خلاصة تجربتى.. ليس عليك أن تكتب كل يوم لتكون كاتبًا حقيقيًا
- نتخبط نحن فى الحضيض ونؤمن أيضًا بأن سائر العالم هو من يتخبط
- أؤمن بأن لكراهية الذات فوائدها إذا عرفت كيف توجهها
منذ سنوات حين كنت أدرس فى مرحلة الدراسات العليا، كان رأسى مكتظًّا بقواعد كتابة الرواية، أوامر صارمة من الأساتذة أو الزملاء، وبعض التصورات الحمقاء التى اخترعتها بنفسى.
كانت تلك القواعد وليدة قلق ذلك الزمان والمكان، ما بين عامى 1988 و1990، فى ورشة آيوا للكُتَّاب. فكثير من نصائح الكتابة يخرج من رحم مخاوف عصره؛ وبعد ثلاثين عامًا، سيبدو بعض ما يُعدُّ اليوم من النصائح الشائعة عتيقًا وخاطئًا.
قيل لنا أو قلنا لأنفسنا أشياء كثيرة. مثلًا علينا أن نسعى إلى كتابة خالدة لا يعتريها الزمن. ألَّا نُدرج علامات تاريخية شديدة التحديد، وألَّا نكتب ما يمكن أن يُنظر إليه بوصفه ابن اللحظة وحدها. هكذا، كما توهَّمنا، لن يصبح عملنا عتيقًا. كأن بوسعنا منع ذلك أصلًا! كان لى زملاء يقولون إن الأدب ينبغى ألا يكون سياسيًّا، ويرددون فى كل مناسبة: «اعرض ولا تشرح»، أو «اكتب عمَّا تعرف»، أو «اقتل أعزَّ ما لديك».
كان الناس يكررون عبارة «اعرض ولا تشرح» إلى حدٍّ صارت معه تحمل نبرة تهديد جماعى، كأنها شىء يعرف الجميع أنه واجب لأن أصحاب النفوذ قالوا ذلك. فالوشاة ينالون جزاءهم. وما زلت حتى الآن لا أعرف على وجه الدقة ماذا تعنى العبارة أصلًا.
«اكتب عمَّا تعرف»، والمعنى الضمنى: لعلَّك لا تعرف شيئًا أصلًا. والمعنى الضمنى أيضًا إذا لم تكن حياتك مثيرة للاهتمام، فلن تستطيع أن تكون كاتبًا.
«اقتل أعزَّ ما لديك»، إذا أحببت شيئًا، فاقتله. وإذا عاد إليك، فاقتله مرة أخرى.
صحيح أن مثل هذه النصائح تثبت قوة اللغة؛ فهى تبدو مقنعة رغم أنها خاوية من المعنى. وما زلت أستطيع أن أستحضر وجوه الأشخاص الذين قالوا لى هذه الأشياء- كما يستطيع بعض زملائى بلا شك أن يستحضروا وجهى وأنا أقول شيئًا جاهلًا- لأن ذلك كان منذ زمنٍ بعيد. لقد صارت ضغائنى أحافير؛ محفوظة بتفاصيلٍ دقيقة لا تلين ولا تتبدَّل.

لقد أحببتُ مرحلة الدراسات العليا، كوَّنت فى آيوا صداقات عزيزة لا تزال غاليةً علىَّ، سواء ظللنا على تواصل أم لا. كنا نأخذ بعضنا بعضًا على محمل الجد، ولا شىء أفضل من ذلك. وربما تكون هذه نصيحتى الأولى للكُتَّاب الشباب، اعثروا على أكثر الكُتَّاب اجتهادًا ممن تعرفون، وخذوا بعضكم بعضًا على محمل الجد.
ينبغى أن تتخلَّص من الضغائن متى استطعت. فإذا بقيت رغم كل شىء فغالبًا هى تعنى شيئًا. استخدمها.
عندما أتحدث فى برامج الكتابة وأقول بثقةٍ إن ليس كل كاتبٍ يحتاج إلى أن يكتب كل يومٍ، وإننى لا أفعل ذلك، لا بدَّ بعد ذلك أن يأخذنى أحد أعضاء هيئة التدريس المقيمين جانبًا ليقول: «من المثير للاهتمام حقًّا أنك لا تكتبين كل يومٍ! لكننى أعتقد فعلًا أن الكُتَّاب مضطرون إلى ذلك».
تلمع عيونهم بذعرٍ. لقد أصدروا هذا الإعلان على طلابهم، الكُتَّاب الحقيقيون يكتبون كل يوم. فلماذا لا أقول ذلك ببساطةٍ؟ لأننى لا أؤمن به، ولم أستطع قط أن ألتزم به. لم أكن يومًا بارعة فى تحويل أى شىء فى حياتى إلى وظيفةٍ، بما فى ذلك وظائفى الفعلية. أفعل دائمًا أكثر مما ينبغى أو أقل ؛ إما أن أندفع إلى التطوُّع فوق طاقتى، أو أتهرَّب من العمل. لم أكن يومًا شخصًا يعرف الاعتدال رغم أننى حاولت.
أحيانًا أكتب كل يومٍ لعدة أشهر، لكن من دون أى إحساسٍ بالتوازن. هل الأمر نفسى أم عصبى؟ كنت أظنه كسلًا، وأتعهد باستمرار أن أبدأ حياتى الجديدة المنضبطة غدًا، كنت أقول لنفسى حسنًا يوم الإثنين إذن. حسنًا فى أبريل. لقد حاولت فعلًا.
حين كنت شابة وأكافح لأكتب أدبًا قصصيًّا مثيرًا للاهتمام كل يوم، كان كل صباح مشوبًا بالقلق: يوم آخر قد أفشل فيه فى الجلوس بجدية إلى العمل.
ومع ذلك أصرُّ على الاعتقاد بأننى كاتبةٌ حقيقيةٌ. لم أشك يومًا فى أننى كذلك. نعم شككت فى عملى، وفى أخلاقيات عملى وسمعتى، لكن لا فى هويتى. أنا أكتب؛ إذن أنا كاتبة. وكل مؤهلاتى أننى أقول ذلك.
أفهم أن هذا قد يبدو فى الوقت نفسه خفيفًا على نحو مستفز ومخيفًا. قد تظن أنه سؤال فلسفى: هل أنا كاتب حقيقى؟ كما حدَّد مدير برنامج الدراسات العليا الذى كنت فيه منذ زمنٍ بعيد، وقد أفزعنا جميعًا بذلك؟

هذا من نوع الأسئلة وهى كثيرة التى تبدو عميقة، لكنها لا تفعل إلا إضاعة الوقت. إنه سؤال ثنائى الإجابة، وباستثناء سؤال «أكون أو لا أكون»، لا يكون أى سؤال ثنائى مثيرًا للاهتمام إلى هذا الحد، على الأقل قبل أن يُجاب عنه.
إذا سمَّيتَ نفسك كاتبًا، سواء كتبت فى ذلك اليوم أو ذلك الشهر أو تلك السنة أم لم تكتب، فإنك تخرج إلى العالم بوصفك كاتبًا. كل ما تراه يصبح أكثر إثارة للاهتمام بفضل روح الكاتب فيك، تلك الروح التى تلتقط وتقتنى. عرضٌ مدرسى فى المرحلة المتوسطة لمسرحية «الفرسان الثلاثة»، يرتدى فيه الممثلون أردية مستأجرة باهظة الثمن، وقبعات مزينة بريشٍ رخيص اشتروها من متجر، مع سراويلهم الرسمية الضيقة الخاصة، وأحذيتهم الرياضية السوداء وأحذيتهم المسطحة الراقصة. منقذٌ شابٌّ نمت أظافره المطلية بلون داكن وابتعد الطلاء عن جذورها، كأقمارٍ آخذة فى الامتلاء. رجلٌ فى متجر البقالة يقول فى هاتفه، بصوتٍ مفعم بالحب: «أنتِ مجنونة. أنتِ مجنونة. أنتِ مختلَّةٌ رسميًّا»، زميلةٌ أصبحت الآن منضبطة ومملة، تستعيد ذكرياتها عن أيام مراهقتها حين كانت تستنشق طلاء الدهان.

لستَ مضطرًا إلى تدوين أىّ من هذا. يمكنك ذلك. فيمكنك أن تحمل دفترًا صغيرًا؛ وإن كنتَ تتذكر أن تحمله معك، فأنت أفضل منى. أن تعتبر نفسك كاتبًا وأنت تتحرك فى العالم هو- وأنا مؤمنة بذلك حقًّا- طريقة جميلة للعيش، شكل من أشكال الانفتاح الذهنى، حتى فى الأزمنة القاسية. ها هى الحياة، تمضى من حولك فى كل مكانٍ. وهذا فى ذاته شكل من أشكال الكتابة؛ إذا فعلته، فأنت كاتب. وعلى الأرجح سيقودك ذلك إلى وضع كلمات على الصفحة، ولو بضع كلماتٍ، لكن حتى إن لم يحدث، فقد يجعلك تشعر بأنك حى، ومحظوظ. حظٌّ يمكنك أن تصنعه بنفسك.
الكثير من الكتابة القصصية خدعة من خدع العقل. والحياة فى جانب كبير منها، كذلك أيضًا لكن خبرتى الوحيدة هى فى الكتابة القصصية.
كثيرون يتحدثون بازدراءٍ عن أسئلة «القلم والورق» التى تُطرح بعد القراءات الأدبية، ويقصدون بها الأسئلة العامة الآلية من قبيل هل يمكنك أن تخبرنى عن طريقتك فى الكتابة؟ هل تكتب بخط اليد أم على الكمبيوتر؟ فى أى وقتٍ من اليوم؟ هذه أسئلة ملموسة عن العمل لا عن الفن، يمكن الإجابة عنها، أو الاعتراض عليها. نحن الكُتَّاب نؤمن بأن الجميع غيرنا يفعلون الأمر بالطريقة الصحيحة، بينما نتخبط نحن فى الحضيض؛ ونؤمن أيضًا بأن سائر العالم هو من يتخبط، وأننا وحدنا نعرف الطريق الحق.

اطرح على نفسك أسئلة «القلم والورق» تلك، كأنك فى الوقت نفسه فرد من الجمهور والكاتب الضيف.
أو فكر فى نفسك بوصفك تجربةً علمية. جرب كل شىء لترى إن كان ينجح: الاستيقاظ مبكرًا، السهر ليلًا، الأقلام الجميلة، الأقلام الرديئة، تطبيق الملاحظات على هاتفك، التسجيلات الصوتية. استمع إلى الضوضاء البيضاء أو إلى الموسيقى. بعض هذه التجارب لن يكشف لك إلا ما لا يصلح لك. اجعل مساحتك مهيأة للعمل قدر الإمكان. فى سنة من السنوات - سنة كاملة من حياتى! - لم أكتب إلا القليل للغاية لأننى كنت أعيش وحدى فى شقةٍ واسعة، فى مكان لم يستقبل زائرًا واحدًا قط، وكنت قد حشرتُ مكتبى فى زاوية غرفة نومى بجوار مدفأةٍ من الحديد المصبُوب، بطريقةٍ كانت تجعلنى أضطر إلى التسلق لأصل إلى الكرسى. كانت هذه الصعوبة تعنى أننى نادرًا ما كنت أجلس إلى مكتبى لأكتب. وبالطبع لم أكن أجلس أبدًا بلا غرضٍ على كرسى المكتب لأقرأ كتابًا، وهى خطوة أساسية فى طريقتى. وحين انتقلت إلى بيتٍ آخر، بعيدًا عن المدفأة، بدأت الكتابة فورًا. قد يكفيك أن تحرِّك الأثاث.
اجعل العملية وحدها مسابقة بينك وبين أصدقائك الكُتَّاب وأصدقائك فقط، كم من الوقت تعمل، وبأى جهدٍ. ما نظام تدوين الملاحظات الغريب والمعقَّد الذى تعتمد عليه، وما جمال دفاترك ووسواسك بها. ألواحٌ بيضاء، ألواح جرائم، ألواح مقبلات، أيًّا يكن ما يشعل الكتابة. تبادل المناكفات. وتباهَ بنفسك، وتحدّْ. قلتُ ذات مرة لصديقٍ إننى فى أحد الأيام عملت بجدٍّ شديد حتى أخفتُ نفسى، فرأيت فى عينيه خوفًا مماثلًا- لقد أخفته هو أيضًا- وهذه واحدة من ذكرياتى المفضلة عن الكتابة.
الكُّتاب الذين يكتبون كل يومٍ لديهم إجابة واضحة عن السؤال: كيف ستنجز العمل؟ أما أنا، فأُسخِّر قوة كراهيتى لنفسى.
كراهية الذات سلعة رائجة بين الكُتَّاب. لو كان هذا كتابًا مبتهجًا عن حرفة الكتابة، لقال لك إن عليك أن تسامح نفسك قبل أن تكتب، وإن الكتابة صعبة. لكننى أؤمن بأن لكراهية الذات فوائدها، إذا عرفت كيف توجهها. لا تفكِّر بالأيام، بل بالأسابيع أو الشهور.. مدة زمنية تريد أن تنجز فيها عملًا. لنقل إنها أربعة أشهر. أنت تعرف أن لديك وقتًا كافيًا فى هذه الأشهر الأربعة لتجمع بعض الصفحات، حتى لو كنت لا تعرف، من أسبوعٍ إلى آخر، أين ستجد تلك الساعات أو الدقائق. قرَّر ما الذى تود إنجازه. اجعله طموحًا إلى حدٍّ جنونى، أكثر مما تظن أنه معقول.
فكِّر كم سأغضب إذا لم أنجز هذا؟ كم سأكره نفسى؟ سافر إلى المستقبل فى ذهنك؛ اجعل نفسك تشعر بذلك حقًّا. أدخل نفسك فى جسدك هناك وتحمَّل الأمر.. البؤس، ولوم الذات، والعار.
عُد بالزمن إلى اللحظة الحالية. أدرك أنك تستطيع تجنُّب هذه المشاعر الفظيعة.. كل ما عليك فعله هو أن تعمل، وليس كل يومٍ. بالنسبة إليك- وبالنسبة إلى بعض الناس- فإن تقسيم الوقت إلى حصصٍ يومية قابلة للإدارة، كما تقتضى الكتابة اليومية، لا يكون مفيدًا. تذكَّر ما تريد تجنُّبه.. ذلك الشعور المثير للغثيان بأنك أهدرت كتلةً من الوقت.
حين تنظر إلى فترةٍ ممتدة من الوقت، يمكنك أن تسمح لنفسك بطموحٍ أكبر، بل مبالغ فيه. فإذا كان هدفك غير معقولٍ وقصَّرت عن بلوغه، فلن تشعر بسوءٍ كبير؛ أما إذا كان هدفك متواضعًا ولم تحققه، فسوف تتحطَّم.
هذه الطريقة هى السبيل الوحيد الذى أستطيع به إنجاز العمل.
فى السنوات القليلة الماضية، صار الناس مولعين بعبارة «متلازمة المحتال» . قد يقول كاتب شاب: «أنا أعانى من متلازمة المحتال»، قاصدًا أنه لا يستحق ما حققه، أو فى أسوأ صورها، أنه يخشى أن يجرؤ على المحاولة. كأن هذا ليس هو الشرط الإنسانى نفسه. تبدو «متلازمة المحتال» شيئًا مذهلًا. لا بد أنها تأتى مع عباءة وأنف مستعار وقدرة على إجراء الجراحة من دون ترخيصٍ طبى. لكنها تعنى فى الحقيقة: الخوف من الفشل. وتسميتها متلازمة بدلًا من شعور توحى بأنها شىء لا يمكن العبث به. ليست مشكلة تُحل، بل شيء سيلازمك إلى الأبد.
ليس الأمر أننى بلا تعاطفٍ. لا، من الواضح أننى كذلك فقد قلت لتوى إننى لم أشك يومًا فى أننى كاتبة حقيقية، وهذا صحيح. كل ما فعلته أننى شككت فى كتابتى وكرهتها، ووبَّخت نفسى بقسوةٍ لأننى لم أعمل بجدٍّ أكبر.
لا تحوِّل ما يمكن حسمه بقرارٍ إلى رحلة من الشكوك. هذه نتيجة تابعة لفكرة أن أى سؤال ذى إجابة ثنائية ليس سؤالًا مثيرًا للاهتمام. إذا حصلت على شىء- مكان فى برنامج للكتابة، أو مجاملة، أو قبول- فلا تتساءل هل كنت تستحقه. هذا سؤال موجَّه إلى الماضى. لقد صار فى يدك؛ إذن فالجواب نعم. وجِّه عينيك إلى المستقبل، وضع قلقك كله فى كتابتك.
أما سؤال: «هل أنا جيد بما يكفي؟» فهو على الجانب الآخر مثير للاهتمام للكتابة عنه. ولن تخسر كثيرًا إن أخذت كل عيوبك الشخصية المقلقة ووضعتها فى شخصياتك. الشعور بالخجل من الكتابة ليس مثيرًا للاهتمام، أما الكتابة عن الخجل فآسرة. الكاتب الغيور قد لا ينجز شيئًا؛ أما الشخصية الغيور فيمكنها أن تدبِّر المكائد وتقتل وتقول أشياء مدهشة. بل قد تكتشف أنك حين تنتزع عيوبك لتستخدمها فى الخيال- كما تُنتزع شظية، أو إبرة نحلة- فإنها لا تعودُ تؤذيك

إليزابيث مكراكِن
- روائية وقاصَّة أمريكية.
- لها ثمانية كتب، من بينها: «بطل هذا الكتاب»، و«متحف التذكارات»، الذى وصل إلى القائمة الطويلة لجائزة الكتاب الوطنى، و«بيت العملاق»، الذى وصل إلى نهائيات جائزة الكتاب الوطنى.
- نُشرت قصصها خمس مرات فى مختارات «أفضل القصص القصيرة الأمريكية»، وفازت بثلاث جوائز «بوشكارت»، وجائزتين من «الجوائز الوطنية للمجلات»، وجائزة أو. «هنرى».
- عملت ضمن هيئة التدريس فى «ورشة كُتَّاب آيوا».







