حكايات المنسيين 2..
الدكتور طارق نجيب الذى لا يتحدث عن الطب
- الذى لم يتعود على رؤيته لن يضعه فى منزلة أعلى مما هو عليه
أخطأ الدكتور طارق نجيب، ولكن فترة العقوبة طالت، وهو ساق طوب الأرض لكى يسمح له بالعودة إلى البار، طارق طبيب نفسى يحب البيرة أكثر من أى شىء ويشرب منها كميات كبيرة، ويخرج متزنًا واعيًا وماسكًا نفسه، هو من أسرة ميسورة الحال على ما يبدو، ويعمل فى مستشفى العباسية للأمراض النفسية، يفضل الجلوس بمفرده فى الأماكن المزدحمة، وأحيانًا يأتى معه صديق أو صديقة، هو ليس زبونًا يوميًا فى بار ستلا مثل معظم الرواد، هو يبدأ مبكرًا، يسكن بجوار مسرح الجمهورية فى شارع الجمهورية، إذا سأله أحدهم عن مكان سكنه، يرد بعصبية «لا تفهم لماذا؟»: جنب مسرح الجمهورية!، يبدأ يومه بزجاجتين فى بار الكاب دور فى شارع عبدالخالق ثروت، ثم يمر على بارات الأنجلو وجاميكا «فى شارع شريف»، ويختم الجولة فى هاليجيان أمام السفارة السويسرية، يشرب زجاجة بيرة فى كل بار، ومع هذا لا توجد حميمية بينه وبين الجرسونات ومساعديهن رغم كرمه معهن، وأيضًا لا يوجد له كرش، ثم يذهب للغداء فى أحد المطاعم الكبيرة، ولكنه يفضل الأكل عند الخواجة آرتين فى شارع قصر النيل، وهو المطعم العظيم الذى يقدم الأكل البيتى، صاحبه أرمنى ويقال إنه خال الفنانتين نيللى ولبلبة، ينتقل بعد ذلك إلى مقهى وبار الحرية بباب اللوق، ويجر كرسيًا جنب لاعبى شطرنج، وتعوّد اللاعبون على وجوده، يشرب ثلاثة فناجين قهوة، قهوة سادة مغلية على الأقل، يركز فى اللعب أكثر من اللاعبين، وأحيانًا يتهور ويحاول مد يده على قطعة، يعتقد أن تحريكها فى صالح اللاعب الذى يشجعه، فيقابل سلوكه باستهجان، وأحيانًا بعنف من اللاعب الآخر، فيعتذر ويواصل المشاهدة، هو لا يعرف وجهته وهو خارج من الحرية فى الحادية عشرة مساء، لكنه يذهب إلى بار ستلا مرة أو مرتين فى الأسبوع، ابتسامة طارق لا تفارقه، تشير إلى رجل طيب، ولكنها لا تخلو من بلاهة، نادرًا ما يتحدث عن الطب، إذا كان بينك وبينه كلام، أحيانًا تشعر أنك أمام مثقف كبير تفلت منه أفكار لامعة، أو آراء تجذب الانتباه، ومرات تشعر أنك أمام مجنون رسمى، وأزمته مع ستلا خير دليل، ويوجد شخص محترم يعرفه رواد البارات الصغيرة فى وسط المدينة، يظهر على فترات متباعدة، رجل فى حاله، يكون مبسوطًا وهو بين هذا النوع من البشر، الذين يقرأون الشعر ويغنون ويتشاجرون ويتصافون بعد ذلك، لا توجد له صداقات فى المكان، ولكنه يشعر أنه بين أصدقائه، ويتعامل معه الجميع على أنه ليس غريبًا، هو على مشارف الستين، أو فى الستين، بعد واقعة طارق عرف الجميع أن اسمه الحاج فؤاد، وأنه صاحب محل ملابس حريمى فى شارع الشواربى، ويسكن فى المعادى.
الذى لم يتعود على رؤيته، لن يضعه فى منزلة أعلى مما هو عليه، بسبب الصبغة الغشيمة التى يصبغ بها شعره، وملابسه التى تشبه ملابس مطربى أفراح الأحياء الشعبية، دخل الحاج فؤاد البار وبصحبته سيدة أربعينية جميلة تدخل المكان للمرة الأولى، وجلس إلى الطاولة الأولى إلى اليسار والتى تسع ثلاثة أشخاص بالكاد، كانت طاولة الكورنيش التى تطل على شارع هدى شعراوى النقاش فيها محتدًا حول السياسة، وكان سالم نوح موجودًا، وكان عصبيًا على غير عادته، هو الوحيد فى المكان الذى يصافح الحاج فؤاد، ويعاتبه على عدم الانتظام فى المجىء، لم يرحب بالرجل كالمعتاد، بسبب النقاش الحاد الذى كاد يتحول إلى صراع بالأيدى، لولا تدخل بعض الحضور، وانطلاق صوت ناصر نصر القوى الجميل صديق سالم وحشد الناس للغناء معًا النشيد الوطنى «بلادى بلادى بلادى»، مع تحية خاصة لسالم، الذى ذهب إلى الحاج فؤاد بعد أن هدأت العاصفة، وسلم عليه ورحب بضيفته دون أن ينظر فى عينيها، واعتذر له عن تأخره فى السلام، الرجل كان ممتنًا وحاول أن يفسح مكانًا لسالم بعد أن عرفه على صديقته، ولكنه تركهما وانصرف من المكان بحجة أنه على موعد فى مكان قريب سيستغرق ساعة على الأكثر، الدكتور طارق كان بمفرده خلف الباب الذى يطل على شارع قصر النيل، ولم تنزل عيناه عن صديقة فؤاد التى كانت تعطيه ظهرها، كانت بين الحين والآخر تخرج للرد على الموبايل، وفى إحدى مرات غيابها اتجه الدكتور طارق إلى فؤاد وسلم عليه ووضع فى يديه وهو يسلم عليه ثلاث ورقات فئة الخمسين جنيهًا وقال له بنبرة هادئة وابتسامة بلهاء «توكل أنت على الله»، وعاد إلى طاولته، الصدمة التى ظهرت على فؤاد جعلته يفقد النطق، ترك الفلوس تسقط على الأرض، ونظر حوله فى أسى، إلى أن عادت صديقته وجلست مكانها، فجأة وقف فؤاد ثم انحنى ليلتقط الفلوس من الأرض، واعتدل وبدأ يتحدث موجهًا كلامه أولًا لها، بصوت منبرى قوى، مشيرًا إلى طارق «الأفندى ده ياست عفاف دفع فيكى ١٥٠ جنيه»، وترك مقعده وبدأ يتحرك فى البار كأنه ممثل على خشبة المسرح، «مين يدفع أكتر.. ألا دونا ألا ترى»، وأخرج من جيوبه «رزم» من المال وبدأ يرميها فى الهواء كأنه ينقط فى كباريه، وطارق يتأمل المشهد كأن الأمر لا يعنيه، ثم سحب عفاف وخرج مسرعًا، واتصل بشخص ما ثم عاد بمفرده، واتجه إلى طارق وطلب بيرة لكل الموجودين وجلس فى مواجهته دون أن يتحدث إليه، كان أحد الحضور قد التقط فلوس فؤاد من الأرض وأعادها له، وبالطبع كان هناك من خنصر بعضها، ولكن ليس هذا هو الموضوع، فى أقل من نصف ساعة امتلأ شارع هدى شعراوى بالسيارات الفارهة، ووقف أربعة رجال أشداء أمام الباب الخارجى، وحط صمت رهيب على المكان، عاد سالم، واستبشر سعيد حمدان خيرًا، لأنه الوحيد الذى يعرف الطرفين، استقبله فؤاد قائلًا «حط نفسك مكانى يا أستاذ.. فؤاد عبدالله بيسرح نسوان.. تخيل!!»، جلس مع كل واحد على حدة وعرف القصة، وأبدى استياءه ونظر إلى طارق بغضب، ثم توجه بالنظر إلى فؤاد وقال له «انت صاحب حق واللى انت عاوزه هيتعمل بس وحدالله كده.. انت على رأسنا من فوق»، طلب طارق الحساب، ولكن فؤاد قال لسعيد بحسم «حسابه عندى وهو مش ماشى»، وبدأ التوتر يظهر على وجه طارق، وحين هم بالوقوف أمسكه من يده وأجلسه مكانه، وصفعه بيده الأخرى، صفعة أسقطت نظارته على الطاولة، وهى الصفعة التى أنهت الموضوع من وجهة نظر سالم، لأنه كما قال لفؤاد مهما حدث لا يجوز مد اليد على دكتور نفسانى، ضحك فؤاد بشكل هستيرى، ثم طلب منه سالم أن يصرف رجاله فى الخارج، وتدخل بقية الزبائن فى الحوار، الذى انتهى بقرار حاسم وهو منع الدكتور طارق من دخول البار مدى الحياة، انصرف الحاج فؤاد ووقف طارق بالقرب من البار منتظرًا سالم، ومشى إلى جواره وهو فى طريقه إلى باب اللوق ليأكل سندويتشات عند «عزت» بجوار السنترال، لم يتحدثا معًا، لم يقطع حالة الصمت بينهما إلا اتصال من خضر النحال، الذى قال له «انت فين دلوقتى؟!».

