خايبة الرجا.. الكتابة بطريقة «ولسة قادر فى الحزن أفرح»
- رشا عبادة تغوص بقلم لاذع فى أغوار النفس البشرية
تندرج تلك المجموعة الرائعة من القصص تحت مسمى الأدب الساخر الذى يعمد إلى تخفيف وقع الأحداث والدلالات على المتلقى بأسلوبها الضاحك والمتهكم الذى يشيع البهجة والسعادة بجانب صداه وتأثيره الفلسفى، ويعطينا فسحة للتأمل والتدبر فيما وراء الأحداث والحكايات المتوالدة والمتصاعدة إلى مراحلها الدرامية العميقة الدلالة والتأثير.

نحن هنا أمام فيلسوفة بدرجة مبدعة، أو مبدعة بدرجة فيلسوفة، أو طبيبة نفسية اختارت أن تعالج نصوصها وشخصياتها الحية المتنوعة بالضحكة والابتسامة التى قد يكون وراءها نغزة حزن كآبية، أو إشراقة فرح تطل بين سحابات الواقع واختلالاته، شخصياتها الحاضرة والمتفاعلة والمتمثلة فى الجيران سكان الأدوار فى العمارة والحى وركاب الباص على اختلاف رؤاهم وتفسيراتهم، كل حسب تكوينه الاجتماعى والثقافى والنفسى، وما العمارة والحى والباص إلا المجتمع/ الوطن/ العالم/ الإنسانية التى تعانى عذابات ما بعد الحداثة، وانسحاق الإنسان فى جبروت العقل والمنطق والمعارف والعلوم بعد أن سقطت الأقنعة وتعرى العالم فى الباص ورغبة الطفل الملحة فى أبسط احتياجاته البيولوجية حين تفاجئه فى التخلص من إفرازاته، ويختلف الركاب فى الوسيلة بين الذكر والأنثى والشاب والأم والعجوز والمرأة التى تدخل قضية النسوية فى الأمر، ليأتى الرد المفحم للجميع من سائق الباص الذى أوقفه ونزل للشارع وأعطى ظهره للركاب والعالم وقضى حاجته.
الصراع أصبح على الكيفية، التى تفرز الطبقية الفكرية والنفسية والاجتماعية قصة «بلا تورط فى خدش حياء».
فى هذه القصة العبقرية تتجسد كل سمات الأدب الساخر من سرد وقفشات وتعليقات وحوار ولغة ومفردات «نشن كويس يا قلب ماما علشان متبلش الهدوم»، ولتكن نفس الجملة هى الخاتمة للقصة على لسان الطفل الذى استوعب الدرس ليقوله للسائق الذى يقضى حاجته فى الشارع..!

كيف تأخذ رشا عبادة العادى اليومى الضرورى لتجعل منه مادة نقف عندها ضاحكين متأملين متذكرين، ما يحدث لنا وما حار فيه أطباء علم النفس والمسالك البولية وكيفية تعامل كل أم وأب مع أطفالهم فى التحكم فى التبول بالترغيب والترهيب والعقاب وصولًا للعرض على الأطباء.
فى هذه المجموعة الفاتنة سأتوقف عند بعض القصص لا باعتبارها الأفضل ولكن كنماذج للقصص غير التقليدية فى بساطة السرد وسلاسته وإيحاءاته ودلالاته المفتوحة.
فى قصة «من دون قصد» حدث عادى قد يحدث فى أى بيت، الطفل الذى يبتلع خاتمًا ذهبيًا، والأسرة التى تقف كلها على قدميها واستشارة الأم للأهل والجيران، والطريقة الشعبية فى التعامل مع هذه الحالات بابتلاع القطن وزيت الخروع، وانتظار خروج جسم الجريمة فى قصرية، بعيدًا عن دورة المياه الطبيعية وتأفف الطفل واعتراضه وخضوعه بالترغيب والتخويف، ومكافأته فى النهاية بعد العثور على الخاتم فى القصرية، وفرحة الأم ومكافأتها لابنها بكوب كبير من الحليب بالشوكولاتة وأتبعته بطبق مكرونة بالباشميل ما جعله يفكر فى اختلاق سبب لبلع حلق حمصة صغير بدون قصد طمعًا فى المكافأة.
تدخل رشا عبادة عالم الطفل، وما قد يعن له من أفكار، بل وتسرد القصة بجرأة على لسان الطفل الراوى العليم والذى تأخذه النهاية للتفكير فى تكرار ما حدث رغم الصعوبات وابتلاع دود القطن الملفوف مغموسًا فى زيت الخروع، إنها روح المغامرة والاكتشاف عند الأطفال، فما بالك بمن جربها.
وفى قصة «ساق جبس وجناحا عصفورة» يتجلى الجمال الإنسانى لطفلة مات أبوها وتزوجت أمها وكفلها عمها لتجلس بجوار زميلتها فى الفصل الراوى العليم وتتفوق عليها، ومع ذلك يتحابان وعندما أصيبت فى حادثة قررت زميلتاها زيارتها ليجداها فى الجبس والأربطة، وبالكاد تراهما وتتحدث معهما بروحها وبراءتها الآسرة حين تسألانها نفسك فى إيه يا أستيكة فترد بحماس عايزة أكون عصفورة جنة زى أختى الصغيرة، كانت جميلة بيضاء، وعيونها خضراء، وشعرها ناعم، وخدودها حمر زى الورد، القصة من جمالها وإنسانيتها تقرأ ولا تختصر- حتى لو كان فيها كلام المؤلفة على لسان البنت التى تتقمص دور الكبار، كقولها نحن نجهل ما لا نشعر به حتى الرقص والعداء- أخبرتها أننى تمنيت لو تزوجت أمى بعد رحيل والدى. وأنا لم أزل فى السابعة رغم تعلقى الشديد به.. إلخ- النهاية تأتى رامزة كما تمنت، إيمان بدت محلقة تشع نورًا وهى تضحك للمرة الأولى بصوت رنان:
«ماض بسيط».. قصة قصيرة جدًا تحدث كثيرًا، تمثل عقدة أن ترتبط بمن كانت مخطوبة قبلك، وهى للأسف سمة ذكورية يستبيح الذكر فيها لنفسه ما ينكره على الأنثى التى تحمل وزر كل شىء مع أنه السبب.
قضية المرأة التى أريد هنا أن أركز عليها.. والتى نراها فى أغلب قصص المجموعة لدرجة التحامل- لا بدافع تحرير المرأة من ذكورية الرجل، ولكن كنموذج للأدب النسوى الذى يختلف عن حقوق المرأة فى أنه الصراع بين الرجل والمرأة ككل، لا من أجل التساوى فى الحقوق، ولكن لإعادة صياغة كل شىء من وجهة نظر نثوية، اللغة، التاريخ، الرموز.. وتصل إلى قمتها حين تعلن الحركة النسوية رفضها لكل الصبغات الذكورية، وتدير ظهرها للرجل، حتى حين تريد إنجاب الأطفال عن طريق المعامل والمختبرات. وطبعًا النسوية هى من أثر أدب ما بعد الحداثة الذى ثار على الواقع والمنطق واليقين إلى التفكيكية والعبثية والغرائبية كالأسطورة والفانتازيا والحلم واللا شيئية كما فى قصة مخلوقات اللا شىء العجيبة حين احتل التيكتوكيون كوكبنا بالفعل، فيما يسمى أدب السيرانية الجديد، وما حدث من تكنولوجيا التواصل الاجتماعى والعوالم الافتراضية والميتافيرس، هؤلاء لا يكلفون أنفسهم عناء البحث عن عالم بعينه، فقط يتسربون ويتسللون فى منحنيات متداخلة بين العوالم، يلفون أذرعهم حول خصر الزهرة، يمدون أرجلهم لنبتون ويتمطعون فى المريخ ويتأملون فى المشترى.. يتبرزون فى الأرض، ويتبولون بزحل، يشبهون الكائنات الفضائية بأفلام الخيال العلمى، غلاف آدمی لامع فى الميك آب، والسشوار بداخله دماء بيضاء تميل للأورانج، وبأفواههم ثلاثة ألسنة مشقوقة من المنتصف، وتستطرد القصة إلى رأى المؤلفة فى يوسف إدريس ونجيب محفوظ، والواقعية السحرية عند المخزنجى، والولد الشقى للسعدنى.. إلخ. بينما أمك الحيزبون المتصابية فى غرفتها تبث الفيديو الثالث خلال ساعتين، وتشرح لرواد اللا شىء كيف كان يعانى إله الفراغ من الفراغ، فأخذ يلعب فى الطين، ويصنع مخلوقات التيك توك!
تلك القصة التى تبدو رفضًا لأدب ما بعد الحداثة إلا أنها فى الوقت نفسه كتبت بنفس الأسلوب واللغة والرؤية والدلالة.
إنها رشا عبادة بروحها الساخرة الناقدة الرافضة، تقول لنا أيضًا إنه لا يقين فى اللا يقين، ولا خلاص فى الفانتازيا والخيال العلمى، وأن الأزمة الإنسانية الكونية ليست فى الأشكال ولا الخيال، ليست فى المستقرين المتحققين ولا المتجاوزين، ليست فى ذكورية مريضة، ولا نسوية انتقامية، لكنها خائبة الرجا وبؤس اليأس والمصير.
هذه المجموعة القصصية النفيسة التى تغوص بقلم لاذع فى أغوار النفس البشرية لا تطرح حلولًا ولا إجابات لكنها تثير الأسئلة فى ابتسامة دامعة ودمعة مشرقة.
بالطبع هناك قصص لافتة فى المجموعة، الحديث عنها يطول، فقط نشير إلى أسمائها
١- علاج بالصدمة- سيد قراره - حق نفر تارى- النصف الآخر لتفاحة- تحت خط الصدر- نحن لا نزرع الجوافة- ماذا لو رفع الهواء الفستان- الرمادى لا يليق بك- استراحة محارب!
تحية لرشا عبادة وموهبتها الفذة التلقائية فى الكتابة الساخرة النادرة التى لا تثير الضحك بقدر ما تثير الأسئلة حول الأوضاع الاجتماعية والإنسانية والوجودية...!





