الجمعة 12 أبريل 2024
المحرر العام
محمد الباز

على أبوشادى

على أبوشادى
على أبوشادى

يعنى إيه رجل دولة؟ يعنى على أبوشادى.

كان لى حظ الاقتراب من الأستاذ على أبوشادى فى أواخر سنين حياته، ونتشارك بعض الأنشطة والفعاليات مش موضوعنا دلوقتى، وبعيدًا عن سماته الشخصية الحميدة، وإنى ما شفتش منه حاجة سلبية، فـ اللى لفت انتباهى هو إنه ساعدنى أفهم يعنى إيه رجل دولة؟

الموضوع مالوش علاقة بـ نظام حكم معين، أو مين الرئيس أو إيه الوظيفة، إنما بلدنا دى عندها فعلًا سيستم عميق مكون من علاقات وجهات ومؤسسات وأفراد «الصغار منهم قبل الكبار» وهذا السيستم مثير لـ الدهشة، لـ إنك بـ سهولة جدًا تحبه وتجله وتعظمه، وبـ سهولة جدًا تنفر منه وتحاول تتجنب التعامل معاه أو من خلاله قدر المستطاع.

السيستم دا هو اللى حامى البلد من أمور كتير نعوذ بـ الله منها، زى التفسخ والفوضى والسحق التام لـ فئات كتير لا حول لها ولا قوة، والسيستم دا هو المعوق لـ مواكبة العالم الحديث اللى بـ يعتمد أول ما يعتمد على الأفكار الإبداعية والمهارات الفردية فى الابتكار ثم التنفيذ، والكلام عن السيستم يطول، فـ خلينا فى أبوشادى.

قليلون جدًا، بل نادرون، الناس اللى عندهم قدرة على الفهم الدقيق لـ تركيب السيستم دا، عدم الفهم بـ يؤدى لـ عدم القبول، وعدم القبول بـ يكون سبب فى عدم القدرة على إنك تتحرك وتحرك الأمور بـ انسيابية فـ لا يعوقك، وإنما تقدر تنجز المطلوب مستفيدًا من حماية السيستم ومتجنبا معوقاته.

من جمله التى لا أنساها: القانون عندنا يعدى جمل، وما يعديش نملة، والأمر الحاسم لا يعتمد على الهوى، أو حتى العلاقات، بـ قدر ما يعتمد على معرفتك كيف تسير الأمور، وإيه المناطق اللى ممكن تعبر من خلالها دون الاصطدام وإيه المناطق اللى ما ينفعش، وعبر تاريخ أبوشادى الطويل كان يمتلك براعة هائلة، قدر من خلالها يعدى جمال وجمال بـ ما يخدم الثقافة المصرية وشئونها، لا ما يخدم مصالحه هو.

مش عايز أذكر أسماء سواء لـ أفلام أو لـ صناع أفلام، لكن فيه مشروعات كتير استلزمت تدخل على أبوشادى علشان تظهر، وتظهر دون مشكلات، بـ غض البصر عن موقعه الوظيفى، لـ إنه مش هو دا الموضوع، مش نفوذهم اللى مكّنه من المساعدة، إنما نصايحه، ونصايحه دى كانت لـ كل الأطراف، كذلك لـ معرفته فين العقدة، وإزاى تتحل.

كتير من الأحيان كانت تحصل مشكلة بين صناع فيلم ما، وبين جهاز الرقابة، سواء وهو رئيس الجهاز أو بعيد عنه، وتبقى المشكلة نتيجة إنه الطرفين مش عارفين فين المشكلة، بـ معنى إنه صانع الفيلم يتصور حاجة، ويعتقد إنها سبب تحفظ الرقابة أو رفضها، بينما ما يكون شدا السبب، وإنما الرقابة عندها تحفظ تانى خالص، ويبقى مفيش حوار بين الصناع والجهاز نتيجة اللبس دا.

الكلام دا حصل مع مخرجين كبار، فـ هنا يتدخل أبوشادى، لـ إنه عنده قدرة ومعرفة إنه يفهم اللبس جى منين، وكيف يمكن إصدار التصريح لـ العمل من غير ما يضطر الصانع لـ تغيير جوهرى أو تتنازل الرقابة عن واحد من ثوابتها.

الموضوع دا يبدو سهل، أو أنا كنت فاكر كدا لـ حد ما عرفت أبوشادى عن قرب، واطلعت على تفاصيل أعمال ووثائق تخصها، واكتشفت إنه الحكاية مش كدا خالص. طبعًا دور على أبوشادى مش قاصر على دا، هو ناقد وكاتب ودارس وفاهم الصناعة والإبداع، وكان له إسهامات عديدة قيمة، إنما بـ أتكلم هنا عما انفرد به أو كاد، وهو الجمع بينهما: الصناعة والدولة.