امرأة لا تنحنى.. فريدة الشوباشى: بعد 88 سنة حياة.. لم أطأطئ رأسى أبدًا
- تعرضت للإقصاء والفصل فى فرنسا بسبب شيمون بيريز وسلمان رشدى
- عندما استمعت لتصريحات السيسى وهو وزير دفاع كتبت: «نعم السيسى رئيسى»
- لم أبحث أبدًا عن منصب أو مكسب وعانيت كثيرًا بسبب انتمائى للناصرية
- قرار وقف المساعدات المادية الذى اتخذه رئيس الوزراء وقتها «عاطف عبيد» كان من أهم العوامل التى أسهمت فى انهيار سعاد
- سعاد لم تكن قادرة على تحمل زيادة الوزن أو ظهور بعض «التجاعيد» وأن يترك الزمن آثاره عليها
- لعبت الدور الأكبر فى ترجمة «الزينى بركات» إلى اللغة الفرنسية
- استطاعت فريدة أن تهدم مقولة «عدوك ابن كارك» وكونت صداقات مع معظم أبناء جيلها من الكُتّاب والروائيين
- «يوسف إدريس» و«محمود السعدنى» الأقرب إليها عاطفيًا ونفسيًا وحتى قصة حياتهما تشبه محطات فريدة الشوباشى
- أيامى مع يوسف القعيد كانت مليئة بالفكر والثقافة والأطروحات الفنية
فى مذكراتها الجديدة «امرأة لا تنحنى»، الصادرة عن دار «ليدرز» للنشر والتوزيع، لا تكتب الكاتبة والصحفية الكبيرة فريدة الشوباشى مجرد سيرة ذاتية تقليدية، بل تفتح صندوق عُمر طويل من المواقف والاختبارات والاختيارات الصعبة، التى شكّلت وعيها وصقلت شخصيتها، ورسّخت مواقفها الوطنية والإنسانية.
الكتاب الذى صاغته الكاتبة جهاد الدينارى، بعد جلسات مطولة من الحوار والاستماع والبحث، يأتى كوثيقة إنسانية صادقة، تتجاوز الحكى إلى تقديم تجربة حياة كاملة، لامرأة اختارت دائمًا أن تدفع الثمن بدلًا من أن تنحنى، وأن تتمسك بقناعاتها مهما كانت العواقب.
فى الحوار التالى مع «حرف»، تتحدث فريدة الشوباشى بصراحة وهدوء عن كواليس كتابة المذكرات، والرسائل التى أرادت إيصالها، وتجربتها مع الرفض والتمسك بالمبدأ، ورؤيتها لدور المرأة والشباب والوطن.

■ فى البداية.. كيف جاءت فكرة إصدار مذكراتك «امرأة لا تنحنى»؟
- الفكرة فى الأساس جاءت من الناشر محمد عبدالرازق، صاحب دار «ليدرز» للنشر والتوزيع، وهو الذى طرحها على الكاتبة جهاد الدينارى. كانت الفكرة فى ذهنه واضحة وصريحة، وتقوم على تقديم تجربة حياتية حقيقية، بلا تجميل أو ادعاء.
بعد ذلك التقينا وتحدثنا مطولًا، وكان الهدف الأساسى أن تخرج المذكرات فى صورة تجربة إنسانية مختصرة، يمكن أن يستفيد منها الشباب، ويروا من خلالها كيف عانيت، وكيف انتصرت رغم بساطة الإمكانات. فأنا لم أكن مُسلّحة بمال أو نفوذ، بل كنت إنسانة بسيطة جدًا، وسلاحى الحقيقى كان الإيمان بما أقول، وعدم التراجع، والتمسك بالمبدأ.
أنا مررت بظروف «تخوف» جدًا، كنت مسيحية وزوجى مسلم، وأسلمت لكى أتزوجه، وأهلى وقتها وضعوا مسدسًا فى رأسى، لكننى صممت على الزواج. كنت أستطيع وقتها أن أقول لهم «ماشى»، وبعدها أفعل ما أريده، لكننى لم أستطع أن أفعل ذلك، لأننى لم أكن أقبل الحلول السهلة على حساب نفسى.
■ ما الرسالة التى أردتِ إيصالها من خلال هذه المذكرات؟
- الرسالة الأساسية أن الإنسان يمكنه أن ينتصر مهما كانت الظروف قاسية. أنا مررت بمواقف صعبة جدًا، وخضت تجارب مليئة بالخوف والضغوط، لكننى لم أتراجع يومًا عن قناعاتى، ولم أقبل حلولًا سهلة على حساب نفسى أو مبادئى، وكنت دائمًا مؤمنة بأن الصبر والثبات فى النهاية يؤتيان ثمارهما.
■ عنوان الكتاب «امرأة لا تنحنى».. ماذا يمثل لكِ؟
- العنوان مُعبّر عنى بدرجة كبيرة، وعن التجربة التى عشتها بكل تفاصيلها. أنا عانيت كثيرًا فى فرنسا، عندما رفضت مقابلة شيمون بيريز، ورفضت إذاعة تصريحات سلمان رشدى فى نشرتى، التى كانت مسموعة جدًا جدًا فى ذلك الوقت، والثمن كان أننى تعرضت للإقصاء، وتم فصلى وأنا فى أواخر الخمسينيات من عمرى.
أنا قريبة من إتمام ٨٨ سنة، ولا يستطيع أحد القول إن فريدة الشوباشى، فى أى مرحلة من حياتها، طأطأت رأسها، أو قبلت بما لا تقتنع به. لم أقبل أبدًا فكرة لم أكن مقتنعة بها. فى الحقيقة، لم أكن أعرف أن العنوان سيكون «امرأة لا تنحنى»، لكنه جاء صادقًا تمامًا مع حياتى، ويلخص مواقف كثيرة رفضت فيها الانحناء أو التنازل، حتى عندما كان الثمن صعبًا، وحتى فى مرحلة قد يختار فيها البعض السلامة أو الصمت.
■ كيف جرت عملية صياغة المذكرات؟
- الكاتبة جهاد الدينارى كانت تجلس معى لفترات طويلة، تستمع إلىّ وتسألنى عن مواقف محددة من حياتى، ثم تكتب ما أرويه لها. كما بحثت عن مسيرتى المهنية والثقافية، وجمعت معلومات كثيرة من مصادر مختلفة، ولم يكن الهدف أبدًا سرد كل شىء، بل تقديم تجربة إنسانية حقيقية.
■ هل كانت هناك صعوبة فى استرجاع بعض الذكريات؟
- بالطبع كانت هناك صعوبة، فاستعادة مراحل مختلفة من الحياة ليست أمرًا سهلًا، خاصة عندما تكون مرتبطة بتجارب قاسية. وطبعًا ليس من المعقول أن أتذكر كل شىء، وكان يجب أن يكون هناك من يذكّرنى. ولم أتكلم عن أى شىء لا أتذكره، وكنت أرفض الحديث عنه لأننى ببساطة لا أتذكره. كنت حريصة على أن أكون صادقة دون أن أؤذى نفسى.
■ كيف تقيميّن تجربة المذكرات بشكل عام؟
- أراها تجربة إنسانية مهمة ومتكاملة إلى حد كبير. التجارب الإنسانية هى الأكثر صدقًا وتأثيرًا، لأنها تخرج من القلب وتصل مباشرة إلى القارئ، وربما تساعده على فهم نفسه وحياته بشكل أفضل.

■ شهدتِ محطات فارقة فى تاريخ مصر.. أى مرحلة كان لها التأثير الأكبر عليكِ؟
- هناك مراحل كثيرة أثرت فىّ، لكن أكثرها حضورًا وشاركت فيها أيضًا كانت ثورة ٣٠ يونيو ٢٠١٣. بعد أن سمعت كلمة الرئيس عبدالفتاح السيسى «الإرادة المصرية لا تعلو عليها إرادة أخرى»، شعرت فورًا باستعادة هيبة الدولة. أتذكر أننى عندما استمعت إلى تصريحاته وهو وزير للدفاع، كتبت مقالًا قلت فيه بوضوح «نعم، السيسى رئيسى»، لأننى كنت أحنّ إلى روح الحقبة الناصرية، التى لم يكن فيها أحد يجرؤ على تهديد مصر أو لىّ ذراعها. ورغم صعوبة الظروف التى نمر بها، فإن الرئيس السيسى بذل جهودًا رائعة، وأنا دائمًا أقول إنه لولا موقفه الواضح بأن التهجير خط أحمر، لما كانت هناك قضية فلسطينية من الأساس.
■ كيف انعكست تجربتك فى العمل السياسى والثقافى على شخصيتك ومبادئك؟
- أنا لم أسعَ يومًا إلى العمل السياسى بمعناه الحزبى أو التنظيمى، بل كنت دائمًا أعبّر عن رأيى الوطنى بصراحة. أنا ناصرية الفكر والانتماء، وقلت ذلك فى كل مكان، رغم أننى عانيت بسبب هذا الموقف، وكنت دائمًا مضطهدة ومطاردة فقط لأننى أقول رأيى. ورغم أننى ناصرية، لم أنضم يومًا للحزب «الناصرى»، إلى أن وجدت نفسى فى حزب «الجبهة الوطنية»، ورحبت بالانضمام إليه لأنه قال إن «مصر للجميع»، وقلت بوضوح: «أنا ناصرية». لم أكن أبحث عن منصب أو مكسب، بل عن موقف واضح.
■ ما الرسالة التى تحبين توجيهها للشباب اليوم؟
- أحب أن أقول للشباب إن الله لا يضيع أجر من أحسن عملًا. كل ما مررت به من تعب ومشقة عوضنى الله عنه بمحبة الناس. عندما أسير فى الشارع ويأتينى الناس ليقولوا «نحبك ونحب كلامك»، أشعر بأن هذه هى الجائزة الحقيقية. كذلك جائزة ابنى «نبيل» بعد وفاة والده، عندما كتب كثير من الكُتَّاب كلامًا رائعًا عنه لأنه كان إنسانًا رائعًا. «نبيل» بكى وقال لى: «ده أحسن ميراث أبويا سابهولى»، فحضنته وقلت له: «وأنا كمان هسيبلك نفس الميراث». هذه اللحظة لا يمكن أن أنساها، وتعد أكبر وسام حصلت عليه فى حياتى.
■ هل هناك نية لتقديم جزء ثانٍ من المذكرات؟
- الاحتمال وارد، لكن لا يوجد قرار نهائى. الأمر يتوقف على تطور التجربة، وردود الفعل، وإذا كان هناك ما يستحق الإضافة دون افتعال.
■ لو تحولت المذكرات إلى عمل درامى، كيف تتمنين تقديمها؟
- أتمنى أن تُقدم بأمانة وصدق، لأن أى عمل لا يقوم على الصدق لا يعيش. إذا التزم العمل الدرامى بالحقيقة، فسيكون قريبًا جدًا من التجربة التى عشتها.
■ ما حلمك فى المرحلة المقبلة؟
- على المستوى الشخصى، أتمنى أن يفرحنى الله بابنى «نبيل»، وحفيدى «أدهم»، وهو ممثل رائع وموهوب، درس السينما فى فرنسا، وعمل مع مخرجين كبار مثل محمد فاضل وخالد يوسف. أما على المستوى الوطنى، فأتمنى أن تستعيد مصر مكانتها الطبيعية التى تستحقها بين الأمم، وهو ما نراه يحدث الآن من خلال مكانة الرئيس السيسى الدولية، أما الحرب الشعواء التى يشنها أهل الشر، فأؤمن بأنها ستنتهى قريبًا.

■ كيف ترين دور المرأة فى الحياة السياسية والثقافية اليوم؟
- المرأة المصرية عظيمة منذ فجر التاريخ، ودورها لا يمكن تجاهله. هى أساس الوجود، وهى التى تربى وتصنع الأجيال. أنا أؤمن بأن الرئيس عبدالفتاح السيسى يؤمن بالحكمة الإلهية، وربنا كرّم المرأة أعظم تكريم، حيث أودع فيها الرحم التى تُوهب بها الحياة. لا زعيم ولا رسول يمكن أن يكون له وجود دون أن تلده امرأة.

سعاد حسنى انتحرت

وسط كل الاتهامات لأفراد وأجهزة بتهمة التورط فى رحيل «سعاد حسنى» تأتى «فريدة الشوباشى» التى جمعتها علاقة صداقة كبيرة معها لتخالف الرأى كعادتها، وتطرح وجهة نظرها المغايرة لموتها، ففريدة تشبك وتغزل الأحداث ببعضها، وتحلل آخر مواقف جمعت بينها وبين السندريلا، وتضع حالة اليأس والاكتئاب التى وصلت إليها قبل الرحيل، كعناصر مطروحة على طاولة النقاش والتحليل، فعلى الرغم من حبها الشديد لها، وعلى الرغم من الاتجاه العام الذى يميل إلى «القتل» لا «الانتحار»، وعلى الرغم من الهجوم الذى قد يطال فريدة بتلك التصريحات والاتهامات بالموالاة و«التطبيل»، فإنها قررت أن تقول الحقيقة كما تراها هى من وجهة نظرها فى مذكراتها، لتكون بمثابة «شهادة حق» تتركها لأجيال لم ترَ الواقعة، ولم تتعرف على ملامحها ولم تعاشر وتقترب من «سعاد حسنى» فى المرحلة الأخيرة، ولم تدرك كم الضغوطات والإحباطات التى مرت بها والقادرة على تحويل تلك «السندريلا» إلى امرأة فاقدة للشغف فاقدة للسعادة فاقدة للتمسك بالحياة.
فعندما سألتها عن أكثر المواقف التى جعلتها تكوّن هذا الرأى عن صديقتها «السندريلا» قالت:
سعاد حسنى كانت رمزًا للحماس والأنوثة والتفاؤل، النشاط والحركة، والشقاوة كانت تسكن كل خلية من خلايا جسمها، هكذا عرفتها أنا فى البداية، وهكذا عرفها جمهورها من خلال أفلامها الخالدة، وحتى من خلال لقاءاتها التليفزيونية المقلة فيها جدًّا، ولكن سعاد فى أفلامها وفى فترة شبابها تحديدًا لم تعُد سعاد التى اقتربت منى كثيرًا فى بداية السبعينيات وحتى الوفاة، فالشكل تغير والأسلوب تبدل، وجهات النظر لم تعد كما هى والشغف تراجع بشكل كبير.
كان يظهر ذلك جليًّا حينما كنت أقابلها فى إحدى الجلسات أو المقابلات التى تجمع حفنة من الأصدقاء، فلم تعد سعاد الضاحكة والمبتسمة دائمًا، إنما حل الشرود والبعد عن التداخل فى الحديث واختيار الجلوس منفردة بديلًا وحلًا أفضل لها، حتى تراجعت عن الظهور فى مثل هذه المجالس وكادت تكون نادرة الظهور تمامًا.
كنت أعتقد فى البداية أن المرض وحده هو ما بدّل حالها، وغيّر مسارها، لكن مع الوقت ومع بعض المواقف شعرت أنها رافضة غير راضية على مرور السنين وتقدم العمر، لم تعد قادرة على تحمل زيادة الوزن، أو ظهور بعض «التجاعيد» وأن يترك الزمن آثاره عليها، لم أندهش تمامًا من فكرة عدم التقبل التى مرت بها «السندريلا»، فكثير من الجميلات حول العالم مررن بتلك الفكرة، فبعد مرحلة من الشباب المفعم بالجمال غير العادى، والأنوثى الذى يُضرب به المثل، والوصول إلى قمته بفعل الجمهور، غالبًا ما تأتى مرحلة التشتت والتخبط، لأن القمة لم تستمر طويلًا والنزول خطوة خطوة قدر محتوم.
فقبلها عانت النجمة المصرية العالمية «داليدا» من نفس حالة عدم التوازن بسبب تقدمها فى العمر وخوفها وقلقها الشديد على التراجع عن قمة الجمال والأنوثة، نفس الأمر تمامًا بالنسبة إلى مارلين مونرو، جميلة جميلات العالم والأيقونة التى شعرت بالذعر مع التقدم فى العمر، خاصة أن الأضواء كانت هى الملاذ الوحيد لهن، فداليدا ومارلين مونرو وحتى سعاد حسنى اعتمدن على الأضواء وعلى حب الجمهور، ولم يحالفهن الحظ فى تكوين أسرة أو فى خلق عناصر تشغلهن عن الأضواء حينما تتراجع، فللأسف تشجيع الجمهور وحبه لا يدوم كثيرًا مهما طال، خاصة لمن لم يستطع أن يتقدم فى العمر أمام الشاشة مثلما يتقدم فى العمر فى الحياة العادية، فبعض الممثلات يتقبلن الوضع ويظهرن كأمهات وجدّات، ولكن البعض الآخر غير قادرات على التخلى عن صورة فتاة الأحلام، وأعتقد أن هذه كانت المشكلة الأكبر بالنسبة إلى سعاد حسنى.
فكنا فى أحد المجالس التى تجمع كثيرًا من الشخصيات العامة، الفنانين والسياسيين والكُتّاب والنقاد، وكانت السندريلا واحدة من بين المدعوين وحدث بينها وبين «صلاح السعدنى» موقف رأيت من وقتها أن سعاد حسنى لم تتقبل التقدم فى العمر أبدًا، ففى البداية لم يتعرف عليها «صلاح السعدنى» بسبب الوزن الزائد الذى وصلت إليه، وبسبب تغير بعض ملامحها وابتعادها عن الصورة الذهنية التى تركتها لنا أفلامها.
وبعد أن تدخلت أنا لأشير له بهويتها حتى لا توضع هى فى موقف محرج، تدارك الأمر وتعامل معها وكأنه يعرفها، لكن بالتأكيد شعرت هى بالموقف وتغيرت ملامحها قليلًا، ثم حاولت استعادة طاقتها وإقبالها على الحديث، ليعود ويسألها «السعدنى»: «حترجعى مصر إمتى يا سندريلا؟ وترد هى ردًّا أحزننى أنا شخصيًّا: ليه علشان آخد دور (أمك) ساخرة من تلك الأدوار التى من الممكن أن تعرض عليها بعد التغير الكبير فى أبعادها الجسدية وهيئتها وبعد زيادة وزنها أضعافًا».
وعلى الرغم من أن الإجابة كانت ساخرة يظهر عليها الكوميديا وتسببت فى موجات صارخة من الضحك، لكننى شعرت بموجات هادمة من الحزن تضرب داخلها بكل عنف، فإجابتها إن دلت على شىء فلا تدل على روح الدعابة والنكات، إنما تدل على رفض شديد للكبر، رفض لتغير نوعية الأدوار من الفتاة الجميلة الشقية التى يعجب بها كل أبطال الفيلم، إلى الأم العجوز التى عادة لا تكون محور الأحداث، لذلك قلقت كثيرًا عليها بعد تلك الجملة التى مرت على الحضور مرور الكرام ولكن لم تمر علىّ أنا بسهولة خاصة أننى أعرف سعاد كثيرًا، وكانت تأتى لى فى بيتى بفرنسا ونجلس معًا ونتجاذب أطراف الحديث.
حتى الفترة التى استقرت عندى لمدة أسبوع، وكنت معها لحظة بلحظة حتى ميعاد النوم، لم تكن سعاد بهذه الحالة، كانت بالفعل تحاول أن تعيد بناء نفسها مرة أخرى، تذهب لتسجيل رباعيات صلاح جاهين بصوتها لتتقاضى المال، ثم تعود محاولة أن تعطى لنفسها الأمل إذا ما فقدت بعض الوزن واستعادت شبابها وعادت معه إلى مصر وإلى التمثيل وإلى جمهورها، لكن يبدو أن مرور الوقت دون أن تنفذ خططها لم يكن فى صالحها، فأتذكر بعد تلك الفترة التى عاشت معى فيها، ابتعدنا أشهرًا وأخذتنا دوامة الحياة والعمل، ثم تقابلنا مرة أخرى فى أحد الحفلات أو التجمعات كما هى العادة.
وفى تلك المرة تحدثت كثيرًا «سعاد حسنى» عن شكلها وعن بعض العيوب التى لا ترضى عنها وعن ظهور التجاعيد والترهلات فى وجهها وجسدها، وكعادتها تأخذ تلك الكلمات القاسية على نفسها إلى منطقة السخرية الآمنة بالنسبة إليها، لكن الجميع شعر بعكس ما تظهره، لذلك أقدم المخرج والمؤلف «سمير خفاجى» على تقديم النصيحة إليها مشيرًا إلى عمليات التجميل الحديثة وقتها والتى من شأنها أن تشد الجلد وتقص الزوائد وتمحو آثار التجاعيد تمامًا، واهتمت كثيرًا سعاد بهذه العمليات واهتمامها ظهر عندما أتت إلىّ مسرعة لتسألنى عن إمكانية القيام بها دون تأثير فى تعبيرات وجهها كممثلة.
سعاد حسنى: تفتكرى يا فريدة لو أجريت العمليات إللى بيقول عليها خفاجى حيكون أفضل؟
فريدة الشوباشى: أنا مبحبش العمليات، لكن لو فعلًا حتخلصك من الترهلات إللى بتزعجك إعمليها.
سعاد حسنى: طب تفتكرى مش حتأثر على تعبيرات وشى.. يعنى ممكن تخلينى مقدرش أمثل بصدق زى زمان.
فريدة: بصراحة بالتأكيد حتأثر لإنى شفت نماذج كتير عملوها وفقدوا تعبيرات وجوههم.
هذا التشتت بين التجميل والتمثيل الذى أبدته «سعاد» ما هو إلا تشتت نابع من داخلها، ترغب فى العودة إلى شبابها، لكنها تخشى من فقدان موهبتها، فالحقيقة فرحت كثيرًا فى تلك اللحظة لأننى أدركت أهمية الصدق الفنى لدى سعاد، لكن حزنت أيضًا لأننى أدركت حجم التوتر الذى تحيا فيه، لم تعد تعلم ماذا تريد؟ وماذا تفعل؟ أعتقد أن حالتها النفسية كانت فى تراجع مستمر.
وأعتقد أيضًا أن قرار وقف المساعدات المادية الذى اتخذه رئيس الوزراء وقتها «عاطف عبيد» كان من أهم العوامل التى أسهمت فى انهيارها النفسى، فلم يعد لديها ما يعينها على الحياة، حتى إيجار المنزل أصبح من الصعب الحصول عليه، كلها مشاكل وأزمات يمر بها الإنسان العادى وتشـعره بأن الحياة أصبحت مستحيلة، فما بالك بنجمة كان لديها من المال ما يكفيها ويفيض، ومن الجمال ما يجعلها الوجه الأفضل على الإطلاق، ومن الشهرة ما يغنيها عن الأقارب والأصدقاء، فجأة تفقد أموالها وعملها وتبتعد عن جمهورها وتظل وحيدة فى بلد غريب، تفقد جمالها وتتقدم فى العمر وتفاجئها التجاعيد، ويحاصرها التاريخ ليمنعها من أن تتقبل الواقع، وتظل حائرة مشتتة غير قادرة على الرجوع إلى بلدها، غير قادرة على التحكم فى شكلها ووزنها، غير قادرة على دفع حتى إيجار شقتها، فكيف نشكك فى انتحارها أو قرار إنهاء حياتها؟.
الحقيقة أننى لا أمتلك دليلًا حقيقيًّا على انتحارها، ولكن إحساسى بها ومواقفى معها التى سردتها هنا والتى لم أستطع سردها كلها تحركنى نحو نتيجة واحدة وهى الانتحار.

جمال الغيطانى وحكاية «الزينى بركات»
جمال الغيطانى الروائى الكبير الذى جمعت بينه وبين «فريدة الشوباشى» علاقة طيبة جدًا، قد يكون رحل عن عالمنا عام ٢٠١٥، إلا أنه ما زال حيًا فى ذاكرتها، فالصحافة وكتابة المقالات جمعت بينهما، لأنه كان رئيس تحرير صحيفة أخبار الأدب المصرية، والأدب والسرد الروائى كان قاسمًا مشتركًا فيما بينهما، حيث وصف بأنه «صاحب مشروع روائى فريد استلهم فيه التراث المصرى ليخلق عالمًا روائيًا عجيبًا يعد اليوم من أكثر التجاربِ الروائية نُضجًا».

ولكن أكثر ما خلق ألفة وعلاقة قوية لم تتأثر حتى وفاته، هى فترة اعتقاله، ففى أكتوبر ١٩٦٦ تم اعتقاله على خلفيات سياسية، بسبب انتمائه إلى تنظيم شيوعى، وأطلق سراحه فى مارس ١٩٦٧، وفى هذا العام تصادف اعتقال «على الشوباشى» أيضًا وجمعهم سجن واحد، وبنيت بينه وبين فريدة وعائلتها الصغيرة جسورًا من المودة والألفة.
ومن أكثر مقولاته التى قالها فى المعتقل وتأثرت «فريدة الشوباشى» بها وتحفظها عن ظهر قلب حتى الآن: «حتى عندما لم يكن لدى أوراق وأقلام أدون بها حكاياتى، كنت أكتب فى مخيلتى، فالحكى والقصص لم تفارقنى حتى فى أصعب أيام حياتى».
وتحكى فريدة عن حب «جمال الغيطانى» لبيتها ولصحبتها هى وزوجها، واصفة تلك الرحلات التى كانت تأتى به إلى فرنسا لأغراض أدبية وعلمية سواء مؤتمرات أو معارض للكتب أو حتى جلسات فكر، أو غيرها من الفعاليات الثقافية التى كان هو من أوائل المدعوين إليها، والتى كان يخصص له من قبل القائمين عليها السكن فى أفضل فنادق باريس الفخمة باهظة الثمن، لكنه كان يرفض البيات هناك، وكان يأتى ليسكن فى بيت فريدة المتواضع، ويسكن غرفة الضيوف الصغيرة جدًا، فلم يعد مهمًا بالنسبة إليه المكان وفخامته، إنما الصحبة وصدقها هى ما كانت تهمه. ولا يمكن أن تغفل فريدة تلك اللحظة التى شاركته إياها هذا القرار الذى اتخذاه معًا حينما عرض عليها أن تترجم روايته التراثية «الزينى بركات» إلى اللغة الفرنسية حيث كانت من بين أبرز روايات جمال الغيطانى إن لم تكن أبرزها حيث جسدت تجربة «معاناة القهر البوليسى فى مصر»، وكانت تدور حول شخصية تدعى «الزينى» الذى كان يعمل كبيرًا لـ«البصاصين»، أى رئيسًا للمخبرين، فى عهد السلطان الغورى أوائل القرن العاشر الهجرى، وتصور الرواية معاناة الشعب من سطوة السلطان وصراع الأمراء واحتكار التجار وعيون البصاصين، ووصفت الرواية بأنها «نموذج من نماذج القهر والاستبداد الذى تعرض له المصريون فى هذه الفترة»، لذا طُلب منه ترجمتها باللغة الفرنسية، وكان مترددًا نوعًا ما حتى حسمت فريدة هذا التردد.
المكان: منزل فريدة وعلى الشوباشى فى باريس.
الزمان: منتصف الثمانينيات.
الكاتب جمال الغيطانى يتحدث مع جهة ما فى الهاتف ويبدو أن هناك قرارًا يجب أن يتخذه أثناء تلك المكالمة، فريدة الشوباشى تجلس فى الكرسى المقابل له وتتابع ملامحه الحائرة بشدة.
فريدة: مالك يا جمال فى حاجة؟
جمال وهو يبعد سماعة الهاتف عن فمه: دار لوسى الفرنسية تعرض علىَّ ترجمة «الزينى بركات».
فريدة: دار مهمة جدًا فى فرنسا، إياك والتردد.
جمال: متأكدة؟
فريدة: جدًا.
ينهى «جمال الغيطانى» المكالمة بموافقة مبدئية ويعود ليتحدث مع فريدة فى الأمر.
فريدة: ألف مبروك يا جمال خطوة مهمة لأن بكده الرواية أصبحت عالمية.
جمال: صحيح يهمنى انتشارها، لكن يهمنى أكثر تأثيرها، الرواية تحمل إسقاطات وأبعادًا سياسية أتمنى يكون لها صدى أو تكون جزءًا فى تغيير واقع.
فريدة: طبعًا لها صدى لأن قلمك خرج بره النطاق المحلى واهتمت به دول أوروبا بالتأكيد لأهمية الرواية.
وأنهى الصديقان الحديث محتفلين بتلك الرواية التى ترجمت بالفعل إلى الفرنسية والألمانية، والتى ذكرت فريدة فيما بعد حديث «الغيطانى لها» كونها واحدة من المؤثرات فى حياته خاصة بعد أن أعانته على هذا القرار بحكم معرفتها بدور النشر الفرنسية وبأهمية دار «لوسى» على وجه الخصوص.

يوسف إدريس ومحمود السعدنى الأقرب لقلبى
عندما سألت فريدة أثناء حوارنا عن الكُتّاب والأدباء فى عصرها عن الأقرب إلى قلبها، التى ترى نفسها تشبهه إلى حد كبير، لم تتردد لحظة فى اسمين، هما الكاتب الكبير «يوسف إدريس» والكاتب الساخر «محمود السعدنى»، فهما الأقرب إليها عاطفيًا ونفسيًا وحتى قصة حياتهما تشبه كثيرًا محطات فريدة الشوباشى، بداية من النشأة البسيطة مرورًا بالكفاح ومحاولات النجاح المستمرة دون توقف، حتى النزعة السياسية التى كلفتهم الكثير وعطلت مسيرتهم نوعًا ما كلها أشياء مشتركة، فتقول فريدة إنها شكّلت ثنائيات مع كل واحد منهم على حدة، مشيرة إلى مصطلح «أنتيم» الذى نستخدمه فى عصرنا الحالى كونه الأقرب إلى وصف علاقتها بها، ولكن على الرغم من اقترابها من كل واحد، لكن لم تجمعهم علاقة صداقة واحدة، ربما كانوا على علاقة طيبة لأنهم تقريبًا من نفس الجيل، إلا أن الروابط لم تكن قوية وهذا لم يوقف الصلة الكبيرة بين فريدة والسعدنى أو فريدة وإدريس.

وتصف فريدة شخصية إدريس: كان طبيبًا بشريًا ومارس الطب النفسى علشان كده كان مريحًا لكل أصحابه، مستكملة حديثها: هوى يوسف إدريس الطب النفسى وتعمق فى دراسته وعلى الرغم من أنه طبيب بشرى، فإنه اندمج مع عالم الطب النفسى، وكان يطبقه على أصدقائه المقربين، يستمع لنا ويصحح أفكارنا ومفاهيمنا، وأنا بالتحديد عندما كنت أغضب أو أشعر بالضغط النفسى، أول شخص كان يخطر ببالى هو الكاتب الكبير «يوسف إدريس»، ولكن هنا حديثى معه كان بمثابة تطهير أمام طبيب نفسى، يحفظ الأسرار ولا يكل ولا يمل من سماع المشكلات.
كما أنه كان يشبهنى كثيرًا فى نزعته الوطنية وقوميته العربية، فلم يكن غيورًا وحريصًا على مصر فقط، إنما كان عاشقًا لتراب الوطن العربى، ففى ١٩٦١ انضم إلى المناضلين الجزائريين فى الجبال وحارب معارك استقلالهم ستة أشهر، وأصيب بجرح وأهداه الجزائريون وسامًا إعرابًا عن تقديرهم لجهوده فى سبيلهم وعاد إلى مصر، وطوال هذه الفترة كنا نحاول التواصل ولكن أجواء الحرب والمعارك كانت تحول بيننا، وعلى قدر احترامى لفكره فإننى تعجبت من شخصه كيف يعرض نفسه لمعارك وحروب ويصاب، وكان واردًا أن يموت من أجل استقلال بلد غير بلده، وسألته ذات يوم عن السبب وراء تلك الفترة التى انضم فيها إلى المناضلين الجزائريين؟، فرد بإجابة مختصرة جدًا «أنا أبحث عن الاستقلال والحرية أينما وُجدا».
وبعد عودته إلى مصر نافسنى فى مهنتى كصحفى معترف به، حيث نشر روايات وقصصًا قصيرة حققت نجاحات كبيرة، وهو فى قمة مجده وتألقه كان يقرأ لى قصصى ويناقشنى فيها دائمًا، وفى يوم قرأ لى قصة وقال إنه شعر بالغيرة كيف لم تكن من بنات أفكاره؟.
يوسف إدريس: قرأت لك قصة «رسالة إلى تشيكوف» واندهشت جدًا.
فريدة: اندهشت من كثرة إعجابك بها ولا، لم تنل إعجابك.
يوسف إدريس: أكيد معجب بكل قصصك لكن اندهاشى كان لسبب تانى.
فريدة: أكيد علشان بتحب الأديب الروسى الكبير «تشيكوف».
يوسف إدريس: أكيد معجب به وبحب رواياته لكن اندهاشى المرة دى.. كان اندهاش من نفسى.
فريدة: فزورة دى ولا إيه يا إدريس.
يوسف إدريس: إزاى قصة زى «رسالة إلى تشيكوف» مش أنا إللى كتبتها؟
فريدة: خلاص خدها وخد كل قصصى وإدينى واحدة بس من عندك.
وعندما سألت فريدة عن السبب الذى ميّز تلك القصة بالنسبة إلى يوسف إدريس عن بقية قصصها قالت: «القصة هى عبارة عن حوار تخيلى بينى وبين الأديب الروسى تشيكوف، وهى رسالة تعبر عن إعجابى العميق بأعماله وتأثيره الأدبى فىّ، والقصة تتميز بأسلوب أدبى خالص واستخدمت فيها اللغة الشعرية لوصف العلاقة بين الأدباء وتأثير الكتابة».
وأُعجب بها يوسف إدريس لأنه شعر أنها قصة فريدة من نوعها، لأنها تقدم رؤية مختلفة للعلاقة بين القارئ والمؤلف عبر الزمان والمكان، وترسخ أهمية الأدب الروسى فى الأدب العربى، إضافة إلى أنه من محبى تشيكوف.
وعن الكاتب الساخر محمود السعدنى، عبرت فريدة عن تطابق قصص حياتهم بكلمة واحدة، أنا ومحمود السعدنى «كربون» حياتنا متماثلة تمامًا، نشأة بسيطة، تمرد على المجتمع، عشق لحكم جمال عبدالناصر والقومية العربية رغم أنه اعتقل أكثر من مرة فى عهده، والأهم من ذلك أننا اجتمعنا على رأى واحد بالنسبة إلى السادات.
وتستكمل فريدة عن مدى التشابه بينها وبينه، مشيرة إلى كونه صحفيًا وكاتبًا شارك فى تحرير وتأسيس عدد كبير من الصحف والمجلات العربية فى مصر وخارجها، ترأس تحرير مجلة «صباح الخير» المصرية فى الستينيات، وهى نفس الفترة التى ظهرت فيها فريدة ككاتبة صحفية وككاتبة قصة قصيرة، كما أنه شارك فى الحياة السياسية فى عهد الرئيس جمال عبدالناصر، نفس الأمر تمامًا بالنسبة إلى فريدة، الفارق الوحيد أنه بعد رحيل «جمال عبدالناصر» استقر فى مصر بينما فضلت هى وعلى الشوباشى السفر إلى أوروبا، لكن سجن «محمود السعدنى» فى عهد السادات لمدة عامين، بتهمة الاشتراك فى محاولة انقلابية، وتضامنه مع بعض مراكز القوى فى عهد جمال عبدالناصر للتخلص من حكم أنور السادات، أثرت تلك التجربة كثيرًا فى مستقبل «السعدنى» الذى خرج من السجن، ولم يستطع الحصول على وظيفة داخل مصر فقرر السفر إلى الخارج باحثًا عن حياة جديدة.
ليعودا مرة أخرى ويتقاسما مشوارهما، فذهب السعدنى إلى لندن وبدأ يكتب من الخارج وتميز بأسلوبه الساخر، بينما تألقت فريدة كمقدمة برنامج بإذاعة «مونت كارلو» فى فرنسا، وعادت لقاءاتهما من جديد بعد المنفى الاختيارى الذى اختاراه بإرادتهما فى عهد الرئيس السادات، ثم عادا إلى مصر بعد تولى الرئيس الراحل حسنى مبارك رئاسة الجمهورية، لتكون خطواتهما متشابهة متماشية على خط واحد دون اختلاف.
وعن «سخرية السعدنى» التى كانت أكثر شىء يجعله متميزًا بين الحضور، موقف كلما سردته لى تضحك فى كل مرة أكثر من المرة السابقة، حينما زارها عندما كانت تغطى كصحفية فى الحرب الإيرانية البغدادية، وتردد على الفندق الذى تسكن فيه.
محمود السعدنى: تخيلى يا فريدة الأمن مكنش عايز يطلعنى لك.
فريدة: ليه عملت أكيد مشكلة معاهم أو سخرت منهم كعادتك.
محمود السعدنى: لا والله لا دى ولا دى.. بس قال علشان مينفعش أطلع لست الفندق.
فريدة: ليه ده إحنا هنقعد فى اللوبى أو فى الكافيتريا.
محمود السعدنى: أهو زى ما بقولك دى قوانينهم هنا.
فريدة: الله! أمال طلعت إزاى وقاعد قصادى دلوقت.
محمود: لا ما أنا أقنعتهم وناقشتهم بالعقل والمنطق.
فريدة: وإيه هو المنطق بقى من وجهة نظرك؟
محمود: أصل قولتلهـم يعنى بتمنعونى علشان أنا راجل وهى ست.. أحب أقولكم لا أنا راجل ولا هى ست.
بالتأكيد لم يقل «السعدنى» هذه الجملة، لكنه أراد أن يسخر مما يفعله الأمن على طريقته الخاصة، فكان دائمًا يعتبر فريدة الشوباشى صديقه الرجل الجدع الشهم، ولكن كعادته رحمة الله عليه، لم يترك شيئًا إلا وسخر منه، ومن هنا كان يتفجر الضحك حينما يتذكرون هذا الموقف، وظل كنكتة فيما بينهما كلما أرادا أن يضحكا وسط مجموعة من الغرباء تكون كلمة السر «لا هى ست ولا أنا راجل».
فاستطاعت فريدة أن تهدم مقولة «عدوك ابن كارك» وكونت صداقات مع معظم أبناء جيلها من الكُتّاب والروائيين والأدباء، وكان بيتها حضنًا لهم، وكانوا هم أكبر داعمين لها ولمشوارها ككاتبة.
أما الفنانون فلهم دور كبير فى حياتها، تعرفت على البعض خلال لقاءات حوارية والبعض الآخر معارف شخصية لزوجها «على الشوباشى»، وأيًّا ما كانت طريقة التعارف ظلت «فريدة» هى حلقة الوصل بين الأدباء والفنانين فى مرحلة السبعينيات والثمانينيات، ولم تخلُ جلساتها من أصحاب الفكر التنويرى فى الفن والثقافة.

هذه قصتى مع الأبنودى والقعيد وسيد حجاب
«يا فريد».. هكذا كان ينادينى دائمًا الخال عبدالرحمن الأبنودى، وهكذا بدأت «فريدة» حديثها عن مجموعة من الأدباء والشعراء والكُتّاب الذين أثروا فى حياتها بشكل أو بآخر، منهم الصديق ومنهم القدوة ومنهم الشاهد على تاريخها، فأصرت فريدة فى تلك الجلسة أن تتحدث عن الشاعر الكبير عبدالرحمن الأبنودى، مشيرة إلى علاقتهم القوية والمواقف الوطنية التى جمعتها به.
فتقول فريدة إنها تعرفت عليه للمرة الأولى عندما كان معتقلًا مع زوجها على الشوباشى بسبب فكرهم اليسارى والأفكار التحررية التى جمعت بينهم، وتحكى عن استمرار علاقتهم الأسرية التى دامت بعد خروجه هو وعلى من السجن.
فريدة: عندما أتذكر الخال، سريعًا ما تستدعى ذاكرتى موقفًا كوميديًا له، فهو خفيف الظل يعالج أصعب الأمور وأكثرها تعقيدًا بالضحكة والدعابة، ولأنه شاعر محترف يتمتع بسرعة بديهة غير عادية، فكان دائمًا ما يباغتـنا ويفاجئنا بكلماته التى بإمكانها أن تغير الجو العام لأى مجلس وتضفى نوعًا من الكوميديا، فاستبدل فى مرة إحدى كلمات أغنية «على حسب وداد قلبى» للعندليب الأسمر، وجعلها على «حزب» إسقاطًا على الأحداث السياسية، مستكملًا «ضيّعت عليه العمر يا بويا»، وكأنه يشير إلى المواطن المصرى الذى أضاع عمره فى تصديق السلطة لكن دون جدوى، وأعتقد أن مثل هذه الكلمات كانت من أسباب اعتقاله، فضلًا عن شعره الذى تضمن نقدًا سياسيًا منه مستتر ومنه علنى.
لذلك كانت جلساته دائمًا مليئة بالنكات والحكايات، فأتذكر جيدًا فى إحدى جلساتنا حكى لى عن قصة خطف المطرب الراحل «عبدالحليم حافظ» له وكانت قصة مثيرة لدهشة الحضور، عندما قال إنه فى أحد الأيام كان يسجل أغنية جديدة لمحمد رشدى بأحد الاستديوهات بصحبة الملحن بليغ حمدى، وهو خارج الحائط الزجاجى الذى يفصل بينه وبين الملحن وفريق العزف والمغنى، فوجئ باثنين من الرجال يرتديان البدل الضخمة طلبوا منه أن يذهب معهم فى هدوء، فبات يصرخ إلى بليغ ليفهم أن ضباطًا أتوا ليعتقلوه مرة ثانية بعد المرة الأولى التى اعتقل فيها مع زوجى «على الشوباشى»، ولكن بليغ فى البداية لم يستطع أن يفهمه، ثم فى النهاية صار يضحك كثيرًا من خلف الزجاج لأنه يعلم أنهم ليسوا بالضباط أو تابعين لجهة تحقيق، فملَّ الأبنودى من طريقة بليغ وذهب مع هؤلاء الضباط من وجهة نظره، ثم ذهبوا إلى عمارة قريبة من حديقة الأسماك، فى الأسفل اثنان من الجنود، ثم صعدوا إلى الدور الخامس، وفتح لهم «سفرجى» فتعجب كثيرًا الأبنودى من وجود سفرجى فى مكان تحقيق، كل هذا يحكيه بأسلوبه الساخر ولا نستطيع أن نأخذ نفسنا من كثرة الضحك، ثم يعود للقصة ثانية ليحكى لنا شعوره عندما راح ببصره إلى نهاية صالون الاستقبال ليجد «فوتيه» أو كرسيًا ضخمًا يجلس عليه عبدالحليم حافظ، فلم يشعر بنفسه إلا وهو يسب ويلعن فى هؤلاء الذين أعتقد أنهم ضباط، فى النهاية اكتشف أن عبدالحليم كان يرغب فى أن يتفق معه على العمل معًا دون أن يشعر «محمد رشدى» بذلك، فاضطر إلى أن يلجأ إلى حيلة الخطف حتى تظل مقابلته بالأبنودى سرًا.
هكذا كان يحكى الأبنودى حكايات من حياته يربط فيها السياسة بالفن بكواليسه مع النجوم بطريقة فى منتهى الذكاء وخفة الظل، وأعتقد أننى استقيت من تلك الموهبة التى كان يمتلكها كثيرًا، ووجدت نفسى بعد أن قضيت فترة طويلة من حياتى أحتك بالأبنودى مباشرةً، أننى أتبع طريقته فى السرد دون تعمد أو قصد، إنما أسلوبه كان يؤثر فينا دون أن يتعمد ذلك.
وعن مناداتى بـ«فريد» سألته يومًا: لماذا دائمًا تتجاهل كونى أنثى وتناديـنى بفريد، هل التاء المربوطة أغضبتك فى شىء حتى تنتزعها من اسمى؟، فأجابنى بخفة ظل أين تلك الأنوثة لكى أتجاهلها، وأين التاء المربوطة لكى أنتزعها؟، فضحكت كثيرًا لأننى أعلم طريقته الكوميدية التى لا يمارسها إلا مع أصدقائه المقربين، الذين يعلم جيدًا بأنهم لن يغضبوا من أسلوبه، واستمر فى إلقاء النكات وفى نهاية مقابلتنا عاد هو إلى نفس الموضوع دون أن أحاول الحديث فيه مرة أخرى وقال لى جملة لا يمكن أن أنساها وأعتقد أنها تمثلنى حتى الآن:
«إنت بالنسبة لى فريد الصديق الجدع والصاحب الخدوم والست إللى بألف رجل، مهو لا يمكن ست زيك واسمها فريدة على اسم الملكة فريدة، وتكون قوية متمردة ومواقفها كبيرة للدرجة دى، علشان كده أنا مش مقتنع غير إنك فريد». ربما تكون كلمات بسيطة قالها هو ولم يتذكرها بعد ذلك الوقت، لكنها جعلتنى أكثر فخرًا بما مضى وأكثر اعتزازًا بما سيأتى.
أما أيامى مع يوسف القعيد، فكانت مليئة بالفكر والثقافة والأطروحات الفنية والجدلية، فتعرفت عليه من خلال معرفتى القوية لجمال الغيطانى، وكنا نخرج معًا وكان يأتى لنا دائمًا فى البيت، والحقيقة أن مقابلة «يوسف القعيد» دائمًا كانت ثرية لا يمكن أن تقابله ولا تستفيد منه ومن خبراته وفكره العبقرى ووطنيته الفائقة، التى لا جدال أو خلاف عليها، لذلك وجدنا قواسم كثيرة وعناصر مشتركة تجمع بيننا دائمًا، ولكن أكثر ما أتذكره له أنه كان حاضرًا ندوة نجيب محفوظ واستمع إلى إشادته بى وبكائه عندما قرأت له قصة «هدية بابا نويل»، ولم أسلم منه هو وجمال الغيطانى اللذين تمنيا لو كانا مكانى حتى يشيد بهما الأديب العالمى نجيب محفوظ، لكن ليس بدافع الغيرة والحقد مطلقًا لا سمح الله فهم الأكثر موهبة، لكن على سبيل المداعبة والتشجيع بشكل غير مباشر.
لذلك دائمًا عندما أحكى عن ليلة بكاء نجيب محفوظ بسبب قصتى أطلب شهادة «يوسف القعيد» للتصديق على كلامى، لكن الحقيقة الهدف بيكون تذكيره «وإنى أغيظه» أو ربما ليستشهد به البعض ويكون ذلك سببًا فى مد جسور التواصل بيننا مرة أخرى.
لكن «سيد حجاب» حكايتى معه كانت مختلفة كثيرًا، فهو صديق عزيز جمعتنا ندوات عبدالرحمن الأبنودى، ولأنه شاعر حساس مرهف، دائمًا ما كان رقيق التعبير حلو الكلمات، فى البداية كان يعتقد أننى لست مرتبطة، وكان لطيفًا جدًا معى لكن مع الوقت تعرف على «على الشوباشى» وانتقلت علاقتنا من مجرد صداقة إلى رحلة كفاح، ولم يتغير لطفه ولا رقة مشاعره أبدًا فكان صديقًا بما تحمل الكلمة من معنى.
فالوقت الذى تألق فيه «سيد حجاب» هى فترة الستينيات، نفس الفترة تقريبًا التى لمع فيها نجمى، لذلك دائمًا ما أصفه برفيق الدرب وشاهد على رحلة الكفاح.
كنت دائمًا حريصة على متابعة أحدث أعماله لأنه شخص متنوع لا يقف عند نوع معين من الموسيقى، إنما يتنقل بين الأشكال الموسيقية بكل رشاقة، بين الأغانى العاطفية لأغانى «تترات» المسلسلات التى اشتهر بها كثيرًا والتى أعشق منها «ليه يا زمان مسبتناش أبرياء»، وتتر مسلسل «الأيام» للعبقرى أحمد زكى، وحتى الفوازير التى شارك فى كتابة معظمها، كلها أعمال مختلفة تؤكد على تنوع موهبته الشعرية. وأنا هنا لست بصدد تقييمه لا سمح الله، فهو لا يحتاج إلى تلك الكلمات، لكننى بصدد وصف طبيعته المتنوعة المتكيفة وفقًا للظروف المحيطة، فهو شخص «شهم» يعرف كيف يقف إلى جوار أصدقائه وله مواقف «جدعنة» كثيرة معى، أتذكر منها اطمئنانه علىّ فى كل مرة أتعرض فيها لأزمة، آخرها وقت مرضى، فكان دائم السؤال صادق المشاعر قادرًا على تحويل يأسى إلى أمل وصبر وقوة، سيد حجاب رحمة الله عليه شاعر رقيق ورجل قوى، محظوظة أنا بصداقته وحزينة جدًا على فراقه فى ٢٠١٧، ودائمًا أدعو له ويوم علمت بوفاته أرسلت إليه رسالة فى خيالى «سلملنا على الحبايب يا سيد وأمانة عليك توصل السلام لحبيبك وحبيبى على الشوباشى».



