الإثنين 15 أبريل 2024
المحرر العام
محمد الباز

محمد الباز يكتب: لسنا دراويش لأحد

محمد الباز
محمد الباز

فى ديسمبر من العام ٢٠١٤ قررت الاحتفال بذكرى ميلاد كاتبنا الكبير نجيب محفوظ، جلست إلى اثنين من الزملاء وطلبت منهما تصورًا لملف يليق بالكاتب الكبير. 

قال لى أحدهما إنه يفكر فى قراءة ملامح الوجه الآخر لنجيب محفوظ بعيدًا عن حالة التقديس التى يحيطه بها مريدوه، فهناك نجيب آخر يجب أن يعرفه الناس، وافقت على الفكرة فى أقل من دقيقة. 

قلت له: اكتب كما تشاء دون مساس بالاحترام اللازم لتناول صاحب نوبل العظيم. 

كتب زميلى.. ونشرت أنا. 

توقعت أن يثير ما كتبه حالة من النقاش حول كاتبنا الكبير، فالأفكار الكبيرة ابنة شرعية للحوار والنقاش والجدل حتى لو كان عنيفًا، لكن خاب توقعى وتعس ظنى، فقد وجدت حالة من الغضب لا تتناسب أبدًا مع ما كتبه زميلى، الذى كان قد أعد حلقة ثانية يستكمل فيها رؤيته، فاضطررت للتوقف، بعد أن قال لى واحد من عشاق نجيب محفوظ: ما فعلته يدخل فى باب الكبائر الثقافية. 

كتبت يومها مقالًا أسميته «مولانا نجيب محفوظ»، أكدت فيه محبتى الجارفة لنجيب محفوظ، لكن هذه المحبة لا يمكن أن تحول بينى وبين أن أتناول الأستاذ نجيب بالنقد حتى لو كان عنيفًا. 

لم أسلم أنا الآخر، ووجدت نفسى أمام من يقول لى: الأستاذ نجيب يجب أن يكون محصنًا، فهو فوق النقد، وكان غريبًا أن أسمع من ناقد أدبى كبير يؤكد بحماس مخلوط بالغضب: نجيب محفوظ عندنا مقدس. 

لم أقتنع بما قاله هؤلاء، كما لم أقتنع بحالة الغضب التى تعالت على هامش نشرنا لمقال يحاول تقديم جانبًا مختلفًا وحقيقيًا فى الصورة الكبيرة التى نحتفظ بها لكاتبنا الساخر الكبير محمود السعدنى. 

بعد النشر تواصل معى صديقى العزيز الإعلامى الكبير محمد على خير يعاتبنى على نشر المقال. 

قال: أنت نشرت... ومعنى ذلك أنك تقر ما جاء فيه. 

قلت له: لست مقتنعًا بالطبع بما جاء فى المقال ولا أقره، فأنا أحتفظ للسعدنى فى خريطتى الثقافية بمكانة كبيرة، فهو واحد من رموز الكتابة الجميلة، لكن من حق من يرى فيه شيئًا آخر أن يكتب ما لديه، ومن حقى أن أنشر.

هكذا تعلمنا من أساتذتنا الكبار. 

كان الأستاذ هيكل بعد أن جمع فى الدور السادس بمؤسسة الأهرام قمم الكتابة والفكر والنقد والإبداع، قد وضع قاعدة مهمة وهى: إذا كانت لديك الشجاعة لتكتب... فلا بد أن تكون لدىّ الجرأة لأنشر. 

إن أى نقد يمكن أن ننشره هنا لا يجب أن يأخذه البعض بنية الإساءة أو التقليل من شأن قممنا الفكرية والثقافية، فلا يجب أن نحجب الكتابات التى تتناول كبارنا بالنقد، لا يمكن أن نضع سدًا منيعًا أمام من يحاول أن يقدم قراءة مختلفة لتراثنا الثقافى، لا يمكن أن نمنع من يريد أن يقدم رؤية جديدة فى تاريخنا الثقافى.

إذا فعلنا ذلك لا يمكننا أن نتقدم ولو خطوة واحدة إلى الأمام. 

عندما كتب كبارنا ما كتبوه ومن بينهم الكاتب الكبير محمود السعدنى بالطبع، لم يكن فى تقديرهم أن تتحول كتبهم إلى توابيت باردة على أرفف المكتبات، كانوا يحلمون أن تمتد أعمارهم من خلال كتاباتهم، أن تظل حية ومشعة ومشرقة ومقلقة لا تهدأ أبدًا. 

الطريق الوحيد لتظل هذه الكتابات حية هى أن تخضع لعمليات مستمرة من القراءة، وليس شرطًا أن تكون هذه القراءة محبة أو معجبة أو مفتونة، بل يمكن جدًا أن تكون هذه القراءة ناقدة وغاضبة ولا شىء عندى إطلاقًا إذا كانت هذه الكتابات كارهة. 

لم يسلم كتابنا الكبار وهم أحياء يمارسون إبداعهم ويواصلون كتاباتهم من النقد والهجوم، وكم من معارك ثقافية وفكرية كانت صفحات الجرائد والمجلات شاهدة عليها وموثقة لها، وعندما نعود إليها الآن نتحسر على تلك الأيام التى كانت. 

لقد وعدتكم فى حرف أن نكون نافذة حرة للكتابة، ولن يكون معنى ذلك أبدًا أننا سنكون معول لهدم رموزنا أو تحطيم كبارنا. 

فى بداية عملى الصحفى كنت قد فكرت فى جمع الكتابات التى تناولت كاتبنا الكبير محمد حسنين هيكل بالنقد، وضعت الفكرة فى اجتماع التحرير أمام رئيس القسم، فرفضها بغضب، وقال: عايز تهاجم هيكل... يا ابنى إللى ملوش كبير يشترى له كبير. 

بعد أسابيع أعدت الجريدة نفسها ملفًا عن هيكل الآخر، والمفاجأة أن رئيس القسم الذى رفض فكرتى أسهم فى الملف بكتابة ساخنة وحادة تناولت الكاتب الكبير وقتها بما اعتبرت أنه لا يليق، وعندما قرأ هيكل الملف ابتسم وأثنى على ما كتبوه، وقال لمن سأله عن رد فعله تجاه هذا النقد اللاذع: هؤلاء الشباب جعلونى أشعر بأننى لا زلت حيًا. 

ليس صحيحًا أن الكاتب يعيش لأنه يترك وراءه كتبًا وكتابات وآراء وأفكارًا، حياة الكاتب تقاس بعد موته بقدر ما يثيره من الجدل والنقاش حول أفكاره ومشروعه، فأوراق الكتب الصامتة ليست إلا قبورًا تضم رفات أصحابها، والذين يريدون منا أن نمجدهم يحولونهم إلى أضرحة يحبون أن نطوف حولها، نلتمس منها البركة ثم نمضى صامتين. 

لقد كان كتابنا بشرًا، منحهم الله القدرة على الإبداع، لكنه لم يعصمهم من الخطأ. 

هذه قناعتى التى أحاول أن أترجمها إلى صحافة حية متجددة، لا تخشى اللوم ولا العتاب، وكنت أتوقع أن يتقدم أحد ممن غضبوا مما نشرناه عن كاتبنا الكبير محمود السعدنى، فينقض وينقد ويفند، فالغضب لن يفيد السعدنى فى شىء، ولكن يفيده رد غيبته بتصحيح ما نشر إذا كان هناك ما يستدعى التصحيح. 

لن يحتفظ هذا المجتمع بحيويته وقدرته على التجدد إلا بالأخذ والرد. 

إننا لسنا دراويش لأحد، ليس مطلوبًا منا أن ننتظم فى حلقة ذكر نتطوح يمينًا وشمالًا نمجد فيها من رحلوا أو حتى من يزالون على قيد الحياة، فمن حقنا- ومن حق الأجيال الجديدة- أن تقرأ وتكتب وتنتقد وتحاسب وتغضب وترفض، ليس مطلوبًا منا أن نسلم أو نستسلم، لا يليق بنا أن نخضع وننبطح لمجرد أن نبدو مثاليين فى نظر الآخرين، خاصة أن النقد لا يعنى التجاوز، والتفنيد لا يعنى هدم المعبد على رأس من بناه. 

لقد كنت مفتونًا بالشيخ الشعراوى، ولا يزال يحتل فى قلبى وعقلى مكانة خاصة، وأقدر الجهد الذى بذله فى تفسير القرآن الكريم على وجه التحديد، فهو صاحب اجتهاد خاص، واستطاع بأدائه البسيط الحميمى أن يجعل القرآن الكريم مادة متاحة على مائدة الجميع، لكن هذا لم يمنعنى من أن أقف أمام ظاهرته بالنقد والتحليل وتقصى ما ينقصها، أو ما أحدثته من أثر سلبى على الذهنية المصرية العامة. 

هل يعيب الشيخ أن أقول مثلًا إن انتاجه الفعلى والحقيقى هو فقط ما قدمه بين يدى التفسير، وإن كل الكتب التى تحمل اسمه ولا يزال الناس يتداولونها على أنه مؤلفها وواضع مادتها العلمية لا تمت له بصلة، فهناك من حولوه إلى سبوبة، وبدأوا يصدرون كتبًا باسمه لا يعرف عنها شيئًا، وأنه أخطأ عندما أقرهم على ذلك، ولم يمنعهم من استغلال اسمه، بل تساهل معهم، لأن هناك من كانوا ينتفعون مما يحدث ويتكسبون من ورائه. 

وهل يعيبه عندما أقول إنه لم يكن متصالحًا مع العلم والمدنية الحديثة، وإنه قام بترييف الدين للدرجة التى أضرت به كثيرًا. 

لقد تعلمت الكثير من كتابات الدكتور مصطفى محمود، وكنت فى فترة من حياتى أعتبره كاتبًا عملاقًا، وما زلت أحتفظ له بفضل كبير، لكن هل يعيبه عندما نفتح ملف مواقفه السياسية، وتسفيهه وتشويهه العلم الذى كان يدعى أنه نصيره. 

إننى مبهور تمامًا بكاتبنا الرائد توفيق الحكيم، ليس بكتاباته المتنوعة فقط، ولكن بأسلوب إدارته فى الحياة. 

لكن هل يمكن أن يعتبرنى أحد متجاوزًا إذا اعتبرت ما فعله بكتابه «عودة الوعى» سقطة كبيرة فى تاريخه؟ 

وحتى الآن عندما يعرض أى فيلم للفنان الكبير عادل إمام لا أقاوم مشاهدته حتى لو كنت شاهدته قبل ذلك مائة مرة، بل أعتبره نجمى المفضل، لكن هل يعيبه عندما أتقاطع مع بعض آرائه ومواقفه، بل هل ينتقص منه شىء عندما أهاجم بعض أعماله وأقول إنها لا تعجبنى أو تروق لى؟ 

إننى أعتز كثيرًا بأننى عشت بعضًا من عصر عادل إمام، وهو عصر ممتد، فعادل نجم عابر للأجيال، وقدم للفن المصرى الكثير، فهو صاحب مشروع متكامل، لكن هل يعنى هذا أننى أهيل عليه التراب، عندما أقول إنه كان سببًا فى تشوهات اجتماعية خطيرة أصابت مجتمعنا فى مقتل، فعادل إمام هو من وضع بين يدى الشباب النموذج الفهلوى الذى لا حظ له من التعليم أو الثقافة أو القيم أو الأخلاق، ومع ذلك يستطيع أن يصعد هذا النموذج إلى القمة بكل الأساليب التى تخالف القانون وتعاديه وتخرج عليه؟ 

لقد حدث معى ما توقفت عنده كثيرًا. 

عندما زار الرئيس الأمريكى باراك أوباما القاهرة فى يونيو ٢٠٠٨ أدلى الكاتب الكبير بتصريحات مطولة عن كواليس هذه الزيارة لم تكن كلها دقيقة، فكتبت تقريرًا نشرته جريدة «الفجر»، صححت بعض ما جاء فى تصريحات الكاتب الكبير من أخطاء مستندًا إلى مصادر كانت قريبة مما حدث. 

وقتها كنت لا أزال أكتب أسبوعيًا فى جريدة «العربى» الصادرة عن الحزب الناصرى، وطلب منى الأستاذ عبدالله السناوى أن أكتب مقالًا عن رسالتى للدكتوراه التى كنت قد ناقشتها قبل أسابيع، واتفقنا أن يكون المقال عن الأستاذ هيكل الذى جئت على سيرته فى موضوعى «تيار الإثارة فى الصحافة المصرية». 

كتبت مقالًا مادحًا الأستاذ هيكل بما يليق به، وأثبت وقتها أن الصحف الخاصة التى صدرت بداية من تسعينيات القرن العشرين كانت تسعى طوال الوقت إلى كسب شرعيتها من اعتراف هيكل بها. 

لم أرَ فيما فعلت تناقضًا، فقد اشتبكت مع الأستاذ حيث يجب الاشتباك، وأثنيت عليه حيث يجب الثناء، وقتها اصطاد عبدالله كمال وكان وقتها رئيسًا لتحرير روزاليوسف التقرير والمقال، وتعجب كيف أهاجم هيكل ثم أثنى عليه خلال أسبوعين فقط. 

كان الهوى السياسى يسيطر على عبدالله كمال طول الوقت، لكنه كان يعبر فى هذه اللحظة عن فكرة راسخة فى حياتنا الصحفية والثقافية، وهى أنك عندما تهاجم فلانًا فلا بد أن تكون خصمًا له، وطالما أصبحت خصمًا له فلا يجب أن ترى فيه شيئًا جيدًا على الإطلاق. 

كنت وما زلت أعتبر هذا كلامًا فارغًا تمامًا، فالمبدع ليس لونًا واحدًا، المفكر ليس طيفًا واحدًا، الصحفى ليس طريقًا واحدًا، ولذلك يمكن أن أتفق مع كاتب فى رأى فأثبت ذلك، ويمكن أن أختلف معه فى رأى آخر فأثبت هذا أيضًا، دون أن يكون هناك تناقض فيما أفعله، ودون أن يعنى ذلك أننى عندما أهاجمه فأنا أسىء إليه أو أهدم مشروعه، ودون أن يعنى ذلك أيضًا أننى عندما أمدحه أنه حصل منى بذلك على تفويض نهائى وتام بأن كل ما يقوله صحيحًا. 

من يقرأ ما كتبته فى كتابى «إمام التفكير... زيارة جديدة لنصر حامد أبوزيد» سيتأكد أننى أميل إلى نصر كل الميل، أنصره وأنتصر له ضد خصومه، وقد لا يستوعب أحد أننى على خلاف تام مع نصر فى خطابه الذى كان يغازل به الغرب كثيرًا بعد خروجه من مصر، ولن يكون غريبًا بالنسبة لى عندما أكتب عن هذا بالتفصيل، لكنه سيكون غريبًا بالنسبة لكثيرين، هؤلاء الذين يتخيلون أن الإنسان لا بد أن يكون أسيرًا مسلوب الإرادة لمن يؤيد أو يحب.

إننى لا أفرض على أحد وجهة نظرى، لا أطالب الآخرين بأن يسلكوا الطريق الذى أسير فيه، لكن من حقى أنا أيضًا ألا يفرض علىّ أحد وجهة نظره أو يطالبنى بالسير فى نفس طريقه، فدنيانا، كما يقول سيد حجاب، سكك، والمهم أن يحافظ كل منا على مسلكه.