الأحد 14 يوليه 2024
المحرر العام
محمد الباز
المحرر العام
محمد الباز

فاضح نوبل.. ميلان كونديرا الدال على «لا معايير» الجائزة الأشهر

عبدالوهاب داود
عبدالوهاب داود
ميلان كونديرا 

لن يكفى إخلاصك للكتابة الأدبية، جودة ما تكتب، كثرة إنتاجك، شهرتك، ترجمة أعمالك إلى كل لغات الأرض، واتساع رقعة قرائك، أو الكتابات النقدية حولها، ولا حتى قبولك جائزة «إسرائيلية» لكى تحصل على جائزة «نوبل للآداب»، وهذه الأخيرة على وجه التحديد هى ما يجعل من الكاتب التشيكى الأصل ميلان كونديرا، الدليل الأبرز على عدم وجود معايير تستند إليها لجنة الجائزة التى يحلم بها كثير من المفكرين والأدباء حول العالم. ولعله من المناسب هنا أن أذكر أنه عندما فاز بها نجيب الرواية العربية عام 1988، ادعى كثيرون أن السبب الأكثر تأثيرًا فى اختياره للفوز بها، هو رضا اليهود عنه بسبب دعوته للسلام، واتهمه البعض بالتطبيع، بينما الحقيقة، فى ظنى، أنها مجرد دعاية إسرائيلية لتحييد الكتاب والفنانين حول العالم، وأنه منطق مغلوط تروج له ماكينات الدعاية اليهودية حول العالم، وإلا فلماذا لم يفز بها ميلان كونديرا، الذى ورد اسمه ضمن المرشحين للجائزة لسنوات عديدة، ومات فى الحادى عشر من يوليو 2023 دون أن يحضر مراسم توزيع الجائزة، وهو الذى فاز عام 1985 بجائزة «أورشليم» الاسرائيلية التى تمنحها بلدية «القدس»، ونشر محاضرته لقبول الجائزة فى كتابه «فن الرواية»؟! ولك أن تعرف، مثلًا، أن النرويجى الأكبر هنريك إبسن الذى توفى عام 1906، والمؤسس الأشهر للمسرح الاجتماعى والواقعى فى عصرنا الحديث، لم يفز بالجائزة التى بدأت فى عام 1901، بينما فاز بها فى حياته سبعة كتاب لا يعرف العالم اليوم عنهم شيئًا، ومن بينهم نرويجى آخر كان يكتب الشعر والرواية والدراما، وهم على التوالى، الشاعر الفرنسى رينيه سولى برودوم، والذى فاز بها عام 1901، يليه المؤرخ الألمانى تيودور مومزن 1902، ثم الروائى والشاعر النرويجى بيورنستيارنه بيورنسون 1903، وتقاسمها الشاعر الفرنسى فريدريك ميسترال، وكاتب الدراما الإسبانى خوسيه اتشيجاراى عام 1904، ثم الروائى البولندى هنريك سنكيفيتش 1905، والشاعر الإيطالى جوزيه كاردوتشى 1906، ذهبت أعمالهم جميعًا طى النسيان، بينما بقيت مسرحيات إبسن تتبادلها مسارح الكرة الأرضية، وتعيد إنتاجها مرات ومرات، وأغلب الظن أنها سوف تظل فى ذاكرة الأجيال المقبلة لسنوات كثيرة مقبلة.

«فن الرواية» ورحلة تحول «سيد الطبيعة» إلى مجرد شىء تمتلكه قوى التقنية وتتجاوزه

من أبرز السمات التى ميزت أعمال كونديرا، ووضعته على خريطة الأدب العالمى الذى يبقى طويلًا فى ذاكرة الأدب، مزاوجته الدائمة بين الأسلوب الشعرى، والكتابة الفلسفية، والسخرية المريرة فى روايته لما يراه أو يرويه من تفاصيل الحياة السياسية، ودراما الحياة، وربما كان ذلك أحد أسباب تصنيفه كأديب وفيلسوف فرنسى، فبعد إسقاط الجنسية التشيكوسلوفاكية عنه عام ١٩٧٨، نتيجة لكتابته «كتاب الضحك والنسيان»، وانتقاله للحياة فى فرنسا، ثم حصوله على الجنسية الفرنسية بعدها بعامين، وتحوله للكتابة باللغة الفرنسية فى عام ١٩٩٥، من خلال روايته «البطء»، قال الناقد الكندى فرنسوا ريكارد فى المقدمة التى كتبها عن كونديرا فى مجلة «لابليياد»، وهى مجلة أدبية تستمد اسمها من مجموعة من شعراء عصر النهضة الفرنسيين فى القرن السادس عشر، وكان الاسم بدوره إشارة إلى مجموعة أدبية أخرى، هى «الثريا السكندرية» الأصلية المكونة من سبعة شعراء وتراجيديين سكندريين عاشوا فى القرن الثالث قبل الميلاد.. قال ريكارد: «إن كونديرا حقق معادلة غريبة بعد كتابته بالفرنسية، إذ شعر قارئه بأن الفرنسية هى لغته الأصلية التى تفوّق فيها على نفسه».

وقال الكاتب والناقد الفرنسي رينيه جيرارد: «إن المدرسة الأدبية التى ينتمى إليها كونديرا ليست إنجليزية على الإطلاق، لكونها لا تولى موضوع العمل أو مضمونه الأولوية، بل الأهمية تكمن فى الأسلوب الإبداعى، والعمارة الأدبية فى شكل عام.. عندما قرأت كونديرا فى بودابست، قررت أن أصبح روائيًا تحت تأثير الدهشة والإعجاب بهذا الإبداع. قررت أن أكتب، وفقًا وتبعًا لمنهج المدرسة الأوروبية وليس البريطانية».

وعندما يقدم ميلان كونديرا نفسه إلى قرائه كما فى كتابه «ثلاثية حول الرواية: فن الرواية، الوصايا المغدورة، الستار»، الذى نقله الكاتب والأكاديمى السورى بدر الدين عرودكى إلى العربية، ضمن إصدارات المشروع القومى للترجمة، فإنه ينطلق من مقولات فلسفية وتاريخية تنظر إلى العالم فى مجموعه بصفته مشكلة يجب حلها عبر تعميق المعرفة التقنية والرياضية بها، متناسية العالم المحسوس للحياة.

يقول كونديرا: «لقد صار الإنسان الذى ارتقى سابقًا مع ديكارت مرتبة سيد الطبيعة ومالكها، مجرد شىء بسيط فى نظر قوى التقنية والسياسة والتاريخ التى تتجاوزه وترتفع فوقه وتمتلكه.. ولم يعد لكيانه المحسوس، أو لعالم حياته، فى نظر هذه القوى أى اعتبار».

وبحسب مقدمة الدكتور بدر الدين عرودكى لكتاب «فن الرواية»، الواقع «أن الفلسفة والعلوم، على ما يقول كونديرا قد نسيت كينونة الإنسان، فيما الرواية ابتداء من سرفانتس سعت إلى سبر كيان هذا الكائن المنسى».

يقول كونديرا: «إن الرواية قد اكتشفت، عبر أربعة قرون من تاريخ أوروبا، مختلف جوانب الوجود الإنسانى، تساءلت مع معاصرى سرفانتس عمّا هى المغامرة، وبدأت مع ريتشاردسون فى فحص «ما يدور فى الداخل»، وفى الكشف عن الحياة السرية للشاعر، واكتشفت مع بلزاك تجذر الإنسان فى التاريخ، وسبرت مع فلوبير أرضًا كانت حتى ذلك الحين مجهولة، هى أرض الحياة اليومية، وعكفت مع تولستوى على تدخل اللاعقلانى فى القرارات وفى السلوك البشرى، واستقصيت اللحظة الماضية مع مارسل بروست، واللحظة الحاضرة التى لا يمكن القبض عليها مع جيمس جويس.. إن اكتشاف كينونة الإنسان وسره المنسى والمخفى فى آن، هو ما يمكن للرواية وحدها دون سواها أن تكشفه، وهو ما يبرر وجودها، وإذا كان فهم الأنا المفكر مع ديكارت بصفته أساس كل شىء، والوقوف فى مواجهة الكون وحيدًا، موقفًا اعتبره هيجل بحق موقفًا بطوليًا، فإن فهم العالم مع سرفانتس بصفته شيئًا غامضًا يتطلب قوة لا تقل عظمة عن أنا ديكارت.

عازف الجاز المطرود من جنة الحزب

ولد ميلان كونديرا فى الأول من أبريل عام ١٩٢٩، لعائلة تشيكية، تعد من النخبة الفنية والاجتماعية فى بلاده، فقد كان والده هو أستاذ الموسيقى وعازف البيانو الشهير لودفيك كونديرا، رئيس جامعة جانكيك للآداب والموسيقى ببرنو.

تعلم العزف على البيانو من والده، ثم درس علوم الموسيقى والسينما والآدب، وعمل بعد تخرجه كمحاضر فى الأدب العالمى بأكاديمية الفنون فى براغ، ونشر أثناء فترة دراسته العديد من القصائد والمقالات والمسرحيات فى عدد من المجلات الأدبية، كما التحق بالحزب الشيوعى عام ١٩٤٨، بعد تخلص بلاده من الحكم النازى، لكنه سرعان ما تعرض للفصل من الحزب هو والكاتب جان ترافولكا بعدها بعامين، وقيل إن سبب فصلهما هو «ملاحظة ميول فردية عليهما»، وقال هو إن فصله كان بسبب إرساله رسالة تحمل نبرة ساخرة من أحد المسئولين، وهى الواقعة التى بنى عليها فيما بعد روايته «المزحة».. عاد بعد ذلك عام ١٩٥٦ لصفوف الحزب، ليتم إجباره على الاستقالة مرة أخرى عام ١٩٧٠، بسبب مؤلفاته التى بدت خارج التيار الأدبى السائد، ومطالبته علانية بالإصلاح، خصوصًا بعد إعلانه دعمه حركة «ربيع براغ»، التى شكلت فترة شهدت فيها تشيكوسلوفاكيا قدرًا من التحرر السياسى، وكانت روايته «المزحة»، وهى رواية تقدم نوعًا من الكوميديا السوداء، والتى نشرت عام ١٩٦٧، وراء فرض الحظر على كتاباته فى «تشيكوسلوفاكيا»، ووضعه على القوائم السوداء للحزب، فصودرت كتبه من المكتبات، وخلال تلك الفترة لجأ إلى الكتابة بأسماء مستعارة، حتى إنه عاش فترة طويلة يكتب أبواب الحظ للمجلات التى كان يديرها أصدقاء له، وعندما اكتشفت السلطات ذلك، لجأ إلى احتراف العمل كعازف موسيقى الجاز فى الملاهى الليلية، وغيرها من الأعمال حتى استطاع الهروب هو وزوجته «فيرا هرابانكوفا»، التى كانت من أشهر مقدمى البرامج التليفزيونية وقتها، إلى فرنسا بعد تلقيه دعوة للعمل مدرسًا فى جامعة رين عام ١٩٧٥، حيث عين أستاذًا زائرًا للأدب المقارن ولم يسترد ميلان كونديرا وزوجته الجنسية التشيكية إلا عام ٢٠١٩، عندما أصدر رئيس وزراء البلاد السابق أندريه بابيش، قرارًا بإعادة الجنسية للزوجين بعد نحو أربعين سنة من تجريدهما منها.. وقيل إن أحد أسباب استبعاده من جائزة «نوبل»، الكشف عام ٢٠٠٨ عن اتهامه بخيانة طيار تشيكى عمل مع المخابرات الأمريكية، حيث أصدر وقتها بيان نفى تسوده نبرة عاطفية حادة، نشرته وكالة الأنباء التشيكية «سى تى كيه»، مما دفع عددًا كبيرًا من الكتاب والمفكرين إلى نشر رسالة مفتوحة لدعمه.

كائن لا تحتمل خفته

نشر كونديرا عام ١٩٥٣ أول دواوينه الشعرية، لكنه لم يحظ بالاهتمام الكافى، ولم يعرف ككاتب مهم إلا بعدها بعشر سنوات، عندما نشر مجموعته القصصية الأولى «غراميات مرحة» عام ١٩٦٣، وتعد رواية «كائن لا تحتمل خفته»، الصادرة عام ١٩٨٤، هى درة أعماله الأدبية، وهى التى جعلت منه كاتبًا عالميًا معروفًا، حتى إنها أصبحت الرواية الأكثر مبيعًا عندما نشرت أخيرًا فى بلده الأصلى فى عام ٢٠٠٦، وتدور أحداثها حول أربعة فنانين ومثقفين تشيكيين وكلب، قدم عبرهم صورة مصغرة للحياة الثقافية فى بلاده، وخصوصًا فى فترة الإصلاح القصيرة «ربيع براغ»، وتم تحويلها إلى فيلم سينمائى عام ١٩٨٧، قام ببطولته النجمان جولييت بينوش دانيال دى لويس، لكن كونديرا أعلن عن عدم رضاه عن الفيلم، واعتبره تعبيرًا عن عدم قبول الرواية فى العالم الحديث، وقال لصديقه الكاتب فيليب روث، فى حوار نشرته صحيفة «نيويورك تايمز» فى ذلك الوقت: «يبدو لى أن الناس حاليًا، فى جميع أنحاء العالم، يفضلون الحكمة بدلًا من الفهم، والإجابة بدلًا من السؤال، ولهذا فإن صوت الرواية لا يكاد يسمع، جراء صخب حماقة اليقينيات البشرية، كان طموحى طوال حياتى هو توحيد أقصى درجات الجدية فى السؤال مع أقصى درجات خفة الشكل. إن الجمع بين شكل تافه، وموضوع جاد يكشف على الفور الحقيقة، نحن نختبر خفة الوجود التى لا تحتمل»، وربما كان ذلك السبب فى أن كثيرًا من النقاد وقراء كونديرا يرون أنه دائمًا ما تنبثق الأحداث الكبرى من مصادفات مرحة، تافهة فى بعض الأحيان، ودعابات تحوى قدرًا من الفكاهة، حيث يشعر بأهمية روح الدعابة والفكاهة فى زمن القسوة، وهو ما عبر عنه بقوله: «يمكن أن تحمل كل واحدة من رواياتى عنوان: خفة الوجود التى لا تحتمل، أو النكتة أو الحب المضحك. العناوين قابلة للتبديل، فهى تعكس العدد القليل من الموضوعات التى تستحوذ على هوسى، وتعرفنى، وللأسف، تقيدنى. بخلاف هذه الموضوعات، ليس لدى أى شىء آخر أقوله أو أكتبه».

صدرت هذه الرواية فى أكثر من ترجمة إلى اللغة العربية، أبرزها ترجمة «دار الآداب» البيروتية للمترجمة مارى طوق، ومنها ترجمة الدكتور عفيف دمشقية التى صدرت تحت عنوان «خفة الكائن التى لا تحتمل»، وقيل إن سبب شهرتها عالميًا ما تحتويه من تأملات فلسفية، تنضوى فى خانة فكرة العود الأبدى لنيتشه، أما عمله «كتاب الضحك والنسيان»، الذى صدر عام ١٩٧٩، فقد نسجه كونديرا من سبعة خطوط سردية، وحمل عناصر من اتجاه الواقعية السحرية فى الأدب. وأصدر فى عام ١٩٨٨ روايته «الخلود»، التى كانت آخر أعماله باللغة التشيكية، وتحول بعدها للكتابة بالفرنسية، وواجه انتقادات فى بعض الأحيان بسبب تجسيده المرأة فى أعماله من منظور ذكورى، كما ظهرت آراء متباينة بشأن روايته الأخيرة، التى نشرت فى الأصل باللغة الإيطالية عام ٢٠١٤ بعنوان «مهرجان التفاهة»، وترجمت إلى العربية تحت عنوان «حفلة التفاهة»، إذ وصفها البعض بأنها «معركة بين الأمل والملل».