليفون محمد مستجاب، فـ قلت آخد رأيه.

كان مستجاب بـ النسبة لى كاتب هائل مرموق، كنت قريت له كذا حاجة، وفتنت بـ ديروط الشريف ونعمان عبدالحافظ، إنما الأشد فتنة كانت «قيام وانهيار آل مستجاب»، وكنت تقريبًا حافظ «مستجاب الخامس»، كان الخامس قويًا كنملة ضعيفًا كبقرة، شىء بديع.

المهم، عرفته بـ نفسى: أنا فلان الفلانى من جريدة كذا، فـ رحب، ولما طرحت عليه الموضوع، قال لى: لااااااا، دا موضوع خطير، ما ينفعش فى التليفون، مقر جرنانك فين؟ قلت له: فى وسط البلد، قال لى: تقابلنى بكرة على زهرة البستان، الساعة ٧، وأديك رأيى.

رحت تانى يوم فعلًا، معايا الورق والقلم، ما كانش فيه إمكانية أسجل صوت طبعًا، دا كان مستحيل مش صعب، ورحت لقيته قاعد بـ جلابيته الصعيدى الشهيرة وملامحه المميزة الفخيمة، وأنا كنت أعرف شكله لـ إنى قابلته قبل كدا فى بلدنا، بس كنت أظن إنه أكيد مش هـ يفتكر.

سلمت وقعدت، وتحفزت، وخدت وضع الاستعداد لـ سماع الإجابة وتدوينها، فـ هو قال لى: اكتب! «إن هذه مؤامرة صهيوأمريكية وغزو ثقافى يشنه أعداء الأمة على عروبتنا الغراء وإسلامنا الحنيف»، فـ أنا أسقط فى يدى، وما بقيتش عارف أعمل إيه، لكنى طبعًا ما كتبتش الجملة اللى قالها.

سألنى: مش بـ تكتب ليه، فـ تشجعت وسألته: هو كلام حضرتك دا جد ولا سخرية؟ رد: مش لما تكلمنى جد، أبقى أرد عليك جد؟ ثم أكمل: إنت بـ تعمل التحقيق دا تحديدًا ليه؟

قلت له: لـ إن دا موضوع مهم يتعلق بـ ثقافتنا وهويتنا وتراثنا. قال لى: شفت! فين الجد فى الكلام دا؟

قلت له: الصراحة، أنا لازم أعمل الموضوع علشان يقبضونى، فـ سألنى أغرب سؤال: وهـ يدوك كام على التحقيق دا؟ ومش عارف ليه جاوبته مباشرة: عشرين جنيه. قام مطلع من جيبه عشرين جنيه اداهانى، وقال لى: خد يا ولدى، وسيبك من الكلام اللى لا يودى ولا يجيب، روح اقرا لك كتاب ولا اشرب لك حاجة، خد ما تتكسفش أنا عمك.

من ساعتها، وأنا بـ أتجنب إنى أعمل حاجة سد خانة، ولو سألتنى: إيه أكبر ذنوبك اللى بـ توجع ضميرك، مش هـ افتكر أى موبقات عملتها، هـ افتكر أولًا إنى رضخت أحيانًا تحت الضغوط، وعملت حاجة مفيهاش إضافة، حاجة بس علشان أكل العيش.