الجمعة 25 سبتمبر 2026
المحرر العام
محمد الباز

بعد التسعين.. محمود الربيعى: كنت عضوًا مؤسسًا فى اتحاد الكتاب ثم فصلونى.. وأحواله ليست سارة

حرف

- أحمل جهينة فى جلدى وقلبى وعقلى إلى كل مكان وزمان

- النقد فن وعلم.. والناقد الحقيقى لا يستغنى عن الموهبة

النبل والتواضع هما الصفتان اللتان لم تفارقا مطلقًا الدكتور محمود الربيعى، منذ مولده عام 1932 وحتى هذه اللحظة، التى يظل فيها، بجهده فى مجمع اللغة العربية والجامعة، وبكتبه المتتالية، يضىء الساحة الثقافية.

ومنذ نشر مقالته الأولى عام 1966 بمجلة «المجلة»، برئاسة تحرير يحيى حقى، ثم كتابه الأول «فى نقد الشعر» عام 1968 عن دار المعارف، و«الصوت المنفرد» فى العام الذى يليه عن هيئة الكتاب، ظل «الربيعى» مبدعًا ومعلمًا ومجمعيًا مخلصًا.

فى حواره التالى مع «حرف»، يتحدث «الربيعى» عن نشأته فى جهينة بمحافظة سوهاج، وعن محطات فى مسيرته النقدية والأكاديمية، مستعرضًا جوانب عديدة فى شخصية لا تتكرر كثيرًا.

■ ما الذى ما زالت الذاكرة تحمله من جهينة، حيث نشأتم فى محافظة سوهاج؟ وإلى أى مدى كان تأثيرها عليكم؟

- تسألنى عن أثر جهينة فى نفسى وهل لا يزال ماثلًا؟! أقول لك بل أنا أحمل جهينة فى جلدى، فى قلبى وفى عقلى، إلى كل مكان أرحل إليه، وإلى كل زمان أعيش فيه.

هى أول أرض مس جسمى ترابُها، تعلمت فيها وتغذيت على ما تنتجه حقولها، وتربت أذنى على أصوات نحلها وزنابيرها، كما تربت ذائقتى الموسيقية على ما تنتجه من الأفراح والزغاريد، ومن النواح على الموتى أيضًا الذى يسمى «العديد»، ومن الطبل والمزمار، ومن كل ما يمكن أن يغذى الحواس سمعًا وبصرًا.

أنا فخور بذلك وسعيد به، وأدعو كل شخص ريفى مصرى، وكلنا من الأرياف على وجه من الوجوه، أن يحمل قريته أو كَفْرَهُ أو نجعه فى جلده، وأن يستلهمه حتى إذا تغرب فى بلاد الله شرقًا أو غربًا، أو تثقف بثقافة أوروبية أو آسيوية، أو لبس قبعة بدل الطاقية، أو أسهم فى السياسة أو علم الاجتماع أو كل ذلك مما يفرضه العصر، وهو فرض واجب على كل إنسان. عناصر المنشأ لا بد أن تبقى حاضرة فى الذهن ما بقى الإنسان على وجه هذه الأرض.

■ بكتابكم المبكر «فى نقد الشعر» الصادر فى طبعته الأولى عام ١٩٦٨، ناقشت فكرة ضرورة تسلح الناقد بالمعرفة النقدية حتى لا يتحول النقد إلى انطباع شخصى.. أليس النقد فى حالاته كافة قراءة تذوقية مُدعَمة بالأسس؟

- هل النقد فى كل حالاته حالة تذوقية؟ هل كل دارسى الأدب قادرون على أن يكونوا نقادًا؟ وهل النقد علم أو فن؟ هذه الأسئلة التى يدور حولها سؤالك الثانى، أسئلة طبعًا مهمة، حساسة ومطروقة، ويُعاد الكلام فيها مرة بعد مرة، ويبقى متأرجحًا غامضًا.

النقد فن، هذا حق، والنقد علم، هذا حق. فكل نقدٍ لا يتحقق له الفن ليس نقدًا جيدًا. الفن طبعًا موهبة، والفن ثقافة. والناقد الحق لا بد أن يكون موهوبًا، وهذه الموهبة لها شقان، الأول متصل بحب الإبداع، فلابد أن يحب الإنسان الإبداع فى عمومه والأدب فى خصوصه لكى يكون ناقدًا أدبيًا ناجحًا.

أما الشق الثانى فيتمثل فى التحلى بعقلية نقدية، أى عقلية تجيد السؤال، وتجيد الشك قبل اليقين، وتجيد الاستبطان. أى قراءة السطور، وما بين السطور، وما وراء السطور، والمسكوت عنه... إلى آخره.

إذا لم يتوافر للإنسان حب الأدب والعقلية النقدية، فأنا لا أعتقد أنه يكون ناقدًا ناجحًا فى أى ظرف وأى وقت وأى مكان. فهذان شرطان فطريان لبقية التكوين الثقافى، وبقية الوعى والمنهج.

تداول النص الأدبى لا بد أن يكون طبقًا لمنهج، والمنهج هو طريقة العمل، باب العمل، من أين تدخل إلى قراءة النص. قد يكون المنهج من ابتکار الناقد، وقد يكون المنهج مجلوبًا والناقد يستبطنه ويؤمن به ويطبقه.

محمود الربيعى مع نجيب محفوظ
محمود الربيعى مع نجيب محفوظ

■ هل حياة النص أهم من حياة صاحبه؟ 

- طبعًا حياة النص أهم من حياة صاحبه وأبقى. أولًا لأن حياة الشخص تزول ويبقى النص. المتنبى مات من ١٠٠٠ عام، وعاش على ظهر هذه الدنيا ٥٠ عامًا، وبقيت نصوصه حتى الآن طازجة مقروءة كأنها بنت الأمس. هذا لمن يريد أن يقرأ قراءة متبصرة.

وأحمد شوقى طبعًا فى قصيدته المشهورة: «أيها المنتحى بأسوان دارًا»، وصف الآثار المصرية والنقوش وصفًا دقيقًا، فيقول: 

رُبَّ نَقشٍ كَأَنَّما نَفَضَ الصا نِعُ مِنهُ اليَدَينِ بِالأَمسِ نَفضا

وَدُهانٍ كَلامِعِ الزَيتِ مَرَّت أَعصُرٌ بِالسِراجِ وَالزَيتِ وُضّا

فلا شك أن الكاتب أو المبدع الفانى يودع فى إبداعه إبداعًا خالدًا غير فانى. هذه هى قضية الإبداع، سر الإبداع.

■ هل سيظل إنتاج المناهج مقصورًا على الغرب؟

- هل يبقى الإبداع النقدى أو المناهج مقتصرة على الغرب أو على الشعوب الأخرى غربًا أو شرقًا؟ لا طبعًا، ولكن الخطأ لدى من يتهافت على الغرب أو الشرق ويبقى هو مستوردًا لا منتجًا. بوسع كل ثقافة أن تنتج مناهجها إذا أُحسنت قراءتها.

إيهاب حسن أو إدوارد سعيد، وبالمثل مجدى يعقوب فى الطب لولا أنه كان رحل إلى إنجلترا، وهل زويل سيكون زويل لولا أنه كان...؟ طبعًا البيئة.. البيئة الفاعلة العاملة هى التى تُخرج الموهبة من حيز الكمون إلى حيز العمل.

■ رحلتكم مع الشعر التى استمرت حتى عام ١٩٦٠م، هل كان الشعر كما قال الخليل «يأباك جيده وتأبى ضعيفه» أم خشيت من نقاده؟ أم أنه كان غمرة وتجلَّت؟ 

- «الشعر صعب وطويل سُلَّمُه»، كما قال الشاعر القديم. خُلِقتُ صاحب خيال جامح وذاكرة حادة، فحفظت الكثير وتخيلت الكثير فى صدر شبابى، وقادنى ذلك إلى الإعجاب بالحركة الناشئة، حركة الشعر الحر.

كانت النتيجة كراسة صغيرة فيها قصائد تقليدية وقصائد من الشعر الحر. ونشطت خلال فترة الطلب منذ التعليم الثانوى فى الأزهر، فنُشِرَت لى القصائد فى جرائد «الزمان» و«الأهرام» و«الجمهورية».

وفى دار العلوم كنت نشطًا فى جماعات الشعر، وهكذا وهكذا وهكذا إلى أن تخرجت وذهبت إلى لندن، وأدركت المهمة الواسعة الصعبة التى تواجهنى، فتضاءلت طاقة الإبداع وتيقظت طاقة التحصيل والتساؤلات النقدية، فغلب هذا على ذاك. هذه ناحية.

ومن ناحية أخرى طبعًا، لو كنت أنا شاعرًا مفلقًا، شاعرًا جبارًا.. الشاعر الأوحد، لما غلبتنى هذه الأشياء، ولتألق شعرى رغم كل الصعاب، فالزهرة الحية تشق الصخر. 

لكن موهبتى الشعرية، فيما أتصور الآن، لم تكن من القوة والاستيعاب والمتانة بحيث تسير جنبًا إلى جنب مع واجباتى العلمية المنهجية الدراسية النقدية، فبمرور الزمن «غلب الهدير على الخرير»، كما يقول إيليا أبوماضى.

■ «معجم لغة الشعر العربى».. ما القيمة المضافة لوجود مثل هذا المعجم الذى هو أحد أفكاركم الرائعة؟

- حين اخِترتُ عضوًا فى مجمع اللغة العربية كان لا بد أن أعد خطابًا لحفل استقبالى. وقد رأيت أن الكثير من الأعضاء يدخلون بخطاب تقليدى ترحيبى محكم فصيح جميل، وينتهى الأمر.

رأيت أنا أن أدخل إلى المجمع بخطاب شكر ترحيبى، ولكى أقول: ماذا حملت إلى المجمع فى ذهنى لكى أكون عضوًا جديرًا بالعضوية، كان مشروعى الذى حملته هو «معجم لغة الشعر العربى».

سألت السؤال البسيط: جميع المعاجم فى تاريخ اللغة العربية تستشهد بالشعر العربى بكثافة بالغة، ومع ذلك لا يوجد لهذه الألفاظ التى تستشهد بها معجم يجمعها ويحللها ويوثقها، ويذكر تطورها على مدى الزمن وفى شتى الأماكن وفى شتى السياقات والمسكوكات الشعرية والتعبير الشعرية... إلى آخره.

مضت سنوات من العمل البطىء المتئد، لأن الفريق صغير والعمل واسع والإمكانيات محدودة، فينتج عن ذلك كله بطء الإنتاج.

ومما يسرنى ويبهج قلبى ويريح عقلى أنه فى نهاية الدورة المجمعية الماضية صدر الجزء الثانى بحرف الباء، وهو جزء فخم، جميل الإهاب، موثق وفيه علم غزير إن شاء الله.

وأنا سعيد جدًا جدًا أن أرى ذلك، وأقول: البطء طبيعى للأسباب التى ذكرتها، وإذا أُريد لهذا المعجم أن يتحرك بطريقة أسرع، فلتُتح له إمكانيات أكبر.

■ ترجمت «تيار الوعى» و«الصوت المنفرد»، وكلاهما فى السرد، وتحدثت عن لقاء «غريب» بنجيب محفوظ، كيف استمرت علاقتكم مع «محفوظ»؟ 

- معرفتى بنجيب محفوظ نشأت من تقديمى نسخة من «قراءة الرواية» إليه على غير معرفة، وقد استقبلنى استقبالًا حسنًا كما أشرت فى آخر حوار جرى بينى وبين الدكتور محمود القيعى فى «الأهرام» مؤخرًا. لم أرتد مجلسه، وإنما قابلته مرة صدفة بعد ذلك، ومرة زرته فى جلسة كان يعقدها- فى آخر حياته- بفندق قرب المطار. كان فى جميع الأحوال يهَشُّ لاستقبالى، وكان يذكر أن كتابى «قراءة الرواية» من الكتب التى لفتت نظرَه، وكان هذا يبهجنى جدًا.

«محفوظ» طبعًا علامة فارقة فى تاريخ الأدب العربى كله وفى تاريخ الرواية العربية، لا لأنه حصل على «نوبل»، وإنما هو له قيمة لفتت «نوبل» إليه. هذا هو الوضع الذى ينبغى أن يُقال، أما أن يقال حصل على «نوبل» لأنه كذا وكذا وكذا، فهذا تبسيط للأمور.

■ بعد كتابكم الأخير «بعد التسعين» كيف ترى الحياة بكلمات مختصرة؟ ذات يوم قال لى أستاذنا الدكتور عبدالغفار مكاوى «حياتنا كلها على الورق، والورق.. يحترق».. هل افتقدتم شيئًا من متع الحياة مقابل جيدة المفكر والأكاديمى؟

- تسألنى عن رأيى فى الرحلة كلها ونتيجتها والحياة جميعًا.. هذا السؤال الفلسفى الذى يواجه كل إنسان عاش طويلًا على ظهر هذه الدنيا. أنا لستُ متشائمًا ولا متفائلًا، وقد قلتُ فى كتابى «بعد التسعين»: لستُ انقباضيًا، وإن ظن بعض الناس أننى كذلك، ولستُ انبساطيًا، وهذا واضح.

لكننى لستُ متشائمًا، الحياة ستجرى بنا أو بغيرنا، رضينا أم كرهنا، وستتطور بفعل الذين يعيشون فيها، وعلى الذين يعيشونها أن يستفيدوا مما تركه الماضون، وإلا حَقَّ عليهم قول أحمد شوقى: 

وإذا فاتك التفاتٌ إلى الماضى *** فقد غاب عنك وجهُ التأسى.

■ هل أتاحت لكم المشاركة فى تأسيس اتحاد الكُتَّاب الاقتراب من كُتَّاب معينين؟

- أرجو إعفائى من الحديث عن اتحاد الكُتَّاب، وأقول فقط: كنتُ عضوًا مؤسسًا فى الاتحاد، وأقسمتُ اليمين أمام مهدى علام- رحمه الله- وأخيرًا فُصِلتُ من اتحاد الكُتَّاب لأننى لم أسدد الاشتراك فترة من الزمن، والآن أشاهد حاله عن بُعد، وأرى ما يجرى فيه، وهو ليس سارًا على كل حال.