الثلاثاء 28 مايو 2024
المحرر العام
محمد الباز
المحرر العام
محمد الباز

د. مصطفى محمود يكتب: ظاهرة سلمان رشدى

مصطفى محمود
مصطفى محمود

الذى يستمع إلى الإذاعات الأجنبية يلاحظ أن هناك مادة إخبارية جديدة قد فرضت نفسها يوميًا على الأنباء اسمها كتاب سلمان رشدى، والكتاب فى سطور قليلة عبارة عن سب علنى للإسلام ولنبى الإسلام، وإذاعة لندن قدمت فقرة من الكتاب تحكى عن خيمة للدعارة جميع المومسات فيها بأسماء زوجات النبى عليه الصلاة والسلام، أستغفر الله العظيم من ذلك الإفك واسم هذه الخيمة «الحجاب». 

ومثل هذا الكلام لا يدخل فى باب الرأى أو الفكر الحر الذى يرد عليه، وإنما يدخل فى باب السب العلنى الذى يعاقب عليه القانون، وهو سخرية فجة وتهكم خسيس بديانة عظيمة يدين بها ألف مليون مسلم.

وقد أدى نشر الكتاب إلى ردود أفعال غاضبة حادة عند المسلمين الذين قرأوا أو سمعوا عنه وقامت مظاهرات من المسلمين فى لندن وأحرقت نسخًا من الكتاب واسمه «آيات شيطانية» فى برادفورد وسقط خمسة قتلى فى مظاهرة بباكستان أمام السفارة البريطانية وعشرة قتلى آخرون فى مظاهرة بالهند، وتعالت الاحتجاجات من الحكومات والتنظيمات الإسلامية فى كل مكان وطالبت بسحب نسخ الكتاب من الأسواق وأذاع آية الله الخمينى من إيران تصريحًا أهدر فيه دم المؤلف، وطلع صوت آخر من إيران يعرض أكثر من مليون دولار ثمنًا لمن يأتى برأسه، وصوت آخر من لندن يعرض عدة ملايين أخرى فى رأس الخمينى. 

واختفى الكاتب فى إقامة سرية بلندن وسحبت دور النشر الكتاب من رفوفها تحسبًا للعواقب ثم ظهر الكاتب على الإذاعة ليعلن أنه أسف لما فعله من جرح شعور المسلمين وأنه يعتذر لهم وقال إنه مسلم مثلهم وممكن أن يفهم شعورهم «المؤلف مسلم من أصل هندى وجنسيته بريطانية». 

ورفضت إيران الاعتذار. وقالت الرابطة الإسلامية فى مكة إنه اعتذار فارع وأسف غير ذى مضمون، وأن الأسف الحقيقى هو أن يعترف بالافتراء والزيف الوارد فى الكتاب وأن يرجع عن محاولة نشره، وأن يطالب بسحب النسخ الموجودة إذا كان حقًا يراعى شعور المسلمين. وقالت الرابطة إن الكاتب فعل ما يجب أن يحاكم من أجله كمسلم مرتد وأن يطبق عليه حد المرتد إذا أصر على ما فعل.

إلى هنا وردود الفعل مفهومة بالقياس إلى الإثارة العنيفة التى أحدثها كتاب يشتم الإسلام ويسب نبيه بأسلوب فج ومستفز. أما المدهش والغريب فهو ردود الفعل الغربية على مستوى الحكومات فى إنجلترا وأوروبا وأمريكا والتى وصلت إلى حد الانتفاضة. 

مقال د. مصطفى محمود

فقد تكتل الجميع وراء المؤلف وكأنه نبى جديد يلزم تكريس كل القوى لحمايته من الهمجية الإسلامية، إنجلترا وفرنسا والحكومات الأوروبية بأجمعها، بما فى ذلك السويد، بالإضافة إلى أمريكا تسحب سفراءها من إيران وتطرد قناصل وسفراء إيران وكل ممثليها الدبلوماسيين ومن قبل ذلك نقرأ أن الوفد السوفيتى يرشح سلمان رشدى لعضوية رئاسية فى اتحاد كتاب آسيا وإفريقيا، ثم تصريحات من تاتشر وميتران وبوش بأن ما فعله الخمينى بإهدار دم سلمان رشدى تهديد للقيم الغربية ومظاهرات فى نيويورك تتجه إلى دور النشر وترغم مديريها قهرًا على إعادة الكتاب إلى رفوف العرض وتصريحات من الكاتب الأمريكى نورمان ميلر بأن ما حدث هو بربرية يجب إيقافها عند حدها وأنه عودة إلى محاكم التفتيش بأبوية العصور الوسطى، وأن الحضارة الغربية مهددة فى أشرف ما تملك، والحرية فى أزمة، والعدالة فى مأساة. انتفاضة ومظاهرة وتكتل وتحرك فورى على جميع المستويات، وآخر خبر هو تحرك النقابات والجمعيات الأدبية التى بدأت تكتب المنشورات وتجمع التوقيعات المؤيدة لسلمان رشدى فى كل التجمعات الشبابية.. والانتفاضة مستمرة. وسألت نفسى وأنا فى دهشة: هل هى انتفاضة من أجل الحرية والعدالة حقًا؟ وهل حرية البصق فى وجوه الآخرين هى إحدى الحريات التى نص عليها الدستور الإنجليزى؟ هل يسمح القانون الإنجليزى بسب الملك والملكة؟ وهل هى مشاعر النجدة الإنسانية من أجل رجل مهدد بالقتل؟ إذا صح هذا فلماذا لم تحدث هذه الانتفاضة لنجدة أربعمائة طفل يقتلون علنًا أمام شاشات التليفزيون فى الأرض المحتلة برصاص إسرائيل؟ وكل رصاصة تخرق عيون المشاهدين فى كل مكان من العالم.

أطفال أبرياء يريدون أرضهم، يقتلون بلا ذنب وأمريكا لا تكتفى بالسكوت على الظلم بل تتظاهر معه وتصفع قرارات الأمم المتحدة بالفيتو، ولا أحد ينتفض، ولا دولة تسحب سفراءها من إسرائيل. إذن المسألة ليست انتفاضة من أجل دم بريء مهدد بالقتل، أو حرية غالبة انتهكت وإنما الانتفاضة من أجل أن هذا الدم هو دم رجل يسب الإسلام، ومن أجل هذا يلزم التكاتف لحمايته ويلزم التكتل لنشر كتبه. وإيران كانت تخطف وتقتل وتفجر الطائرات وتحتجز الرهائن، فعلت هذا على مدى سنوات من عمر ثورتها، ولم تحدث مثل هذه الانتفاضة، بل رأينا أمريكا تسترضيها وتعقد معها صفقات السلام وترسل إليها بالصواريخ وقطع الغيار عبر إسرائيل فى حكاية إيران جيت الشهيرة. إن الدم والقتل والخطف سيناريو إيرانى قديم ومستمر ولم يكن ينتفض أحد فلماذا الآن يهب العالم كله على قدميه ليقف وراء الضحية البريئة الجديدة سلمان رشدى؟ 

لأن سلمان رشدى لا يجب أن تمتد إليه يد، لأنه رجل يسب الإسلام ويسفه النبى محمدًا عليه الصلاة والسلام، جهارًا نهارًا، فتجب حمايته، وتلزم حماية مؤلفاته.

إنها نفس الروح البغيضة تجاه الإسلام والمسلمين، هذه المرة مستترة وراء شعارات الحرية والعدالة والتقدم وحماية الأديب ومحاربة البربرية. وينسون تمامًا البربرية الإسرائيلية، بل هم لم يشاهدوها على الإطلاق ويخطئ المتشنجون على الطرف الإيرانى ولاشك، فالإسلام لن يكسب شيئًا بقتل سلمان رشدى، كما أنه لن يخسر شيئًا بتركه حيًا، وكتاب الآيات الشيطانية ليس أول ولا آخر كتاب يسب الإسلام ويتهجم على نبيه وكتب المستشرقين مليئة بالافتراءات والأكاذيب ولم تنل تلك الأكاذيب من عظمة الإسلام ولا من حيويته وانتشاره، والإسلام مازال يغزو القلوب والعقول وهو يتسلل إلى أوروبا ويتخطى البحر إلى الأمريكتين ويدخل إلى الأرض البريطانية سالمًا مسالمًا بلا حروب.

ولا خوف على الإسلام من كلمة ولا من كتاب ولا حاجة به إلى قتل أحد، إنما هى مناسبة نعرف فيها أعداءنا من أصدقائنا، وتتكشف القلوب عما تخفيه، وتنكشف النفوس عما تضمره، ولكن الآن وقد تطور الأمر إلى فتنة سقط فيها خمسة عشر قتيلًا، وبدأ مسلسل القتل وبدأ الدم يطلب الدم فإن يد الثأر الطويلة لا محالة بالغة إلى رأس الفتنة.

الأخبار - 4 مارس 1989