من كتاب «جبال الليل» يصدر قريبًا
حكايات المنسيين1.. خضر النحال
رواد المقهى القدامى هم الذين يتذكرون خضر النحال، كان أساسيًا فى المكان منذ منتصف ثمانينيات القرن الماضى حتى مطلع التسعينيات، كان مهتمًا بالسينما، ويسكن مع طلاب أكاديمية الفنون فى شارع خاتم المرسلين بالعمرانية، ويكتب متابعات لبعض الأفلام فى نشرة نادى السينما فى شارع شريف، يوحى لك دائمًا أنه متأخر عن موعد مهم، وهو جالس معك، ومع هذا يظل جالسًا إلى أن يغلق المقهى أبوابه فى الحادية عشرة مساء، وربما انتقل مع الباقين إلى مقهى الطهاة فى باب اللوق الذى يغلق فى الواحدة مع مكاوى وممدوح وسامى ويوسف وإبراهيم وهناء وصفية وحنان، عرف المقهى عن طريق ابن خالته حمدى جودة الصحفى اليسارى الذى سافر مبكرًا إلى الإمارات، وكان خضر يُعرف نفسه كناقد سينمائى، وأنه مشغول فى تعلم اللغة الإيطالية ويحمل دائمًا نشرات نادى السينما التى يكتب فيها وإصدارات وزارة الثقافة السورية عن السينما، اختفى خضر سنة ١٩٩٣ تقريبًا، ولم يفتقده أحد، وقيل إنه تزوج وعمل مع والده فى تجارة طلمبات المياه الإيطالية فى طنطا.
ظهر فى صيف ٢٠١٧، جلس فى الممر الذى يفضى إلى شارع سليمان باشا، سأل عن رواد المكان الأصليين، وعدد أسماء لم يعرف الجرسون الجديد منها غير سالم نوح الذى كان موجودًا بالفعل ومنهمكًا فى لعب الطاولة، ذهب إليه بصحبة الجرسون الذى وقف يتأمل اللقاء، لم يتعرف سالم عليه فى بداية الأمر، رغم حرارة السلام والأحضان، جلس خضر يتابع اللعب، وساهم وجوده فى انتقال الحظ إلى خصم سالم، ما جعله ينظر إليه بين الحين والآخر محاولًا تحميله المسئولية، وأثناء ذلك قال إنه على موعد مع الفنان حاتم عبدالله فى حدائق الأهرام لتوقيع عقد فيلم «مطاريد الدلتا» الذى كتبه فى خمس سنوات، وكان حريصًا أيضًا على تبادل أرقام التليفونات مع سالم، الذى خسر التطبيقة وأغلق الطاولة بعصبية، واعتدل بكرسيه وقال له وهو مبتسم ابتسامة واحد مخنوق «تشرب موز باللبن؟».. تحول خضر إلى ثور هائج، ووقف بجسده الضخم يشتم سالم والأيام الوسخة التى عرفته عليه، وسط ذهول الجميع.
فى شتاء ١٩٩١ ذهب خضر بصحبة سالم وجابر البتانونى لمقابلة صفوت زهران رسام الكاريكاتير المعروف فى «التكية» أو غرزة بيليه بالقرب من مسجد السلطان برقوق، كان خضر يحتاج واسطة للالتحاق بالمركز القومى للسينما، أو أى مكان فى وزارة الثقافة!، كانت الأمطار غزيرة فى الخارج، ما دفع الجميع إلى الجلوس بجوار النصبة فى الداخل، خضر لا يدخن، ولكنه كان فى حالة انبساط بسبب رائحة الحشيش، ولم يتوقف عن الضحك وإطلاق النكات، وغناء مونولوجات محمود شكوكو، وصنع حالة بهجة غيرت صورته عند سالم وجابر، أيامها كانت أزمة الحشيش فى أولها، ارتفع سعر «القرش» من عشرين جنيهًا إلى أربعين، التجار قالوا إن حرب الخليج هى السبب، خضر كان منبهرًا بأداء «المخنجى» الذى جلس مقرفصًا يخدم على الزبائن، وينظف الأحجار ويوقظ الفحم ويغير ماء الجوزة، وهو أيضًا الذى يقوم بين الحين والآخر لعمل الشاى، هو لا يوجد غير الشاى فى المكان، المخنجى اسمه رزق، قصير القامة ولا توجد عنده مشكلة مع قصر قامته، ويسخر منها، بعد أن وصل الدماغ إلى منتهاه، وبعد أن أكرم صفوت رزق بعيدًا عن حساب المقهى، قرر الأخير عمل «شوية شاى موز» كما كان يسميها، وقف خضر فجأة وقال إنه لا يريد شايًا، ويريد «موز باللبن». رزق طالبه بالانتظار حتى تأتى الجاموسة بعد توقف الأمطار، وخضر صدقه، وتحول الضحك إلى صراخ، فى طريق العودة، تخيل خضر نفسه سيارة، وكان يقف فى الإشارة وهو على الرصيف فى شارعى عدلى وسليمان باشا، سالم وجابر نقلا ما حدث إلى الجميع، وأصبح اسم خضر فى كل مكان «موز باللبن»، حتى الأشرار الذين يعملون فى المحلات المحيطة بالمقهى، كانوا حين يمر أمامهم يقولون «موز باللبن، أيامها كانت معظم مقاهى القاهرة الخديوية لا تقدم غير المشروبات الساخنة والليمون فقط، أما الموز باللبن والفراولة وما إلى ذلك فكانت فى الكازينوهات والأماكن السياحية، ولم تكن شيشة التفاح أيضًا لها مكان، وكان ينظر إلى الشخص الذى يطلب الموز باللبن وشيشة التفاح على أنه «لا مؤاخذة».
حمدى جودة ابن الخالة هو الذى رتب الموعد فى العاشرة مساء مع النجم حاتم عبدالله، فى حدائق الأهرام عند البوابة الأولى، وصل بعد معاناة إلى المكان، ووجد صعوبة فى ركن سيارته البيجو ٥٠٤، ولكنه ركنها فى النهاية بعد حوار عبثى مع عابر ادعى أنه سايس المكان، شقة حاتم دور أرضى، بمدخل مستقل وحديقة صغيرة تفصلها عن الباب الخارجى، ولكى تصل إلى باب الشقة عليك أن تضرب الجرس، ولحسن حظ «أو لسوء حظ خضر» كان الباب الخارجى مفتوحًا، فذهب مباشرة إلى باب الشقة، وقبل أن يضرب الجرس هجم عليه كلب ضخم من الكلاب التى يقتنيها حاتم، بمباركة كلبين أصغر حجمًا، هبشه الكلب فى مؤخرته، وقطع بطلونه وسرواله الداخلى للدرجة التى بانت فيها الفلقتان، لم ينه الوضع هذا إلا عودة الشخص الذى ترك الباب الخارجى مفتوحًا، لأنه كان يشترى سجائر وورق بفرة من الكشك المجاور، سمعت الكلاب كلامه وانصرفت، وجلس خضر على العتبة الوحيدة أمام باب الشقة، ووضع يديه فوق رأسه ووجهه فى الأرض، هذا الشخص كان الحاج فتحى مندور صديق النجم السينمائى الذى يتاجر فى التكييفات المستعملة، الذى جلس إلى جوار خضر، يريد أن يضحك، وفى الوقت نفسه يحاول أن يظهر للضحية تأثره بما حدث، كان مسطولًا جدًا، لدرجة أنه لم يفكر فى ضرب جرس الباب، وقال لخضر ببساطة «حظك الوحش إن كيمو هو اللى عضك»، ولم يفسر، وهَم من جلسته وضرب الجرس، وفتح حمدى جودة لهما، ودخل خضر مطأطئ الرأس ويداه متشابكتان حول مؤخرته وآثار دم على كفيه، لم يظهر حاتم إلا بعد ربع ساعة من الصمت، وتم وضع مناديل ورقية كثيرة على أحد المقاعد لكى يجلس خضر، سأله فتحى وهو يغمز له بعينيه «انت طعمت كيمو؟»، قرأ المشهد قبل أن يحكى له، تباطأ فى الإجابة، وبدا عليه التأثر، وقال وهو يعزم على خضر بسيجارة ملفوفة «للأسف لأ»، لم يحدث كلام عن الفيلم، وبات الهم الأكبر، هو تدبير ملابس داخلية وبنطلون لخضر الذى يزن ١٢٠ كيلو. وهو سأل عن التطعيم، حاتم الذى أعجبته اللعبة، طلب من الصيدلية قطن وشاش وبنتادين وكحول، ادعى أنه تذكر أن زوجته قامت بالفعل بتطعيم كيمو، وهى اللحظة الوحيدة التى بدا فيها خضر سعيدًا، واتصل بمساعده الذى كان يسمى باللبيس، وأيقظه من النوم لكى يتصرف فى بنطلون على مقاس خضر، بالفعل جاء بعد ساعتين، وكان البنطلون مناسبًا، ولكنه لم يتمكن من تدبير سروال داخلى، وخضر قال بحسم وارتياح «مش مهم»!.







