الأحد 14 يوليه 2024
المحرر العام
محمد الباز
المحرر العام
محمد الباز

وردة من كتاب الحلوانى

محمد العسيرى
محمد العسيرى

منذ أيام عرفت أن محمود الحلوانى غادر موقعه فى وزارة الثقافة.. تصورت فى البداية أن الأمر مجرد تغيير معتاد يحدث فى هيئاتنا.. عادى.. محمود النهارده فى موقع ما.. بكرة هيكون فى موقع آخر.. لكننى فجأة انتبهت أنهم يكرمونه.. وأنه قد صار على المعاش!

يعنى إيه.. الحلوانى على المعاش.. طب تيجى إزاى؟! الحلوانى شاب وتجاوز الستين وها هم أصحابه حسان وشومان ومرسى وغيرهم يحتفلون بأنه صار عجوزًا.. متى حدث ذلك.. إمتى وإزاى وليه؟! وكأن الأيام قد فرت.. أم كلثوم كانت بتقول «سنين ومرت»..

قالت إنها مرت بس.. إنما طارت دى ما سمعتهاش وإن سمعت مش ح أصدق.

كأنه بالأمس.. لم يكن بحوزتى سوى شنطة هدوم قديمة صغيرة جدًا.. يا دوب تشيل غيارين وكام كتاب.. وفى جيبى «الصغير» علبة سجاير وكام جنيه وعنوان فى مكان ما.. فى حتة ما اسمها القاهرة.

توقف القطار فى باب الحديد.. لا أعرف لماذا أسموه بالحديد.. هل يعنى هذا أن كل من يعيشون داخل هذه الشوارع محبوسون؟.. وأن هذه البوابة التى مرقت منها ربما تغلق.. فى وقت ما إذا ما فكرت فى العودة.. ربما.. لم يكن فى بالى شىء سوى وجوه عدد من الأصحاب كنت تعرفت عليهم فى ندوة الأستاذ جبريل.. اسمه محمد جبريل وهو صحفى وروائى كبير جاء من الإسكندرية بقلب أبيض مفتوح يسع جنون العالم بحاله.. منحنا فرصة.. وأملًا وحلمًا وعدد من الأحباب يلتفون حوله مساء كل أربعاء.. أظنه كان الأربعاء.. لم أكن أحسب الأيام وقتها.. لم أكن أحسب أى شىء.. ولماذا أحسب من الأصل.. جيوبنا بها ما يكفى كوب شاى عند النصبة اللى قدام دار التحرير وكام ساندوتش من «آخر ساعة» وسهرة ما بعد الندوة.. ربما نذهب إلى «زهرة البستان».. وقد تأخذنا خطوات أقدامنا إلى الغورية.. حسن رياض هناك.. لقد كتب منذ شهور أغنية جميلة يتغنى بها على الحجار اسمها «من غير ما تتكلمى».. وهنتكلم ليه.. طالما هو يؤكد «وبكرة جاى أخضر» وطالما هى تبتسم.

كان مجرد تذكر وجه حسن رياض وفى كتفه «محمود الحلوانى» يمد خطاه الطويلة حيث «الأبواب جميعًا مفتوحة» كفيل بأن يمنحنا سحر العالم بحاله.

الحلوانى.. هو اسمه.. وفعله.. ولغته.. وأشعاره.. شاب مصرى مبتسم باستمرار.. لا يخطئ العناوين.. وكل ما لديه «براح» لم يسألنى من أين جئت.. لكنه سأل.

أين ستبيت الليلة؟.. وقبل أن يجيب يبدو أنه عرف أننى لم أحدد بعد وجهتى.. لكنه أدرك أننى قررت البقاء فى القاهرة لسنوات قادمة طويلة.. لم أكن خائفًا.. و«هنخاف من بكرة ليه».. هنخاف ليه من الأصل.. إذا لم يصادفنى النجاح الذى أريد.. لا تزال أبواب «الحديد» مفتوحة..الرصيف رقم ١١ لا يزال يستقبل العائدين إلى الجنوب.. أمامنا فرصتان إذن.

بعد ساعات قليلة كنا فى بيتهم فى «بهتيم» لم أكن عرفتها من قبل.. لكنها مثل كل «البلاد» فى مصر.. ما هى مصر مش بلد واحدة.. دى بلاد.. ناس طيبون.. هذا ما ستدركه من الوهلة الأولى التى ستواجه فيها كلمات أم محمود.. «العشا جاهز» وحجرة محمود الصغيرة تكفى لألف من «الحبايب».

لا أعرف متى ذهب الليل.. لا أعرف متى غادرت إلى محطة الأتوبيس الذى يذهب إلى وسط البلد حيث مقر عملى الجديد.. عملى الذى سيصبح هو «العمر بحاله».

كان محمود موظفًا صغيرًا فى مكان ما.

يكتب شعرًا لم أسمع مثله فى بلاد الصعيد.. يتحدث لغة ليست مثل تلك التى ينحتها أهل الجنوب من الجبال والنيل والنخيل. 

لغته تتحدث عن «البنات الجميلات» اللاتى يتلقفن الورود والأمنيات.. هو الشعر الجديد الذى أخاف غربته.. وهى المدينة الطيبة التى تشبه دعوات أمى..

سنوات مضت والحلوانى لا يتغير.. ربما غير وظيفته.. مكانه.. تسريحة شعره التى تسلل إليها الأبيض الداكن لكنه أبيض شفاف..

رحل طاهر البرمبالى.. وخالد عبدالمنعم.. وحسن رياض.. لم أعد أذهب إلى زهرة البستان.. ولم أعد أعرف الطريق إلى بهتيم.. تسللت إلى رأسى شعيرات بيضاء وأحزان زرقاء ثقيلة.. لكنه ظل فى خاطرى «مفتاح الباب الحديد» الذى ربما أستعيره فى لحظة ما ليفتح لى طريق العودة..

كان وسيظل الشاعر الإنسان محمود الحلوانى ومن هم مثله هم «سر» القاهرة الطيبة التى لم تستطع جحافل التغيير الرهيب فى عادات الناس وأحوالهم أن تقهرها.

الآن.. أعرف أنه يكتب قصيدة جديدة.. لا تخاف.. مثل قصائد الجيل الجديد الذى يشعر أن «القاهرة أغلقت» باب حديدها ونقلت المحطة.. وأشد ما أخشاه أن ينتقل ذلك الخوف من قصائدهم إليه. 

جيل جديد لم يعش ما عاشه «الحلوانى»..

جيل بنى بيته ومقهاه وشوارعه فى فضاء إلكترونى بارد يحاصره الآن بأخبار عالم جديد يتشكل فيما نحن نحاول الهرب من أيامنا القادمة فيما بعد الستين!