رحلتى مع الكتاب.. زين عبدالهادى: أقول لكل من أعرف «لا تخف من الفقر ما دمت تقرأ»
- إنتاج الذكاء الاصطناعى القليل بلغتنا يعكس هشاشة ثقافتنا العربية
- لا مشكلة فى استخدام الـAI فى الحصول على معلومة لكن المشكلة فى استخدامه لكتابتها
- أول كتبى عن «الحاسب الآلى فى المكتبات» ترك أثرًا علميًا كبيرًا
- لم أفكر فى النشر فى بيروت أو الخليج رغم علاقاتى القوية
- لم تكن للأدب والرواية والشعر هذه الجاذبية التى تمتع بها الكتاب العلمى فى الثمانينيات
- قبل الألفية الجديدة كان الناشر ينظر لنشر الرواية وكأنه سيلقى بأمواله فى النهر
بالتزامن مع عودة الطلاب إلى المدارس والجامعات، يعود إلى الواجهة ملف المعرفة والوعى فى عصر السرعة، ويعود سؤال، هل تكفى التكنولوجيا المتدفقة بضغطة زر لتغنى عن أروقة المكتبات وصفحات الكتب؟
ومن قلب أحدث الصروح الثقافية الرقمية فى مصر، يطل علينا الدكتور زين عبدالهادى، مدير مكتبة العاصمة الإدارية الجديدة، والذى يجمع بين خبرة الروائى ورؤية المتخصص فى الذكاء الاصطناعى.
فى حواره مع «حرف»، يضع زين عبدالهادى أيدينا على خريطة الطريق الثقافية، بين صعوبات النشر، ومستقبل الكتاب الورقى، ومخاطر استسهال المعرفة فى زمن الذكاء الاصطناعى، كما يتحدث عن رؤيته لمستقبل المعرفة فى ظل الثورة الرقمية.

■ بالعودة إلى البدايات الأولى، وفى ظلال ذكرياتك مع أول كتاب سواء روايتك الأولى «المواسم» «١٩٩٥» أو كتابك العلمى الأول «١٩٨٩»، كيف تصف الفارق بين رحلة النشر الشاقة قديمًا واليوم حيث ينشر الشاب بضغطة زر؟
- أنتمى إلى جيل التسعينيات فى الكتابة الروائية، وجيل الثمانينيات فى الكتابة العلمية، فقد ظهر أول كتاب علمى لىّ عام ١٩٨٩، وكان عن استخدام الحاسب فى المكتبات، وأظن أنه ترك تأثيرًا علميًا كبيرًا فى ذلك الوقت، كان النشر العلمى سهلًا، لكن الرواية لم يكن الأمر فيها سهلًا على الإطلاق.
المفارقة أننى نشرت الكتاب العلمى باتصال تليفونى، أما الرواية، فقد كنت قد انتهيت من روايتين وكنت أعمل خارج مصر، لم أفكر فى النشر فى بيروت أو الخليج أو العراق أو سوريا، رغم أننى كنت أملك علاقات قوية فى ذلك الوقت مع هؤلاء الناشرين، بحكم عملى مشرفًا على إصدار ببليوجرافية معرض الكويت للكتاب.
انتظرت خمس سنوات لنشر أول رواية، وانتظرت عشر سنوات لنشر الرواية الثانية، وكان السبب أننى كاتب غير معروف فى مصر، أتذكر أننى حصلت على موافقة دار الهلال لنشر روايتى الثانية «التساهيل» عام ٢٠٠١، وصدر تقرير عن جودة الرواية وصلاحيتها للنشر من كل من السيدة صافيناز كاظم والراحل فؤاد قنديل، ومع ذلك، نُشرت بعد ذلك بعامين فى الهيئة العامة للكتاب، أى عام ٢٠٠٣، مع أننى أنهيت كتابتها عام ١٩٩٣.
وكان وقتها ناصر الأنصارى رئيسًا للهيئة، والأستاذ وحيد عبدالمجيد مسئولًا عن النشر. ولم يستغرق الأمر سوى لقاء، ونُشرت الرواية بعدها فى أقل من أسبوع، وبيعت كل النسخ.
■ عندما تسترجع لحظة إمساكك بأول نسخة ورقية من «المواسم»، ما التفصيلة الصغيرة التى لا تزال حية فى ذاكرتك حتى وأنت على رأس هذا الصرح الرقمى؟
- «المواسم» من روايات النوفيللا القصيرة، وهى طبعة نادرة للغاية، ولولا صداقتى للناشر ما كانت نُشرت، فقد كان الأمر يبدو شبه مستحيل فى ذلك الوقت.
لم يكن للأدب والرواية والشعر هذه الجاذبية التى كان يتمتع بها الكتاب العلمى. كان نشر أى رواية يُعد مغامرة بكل المقاييس لأى ناشر، ودعينى أقول إن الناشر، حتى بداية الألفية الجديدة، كان ينظر إلى نشر الرواية وكأنه سيلقى بأمواله فى النهر، لأسباب عدة.
فالناشرون كانوا يرون أن مضمون الكتاب القابل للبيع هو الكتاب العلمى، لأنهم يدخلون فى اتفاقيات مع إدارات المكتبات الجامعية والمدرسية فى العالم العربى كله، كما أن معارض الكتب كانت قليلة، لكن البيع فيها كان كبيرًا، سواء للأفراد أو لمؤسسات مثل المكتبات.
أما الرواية فتعتمد على الذائقة، والذائقة الفردية لا يمكن الاعتماد عليها فى بيع الكتاب، والأمر الثانى أن الجوائز الموجهة للرواية لم تكن موجودة، باستثناء الجوائز الوطنية، وكانت قيمتها ضعيفة للغاية.
ظلت الكتابة الأدبية على هذا الحال حتى نهاية القرن العشرين، ومع ظهور جوائز الخليج التى كانت قيمتها ضخمة، بدأت حركة النشر الروائى تتنامى بسرعة مدهشة، وأصبح نشر الرواية أعلى مقامًا من النشر العلمى.
أظن أن الحاج إسماعيل العربى اتصل بى الساعة الثانية عشرة ليلًا، وكنت حينها أعمل بجامعة الدول العربية فى إحدى منظماتها بالقاهرة، وأعمل أحيانًا لوقت متأخر، تركت ما بيدى وذهبت إليه، كنت أقلب فى النسخة كمن يقلب فى مصباح علاء الدين، هذا هو إحساسى وقتها.
ومع ذلك، فأنا أعتبر أن نشر الرواية الحقيقى بالنسبة لى بدأ مع رواية «دماء أبوللو» عام ٢٠٠٧.

■ ما اللحظة الفاصلة التى جعلت روائيًا يتخلى عن عزلة الأدب ليغوص فى علوم الذكاء الاصطناعى وقواعد البيانات وعلم المعلومات؟ هل كان قرارًا مخططًا أم مصادفة قدرية؟
- الحقيقة أن اختيارى العلمى واختيارى كتابة الرواية كانا اختيارًا مخططًا له تمامًا منذ كنت أعمل خارج مصر، فى ذلك الوقت كنت أعمل فى منظمة «اليونسكو» بالكويت وصحيفة «الوطن» هناك، وكنت أنشر قصصًا قصيرة ومقالات فى الأدب فى الصحيفة.
وأتذكر اليوم الذى نُشرت فيه أول قصة قصيرة لى، وكانت مصحوبة برسم بطول الصفحة، كان ذلك عام ١٩٨٧، أدركت حينها أننى يجب أن أعيش بين دفتى كتاب، نصفه الأول عن العلم والنصف الثانى عن الأدب.
وخططت حينها أن أستكمل الماجستير والدكتوراه، وأن أنشر أول رواية مع أول كتاب علمى، لم يسر ما خططت له كما أردت، لكن كتاب «الذكاء الاصطناعى فى المكتبات» صدرت منه ٢٤ طبعة تقريبًا أو أكثر، وكتبته عام ١٩٩٦.
وبعده بسنوات صدرت رواية «التساهيل»، ومن هنا تحددت ذائقتى نحو العلم والفن والحياة.
■ لماذا اتجهت إلى دراسة المكتبات ولم تتجه إلى دراسة الأدب، حيث قسم المكتبات لم يكن من الأقسام المعروفة فى الجامعات فى السبعينيات؟
- هذا الموضوع له حكاية بدأت فى بداية السبعينيات، كنت مهجّرًا من مدن القناة إلى القاهرة، وأسكن أمام جامعة القاهرة مباشرة، وبدأت العمل مبكرًا.
ويشاء القدير أن أعمل فى مطبعة الأهرام عام ١٩٦٩، فى الأهرام عرفت مجلات الكوميكس، ثم قصص المغامرات، ثم إسلاميات جرجى زيدان، وانطلقت بعد ذلك إلى نجيب محفوظ ويوسف السباعى وإحسان عبدالقدوس، ثم الأدب الغربى.
كان يعمل فى الأهرام فى ذلك الوقت صفوة كتاب مصر، وفى إحدى سهراتنا الليلية فى العمل، وكنا فى الشتاء، التقيت مصادفة الأستاذ هيكل، وكنت جالسًا أقرأ فى مجلة أظن أنها «تان تان»، وبعد حوار قصير معى، رسم لى مستقبلى فى الأهرام ككاتب متخصص فى النشر والكتابة والمكتبات.
حينها كان هيكل رائدًا فى الصحافة المتخصصة، بمعنى أنه نجح فى استقطاب مهندسين وأطباء وعلماء اجتماع وغيرهم للكتابة فى الأهرام فى قضايا متخصصة، بل تابعنى فى «آداب القاهرة» لأدخل قسم المكتبات، وهناك اكتشفت عالمًا واسعًا للغاية.
وأدركت قيمة المكتبة فى الحياة الإنسانية، وقيمة الكتاب فى التاريخ، وكيف أن نشر الكتب يعبر عن مستوى الأمة العلمى والثقافى، كان ذلك هو السبيل أمامى للعمل فى مؤسسات إقليمية ودولية بعد تخرجى مباشرة.
ثم أعادنى من الخارج مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار التابع لرئاسة مجلس الوزراء، فعدت إلى مصر واستكملت دراساتى، وعدت إلى الجامعة، ومرة أخرى إلى الأمم المتحدة.

■ فى رأيك ومع عودة الدراسة، إذا كان الطالب يستطيع اليوم أن يسأل الذكاء الاصطناعى عن أى معلومة، فما الدور الذى يجب أن تؤديه المدرسة والمكتبة؟
- استخدام الذكاء الاصطناعى فى الحصول على معلومة لا مشكلة فيه، لكن المشكلة فى استخدامه فى كتابة المعلومات.
قلت من قبل إنه لا بد من أن تكون القراءة هى الحد الفاصل بين الجهل والعلم، وبين الأمية والثقافة، وبين العادية والإبداع، يمكنك التعامل مع الذكاء الاصطناعى حين تعرفين ما هو الذكاء الاصطناعى.
لم يُخترع الذكاء الاصطناعى لكتابة المقالات والكتب، الذكاء لن يخترع فكرة، ولن يطورها إذا لم تكن مبدعًا وواعيًا وقارئًا جيدًا، هذه نقطة حاسمة فى الموضوع.
أمريكا واليابان والصين وبريطانيا وروسيا لم تتخلَّ عن المكتبات، بالعكس، ما زالت تنفق المليارات عليها، ولو كان صحيحًا أن هذه المؤسسات انتهت، لأغلقوها، وربما حرقوها، لكن ذلك لم يحدث، ولن يحدث.
دون وعى وعقل نقدى وإرادة إنتاج معرفة، لن نتحرك إلى الأمام، وهذه السمات الثلاث ترتبط بالمكتبات وقواعد البيانات، الذكاء الاصطناعى يمكن أن يسهم فى الحياة الإنسانية بشكل كبير إذا امتلكنا الخصال الثلاث التى أشرت إليها، لا حياة للإنسان اليوم دون مكتبة، ودون مدرسة، ودون تعليم حقيقى وصحيح.
■ سبق أن ذكرت أن مكتبة العاصمة الإدارية الجديدة تستعين بشكل كبير بالذكاء الاصطناعى.. كيف سيظهر ذلك عمليًا مع افتتاحها؟
- ستعتمد المكتبة بشكل كبير على الذكاء الاصطناعى فى تطوير خدماتها الرقمية وإتاحة المعرفة، بما يتناسب مع طبيعتها كمكتبة ذكية حديثة.

■ كيف نمنع الذكاء الاصطناعى من تقديم معرفة عربية مشوهة أو منحازة بسبب اعتماده على مصادر أجنبية؟
- إنتاج المعرفة باللغة العربية أقل من ١٪ بالنسبة إلى اللغات الأخرى، فالإنجليزية ٥٠٪، والصينية ٨٪، وتتوزع بقية اللغات على الباقى من هذه النسبة.
وهو ما يعنى أن أى تطبيق ذكاء اصطناعى يقدم أمام كل كلمة عربية- أو أقل من كلمة- ٩٩ كلمة من ثقافات أخرى، فهل يمكن أن نتحمل تكلفة ذلك؟ إن هذا يعنى عدة أمور: هشاشة معرفية عربية، وتعرّض العرب لأفكار وثقافات لا تناسبهم، وترسيخ مفاهيم الاستعمار الرقمى، وبناء أجيال فاقدة للهوية، وتراجع مفهوم الوطنية.
فإذا كان المواطن العربى يتعرض للتجهيل، فإن ذلك ستكون له آثار سلبية مؤسفة على الجميع، والتجهيل يبدأ من ضعف الإنفاق على التعليم وسيادة تطبيقات الذكاء الاصطناعى، وهو ما يعنى تراجع المواطن عن شواطئ الوطن، مع انحيازات متعددة: ثقافية وسياسية واجتماعية ولغوية ونفسية وسلوكية وفكرية، هناك عشرات من الانحيازات الدفينة.
■ كيف يمكن حماية حقوق المؤلف والناشر فى عصر يستطيع فيه «الذكاء الاصطناعى» نسخ النصوص وإعادة إنتاجها خلال ثوانٍ؟
- من أيام أعلنت شركة تطبيق ذكاء اصطناعى عن نجاح هذا التطبيق فى حل مشكلة رياضية عمرها ٩٠ عامًا، وبعدها بساعات خرج أحد العلماء ليقول إن هذا التطبيق سرق الحل منه ونسبه إلى نفسه.. هذه أولى قضايا الملكية الفكرية التى لم نتخيل أننا سنصل إليها يومًا.
وإذا تابعتِ فى الصحف والمجلات العامة الإنجليزية والفرنسية، فسنجد عشرات القضايا التى رفعها مؤلفون وناشرون وصحف على شركات «الذكاء الاصطناعى» التى استخدمت مواد هذه المؤسسات فى تدريب هذه التطبيقات دون الرجوع إلى أصحاب ومالكى هذه المواد والمصادر.
بينما حكمت المحاكم هناك على الشركات بتعويضات تعدت عشرات المليارات، خلال عامى ٢٠٢٥ وما مر من عام ٢٠٢٦، وهو ما دفعنى للمشاركة فى تحقيقات ضخمة لاستكشاف تفاصيل هذه القضايا واستجلاء حقيقة الأمر، بالتعاون مع اتحادات الناشرين وهيئات الملكية الفكرية وجمعيات الصحف والنقابات القضائية والبرلمانات العربية والدولية.
المشكلة تتفاقم كل يوم، وهو ما دعا المحاكم الأمريكية وغيرها إلى استحداث قوانين جديدة لمكافحة هذا النوع الجديد من القرصنة الفكرية.

■ ما الذى تستطيع لجنة الكتاب والنشر بالمجلس الأعلى للثقافة تقديمه فعليًا للناشر والمؤلف، بعيدًا عن الندوات والتوصيات؟
- منذ اليوم الأول لنا فى لجنة الكتاب والنشر، آلينا على أنفسنا أن تكون هذه إحدى القضايا الرئيسية على أجندة لجنة النشر وصناعة الكتاب، وتحت مظلة المجلس الأعلى للثقافة.
عقدنا فى ذلك جلستين، وسنعقد على هامش معرض الكتاب الدولى بالقاهرة، فى يناير المقبل، مؤتمرًا عن «الذكاء الاصطناعى» والنشر وحقوق الملكية الفكرية.
الجلسات التى عُقدت تمت بالاتفاق مع اتحاد الناشرين، وتواصلت مع رئيسة الاتحاد الدولى للناشرين، السيدة جفانتسا جوبافا... ودعينى أقتبس من كلمات حوارنا معها.
قالت: «التحدى المتعلق باستخدام الذكاء الاصطناعى هو ما يُسهم بشكل كبير فى مخاوف صانعى السياسات المتعلقة بالكتاب والنشر من التخلف عن ركب الذكاء الاصطناعى، وهو شعور تستغله شركات ومروجو الذكاء الاصطناعى للمطالبة بتقويض حقوق النشر».
وأضافت: «شهدنا بين عامى ٢٠٢٥ و٢٠٢٦ مجموعة من المبادرات فى عدد من الأسواق لرقمنة مجموعات المكتبات الوطنية، أو للاستفادة من إجراءات الإيداع القانونى. ورغم أننا نتفهم ذلك، فإن رغبة أى دولة فى ضمان عدم تخلف مواطنيها عن ركب ثورة الذكاء الاصطناعى لا يجب أن تتم أبدًا تحت أى ضغوط. كما أن التعاون مع الناشرين ودعم القطاعات الإبداعية المحلية واحترامها هو السبيل الأمثل لتحقيق أسرع النتائج وأفضلها».
ألخص ذلك ببساطة: «لا يمكن أن نتعامل مع شركات الذكاء الاصطناعى دون حدود قانونية واضحة تحافظ على الملكية الفكرية وحقوق الناشرين وحقوق المجتمع»، وهو ما دعا كثيرًا من المؤسسات مؤخرًا إلى دعوة شركات «الذكاء الاصطناعى» إلى إبطاء تطوير هذه التطبيقات لأسباب كثيرة.
■ بعد عقود من العمل فى المكتبات والمعلومات، ما أكثر شىء تغير فى علاقتك أنت شخصيًا بالكتاب؟
- كل يوم، بل كل ساعة، تتزايد وتتعمق علاقتى بالكتاب، هناك ذكريات كثيرة تتعلق بكيف تطور وعيى الثقافى والعلمى وعلاقتى بالكتاب. هناك محطات فى حياتى أدركت فيها أن الكتاب لم يكن مجرد رفيق للطريق، بل كان مساعدًا ملهمًا، وصديقًا يتألم ويضحك ويفكر معى.
لقد بدأت علاقتى بالكتاب صدفة، لكنها لم تنقطع إلى الآن، وكل محطة كان لها تأثير على شخصيتى، فى علاقتى بأساتذتى وزملائى وتلاميذى والمثقفين والبسطاء.
محطات، مؤشرات، وهو تعبير استخدمه أورهان باموق، الكاتب التركى الحائز على «نوبل» فى الرواية، حين تحدث عن علاقته بالكتاب، استخدم مصطلح «Index» بالإنجليزية ليعنى «محطة توقف عندها»، ثم توسع وقال: «أى صورة وُقرت فى عقلى وذاكرتى كانت مؤشرًا، توقفت عنده طويلًا وفكرت فى كل شىء فى الحياة».
يمكننى أن أقول لك: طوفان من العناوين جعلنى فى كل مرة أعيد التفكير فى الحياة والعالم وموقف كل منا نحو أى شىء. كان من ضمن الداعمين للحياة الكتاب، أقول لكل من أعرف: «لا تخف من الفقر ما دمت تقرأ، إنه أفضل طريق للخروج من مأزق الفقر والحياة».

■ كيف ترى الفجوة بين المكتبات العالمية والبيئة العربية فى تطبيق «الذكاء الاصطناعى»؟
- ليست هناك فروقات كبيرة بين المكتبات العربية والعالمية، أو الغربية إن كنتِ تقصدين، على مستوى تصميمات العمارة والعاملين فى المكتبات والنظم المستخدمة. ربما تكون هناك فروق هامشية فى الإدارة، وفروق كبيرة فى الموازنات وبيئات العمل، أو عدد القراء، أو فى الخدمات الجديدة.
بعض مكتبات المدن العربية تساوى مكتبات الغرب، لا تنقصنا الثقافة ولا العلم ولا الكتب، تنقصنا الموازنات، والعلاقة مع قيادات المؤسسات التابعة لها المكتبات من المحيط إلى الخليج.
■ هل يتحول أمين المكتبة التقليدى إلى رقمى؟ وما مصير دوره المستقبلى؟
- سيكون دوره أعمق، بمعنى توفير خدمات جديدة، وتوفير المعلومات، وتدريب القراء. لن ينتهى دور اختصاصى المكتبات فى مجتمعات تبحث وترغب وتريد التقدم. من الأدوار الجديدة لهم أنهم مؤهلون لقيادة عمليات البحث والتطوير فى الشركات والوزارات والمؤسسات، ومن المهم أن يجيدوا معرفة كل أدوات البحث وكل تطبيقات «الذكاء الاصطناعى».
■ ما خطة لجنة الكتاب والنشر لمواجهة ارتفاع أسعار الورق وأزمات النشر؟
- نحن نقترح فقط ونقدم المقترحات للمجلس الأعلى للثقافة، ونوصى بإرسالها إلى وزارات ومؤسسات محددة. فعلنا ذلك مع أكثر من ندوة وتقرير ناقشناه.
هناك ارتفاع فى أسعار الورق وتضخم يفوق قدرة القراء والمستهلكين للكتب، فى العالم كله وليس فى مصر فقط.
نحتاج إلى خطوط وسلاسل توريد للورق مستدامة مع دول صديقة لا تؤثر فيها الحروب والمنازعات، وإلى تخفيض الضرائب على استيراد الورق، والسماح بصناعة للورق تُراعى فيها المعايير والمستويات الأوروبية، لأنها أقرب سوق إلينا.
علينا أن نقوم بما قامت به الصين فى الصناعة والتكنولوجيا، وأن تقوم المطابع المصرية بالطباعة للناشرين الأوروبيين، مع إزالة الجمارك ووفق المعايير الأوروبية، وعدم توقف معارض الكتب أو نقلها إلى دول أخرى، لأنها مصدر رزق لجميع العاملين فى هذه الصناعة.
■ لماذا تتأخر المؤسسات الرسمية فى إطلاق منصات رقمية وطنية للكتب والأبحاث؟
- العالم العربى كله، ولا أريد أن أقول نحن فقط، يعانى بشدة من هشاشة إنتاج المعرفة، عدد عناوين الكتب التى تُنشر فى مصر ما زال أعلى من أى دولة عربية، حتى فى سنوات تراجع الموازنات.
هناك أسباب عديدة: الإنفاق على الثقافة ليس من الأولويات، رغم أن الثقافة هى المحرك الذى يقود التقدم العلمى والاقتصادى، والإرادة فى تغيير المجتمعات ما زالت دون المأمول، وعدم وجود جدوى واضحة للإنفاق الثقافى.
ومع ذلك، إذا ألقيتِ نظرة على أى دولة متقدمة، ستجدين أن اهتمام قادة هذه الدولة بالثقافة يدفع الشعب إلى هذا الاهتمام، أى أن العمل وفق مبدأ توافر النموذج يدفع الناس إلى تقليد النموذج، إنه مبدأ بسيط فى علم النفس.
وبالنسبة إلى إطلاق منصات رقمية وطنية، فقد كان لدينا من نجح فى ذلك، وبخروجه من موقعه توقفت المنصة، ربما تكون أهم مشكلة عربية هى عدم استدامة الاستراتيجية والنموذج، «هاتِ لى مؤسسة واحدة فى العالم العربى تنتهى باستراتيجية كمية، للأسف لن تجدى». ليس من صالح أى مسئول أن يضع استراتيجية لها رقم محدد، لأنه سيُحاسَب عليها.
السياسات لا تُبنى إلا بأرقام وفاعلية وتأثير، إذا لم تكن للمؤسسة استراتيجية، فمعنى ذلك لا فاعلية ولا تأثير، ومن ثم ننسى.
■ هل تؤمن بأن المستقبل القريب سيشهد اختفاء الكتاب الورقى تمامًا لصالح المعرفة الرقمية الذكية، أم أن هناك علاقة تعايش مستدامة بينهما؟
- دعينى أعترف بخطأ ارتكبه كل علماء المستقبليات فى بداية الألفية الجديدة، حين توقعوا انتهاء الكتاب الورقى عام ٢٠٤٥. بل قامت بولندا، على سبيل المثال، ببناء مكتبة من أوراق الشجر، ووضعت فيها آلاف العناوين على أن يُعاد افتتاحها عام ٢١٠٠. الكتاب الورقى لن ينتهى إلا بظهور جيل لا يقرأ الكتب، وأظن أننا ما زلنا نبحث عن هذا الجيل الواعد.
■ هل لديك كلمة تود أن توجهها للجمهور؟
منذ كتب ألفين وهايدى توفلر كتبهم الثلاثة: «صدمة المستقبل»، و«الموجة الثالثة»، و«تحول السلطة»، فى نهاية السبعينيات، ومعهم تقرير جان فرانسوا ليوتار عن «حالة ما بعد الحداثة: تقرير عن المعرفة»، أدركت مستقبلى.
لذلك اخترت معرفة الآلة. أعمل فى حقل «الذكاء الاصطناعى» منذ الثمانينيات، عرفته فى مانشستر عام 1981 فى زيارة إلى هناك، وتألفت معه فى منتصف الثمانينيات، وأعلم حدود الإنسان وحدود الآلة وما وراء حدودها، وقرأت أعمال إسحاق أسيموف فى القصة القصيرة، ولدى المخاوف نفسها، علينا أن نقف لنحدد ما نريد، لا يمكن أن تتطور الآلة على حساب البشر.
إنها صرخة أطلقها من منبركم: «وقفوا الآن قبل أن توقفكم الآلة». بدأت المبادرات التى تدعو إلى إيقاف أو إبطاء تطوير «الذكاء الاصطناعى» تكتسح العالم وشعارها: «رفقًا بالبشرية»







