الجمعة 19 أبريل 2024
المحرر العام
محمد الباز

علاء عبدالعزيز و«حكاية شاعر لم تروها شهرزاد»

علاء عبد العزيز
علاء عبد العزيز

قبل اللقاء الأول مع علاء عبدالعزيز، الكاتب المسرحى وأستاذ الدراما والنقد بالمعهد العالى للفنون المسرحية، والذى فجعنا برحيله الأسبوع الماضى، شاهدت عرضًا مسرحيًا مطلع الألفية الثالثة عنوانه «حكاية لم تروها شهرزاد»، وكتبت عن النص الذى طرح رؤية مختلفة لشخصيات ألف ليلة وليلة، واتفقت واختلفت معه، والتقينا فيما بعد دون أن يفسد النقد للود قضية، دارت بيننا مناقشة، بل قُل مناقشات حول المقال، وكان قد مر على نشره سنوات ولم ينس علاء ما جاء فيه... ولم أنتبه أنا فى تلك الأيام للشاعر الذى يختبئ داخل علاء عبدالعزيز، وحين اقتربت منه رأيت هذا الشاعر الذى يحكم كل سلوكه، لم يكن الأكاديمى أو الناقد بل الشاعر الذى ينحاز إلى الفلسفة العدمية ويعيش حياة أقرب إلى البوهيمية، والمفارقة أنه يحتفظ بملامح الأستاذ الأكاديمى المتفرد والمتميز، والذى يحظى بمحبة وتقدير مئات التلاميذ! 

وفى هذه السطور لا أنعى صديقى بقدر البحث عن الشاعر الذى توارى خلف الأكاديمى، وذلك من خلال اللقاء الأول فى «حكاية لم تروها شهرزاد»، الذى يقدم من خلاله ثلاثة ملامح مختلفة لهذه الحكاية، وهى التخلى عن منطق الليالى ولغتها والانحياز التام للأيديولوجيا، حيث يسير النص فى خطين يشكلان البناء الأساسى للحكاية، الأول هو ضعف شخصية شهريار وسقوطه المدوى فى حب شهرزاد وجنونه فى النهاية، والثانى هو الثورة والتمرد الشعبى ضد شهريار، والذى سوف يسيطر فى النهاية، ففى المشهد الأول وضع الكاتب شهريار ممددًا فوق سريره النحاسى بين النوم واليقظة وقد أفاق لتوه من حلم مرعب، وبعد أن يخبر «مسرور» مولاه بقدوم عروسه شهرزاد تتضح ملامح الشخصيات، وتطلب شهرزاد من الملك أن توهب عذراء للقبر طبقًا للعهد الذى قطعته مع رجل أحبته وترجو الملك ألا يمسها، ويعدها شهريار فى سخرية بأنه سوف يلبى رغبة هذا العنق المتلهف! لتبدأ خيوط الحكاية ونتعرف على جيش المغول.. واضطراب مملكة شهريار، الذى يحتسى الخمر ويترك شهرزاد دون أن يذبحها، وفى الليلة الثانية يفرط فى الخمر وتكمل شهرزاد حكايتها، وتحاول فى هذه الليلة أن تنقل له صورته كما يتخيلها العامة، فلا تأخذ الحكايات شهريار إلى عوالم ساحرة كما كان يحدث فى الليالى، بل تؤرقه وتصيبه بالقلق، وهذه هى المعالجة الدرامية التى قدمها علاء عبدالعزيز لحكايات «ألف ليلة وليلة» ليقدم ملامح جديدة للشخصيات، ملامح عصرية تتماس وقضايا اللحظة الراهنة، بعد أن أضفى عليها طابعًا سياسيًا. تقول شهرزاد لشهريار: شعبك صار مجرد أرقام فى دفتر جواسيس الشرطة، فيرد: هذا كلام السفلة الثوار. فثمة تأكيد على قوة شخصية شهرزاد والثورة على ظلم شهريار، وتطور هذه الثورة وقوتها المتزايدة عبر الليالى، وتبدأ شخصية شهرزاد فى التطور وتتضح معالمها كمناضلة ثورية كما تخيلها المؤلف، بعد أن تخلت عن الفتاة الحالمة فى سحر الليالى.. وهى تحكى وتخطب فى الناس: «لماذا خلق الله الإنسان. كان العدل نباتًا يملأ وجه الأرض ينهل منه الناس كيف يريدون، حتى حكم الأرض سلطان حصد العدل وأخفاه، وبعد سنين خرجت من بين صفوف الناس طيور كشفت للناس أن العدل حبيس فى برج عالٍ فوق القصر يحرسه جنود السلطان»، ويجيب شهريار: يخشى أن يسرقه الناس، فترد شهرزاد: من يسرق حقه ليس بسارق، لقد بدأت أصوات الناس تعلو فى طلب العدل. 

وفى المقال اعترضت أنا، شاعر قصيدة النثر قبل أن أكون الناقد المسرحى، على قيود «خبب المتدارك»، هذا البحر الشعرى الذى وضع فيه علاء جزءًا كبيرًا من الحوار، وقلت إنه حبس اللغة وكبّل خيال المؤلف من خلال القالب الشعرى التقليدى، ولم أفطن إلى محبة المؤلف للشعر وأنه كان مصممًا على وجود الشاعر الذى يعيش بداخله ويحدد كل أفعاله، فى نص مسرحى كان الشعر فيه حاضرًا وبقوة رغم أن المؤلف لم يضعه فى خانة المسرح الشعرى. 

كتب علاء عبدالعزيز مجموعة من النصوص المسرحية إلى جانب دراساته النقدية، منها «الملح الأخضر، فى انتظار جودة، إزعاج»، وتولى رئاسة مهرجان القاهرة الدولى للمسرح التجريبى عام ٢٠٢٠ فى ذروة تفشى وباء كورونا، ومع هذا قدم دورة ناجحة وأعاد للمهرجان صورته الأولى وعنوانه المناسب بعد العبث بهذا المهرجان فى دورات سابقة وتغيير اسمه لعنوان ملتبس «المعاصر والتجريبى». وسيحسب للدكتور علاء عبدالعزيز دفاعة عن بيع ذاكرة المهرجان التجريبى لهيئة عربية، وحاول الدفاع عن حقوق مصر والمهرجان التى فرط فيها الآخرون، ولكن أصحاب المصالح لم يمنحوه الفرصة ليكمل مهمته، واعتذر عن رئاسة التجريبى، فلم يستمر سوى دورة واحدة، قدم من خلالها مهمة قومية ممثلة فى إعادة الاسم الصحيح والأصلى للمهرجان ودفاعه عن تراث المهرجان الذى تم التخلى عنه من قبل الآخرين فيما بعد! بالإضافة إلى تلاميذه فى قسم الدراما والنقد بالمعهد العالى للفنون المسرحية. شارك فى العديد من الورش المسرحية الخاصة بالكتابة الدرامية، وأيضًا لجان التحكيم، وتولى رئاسة تحرير سلسلة «نصوص مسرحية» التى تصدرها الهيئة العامة لقصور الثقافة، وقدم استقالته قبل شهور من رحيله.