الجمعة 24 مايو 2024
المحرر العام
محمد الباز
المحرر العام
محمد الباز

نص روائى خاص لحرف.. الحلـــم جائحة الجدار لـ حسين دعسة (1-3)

حرف

العالم يقف جدارًا خبيثًا خليطًا من كتل الأسمنت الصلدة والدموع بريقًا يخطف الحلم يمسّد عنق حرير الروح

هَبَطَ سرُّ الشَّمس على هدوء. اليوم الثالث من أيام الحظْر. كنتُ مثل أىّ كائن أحمق، أقفُ فى غرفتى أنتظرُها. غاب ظهر النَّهار، يوم الإثنين ٢٣ مارس، قلبى يضجُّ، فقد حلَّت فى البيت أجواء مشحونة بالتشويش والتوقُّع حول ويلات ما يحدث مع العزلة. تعرَّيتُ، جسمى يتشوَّق إلى حرارة اللّقاء، كأنه الشَّغف «...». تموء قطط ابنتى، تسرق لذة الوقت،، تكشف عن مواء فى شاشات الأجهزة الزرقاء، التى تبث من حولى. 

شبق حيوانى يحرِّضنى، أصابنى غثيان، فقد شاهدتُ صورتى فى المرآة، خرائط وأثلام من لحم بشرى موزَّعة بين الصدر واليد اليمنى، وسحجات غائرة على قدمى اللتين تزدادان بشاعة. 

غاب النَّهار. لم تأتِ. 

خطواتى ماتت فى ظلِّ جسدٍ مشوَّه. عاريًا أقف وسط الغرفة، مجنون إلا ربع!

تتوارد الأخبار على شاشة التليفزيون، عن حظر التجوُّل المفروض فى كل أحياء المدينة. انتبهَتْ القطة الأم إلى جَرَس الإنذار، تلفَّتت، بدَتْ قلقة على مواليدها الجُدُد. 

.. أتذكر ذلك وقد وصلتنى رسائل الأصدقاء من غزة، هناك من كتب لى:

- أنت بعدك عايش، الموت يتمدد، احذر 

ضحكتُ، فقد نثرتُ بعض الأشياء.. وأوراقى، وحدى رأيتُ الهديّة المؤجَّلة.

لمْلَمَ صاحبُنا، بالمناسبة أنا أعرفه جيدًا، عشرات الهدايا، اختارَها، نظر إلى سقف غرفته، هناك مساحة بيضاء، «ماذا عن تلك العين التى ستُبهرها هديّة عيد الميلاد؟».

يراها تتراقص بين نحرها اللؤلؤىّ، ورجرجة يمام يستغيث.

قالت لى، ذات طيف، إنَّها تخاف التعرّى أمام الغيم، تضحك، تدلِّك جسدها بماء الورد، وأملاح الهملايا، وطينٍ نقى من قاع النيل.

لامتنى على موعد غياب القمر، وراء الجدار، ذكَّرَتنى، بأنها تختفى إذا أغضبتُها.

أصبحتُ أخاف الجدار، فأنا مَن رسم فى ظلِّه تلك الخطوط التى تتعربش عليها عارية، تنام على رطوبة حضنى. 

وحده... 

تذكّر، أنَّ العالم يقف جدارًا خبيثًا؛ خليطًا من كتل الأسمنت الصلدة والدموع، بريقًا يخطف الحلم، يمسّد عنق حرير الروح، يتناثر برقّة غرائبيّة، فالعيد مجرَّد لحظة، والبكاء ليل يطول ولا ينتهى.

يتوقَّف طيف العاشق على ساق الياسمين، يدنو من براعم تخجل من بياض القمر.

.. صعقت عندما ركبنا المراكب النيلية، نتجه إلى شاشة متحف دارنا، كانت غزة هناك، تترقب حكايتنا عن جديلة الشعر التى تتأرجح فى المزاد، دعمًا لطريق سريالية، يدعو لإيقاف الحرب. 

قالت: - كل الحروب تقف، إلا حربنا «..» حرب الحرية. 

مثل أى مرارة تحاصركَ، حصاركَ أنْ تمُرَّ من يومك وحظر صورتك. 

ما يتشابه مع الحلم... 

يمُرُّ إبهامى المشاغب على قلق وتأوُّهات تشهق من نظرتى. قلتُ فى سرّى: هذه علبة تزداد جمالًا، تخطُّ نبضها، تنفلّت، تنتفض، على سطحها زخرف الغياب، وتلك المخطوطات عن مقامات الحائر الأبدى، فقد اعتزلت زمان طيفك الذى غسل روحى، جاوز قلقى إلى صحن السيرج الدافئ، كنّا؛ صدرى العارى، وصدرك الغنيّ، نشرح عن تلك الوصفة التى تريح عناقنا؛ فقد دلّكتنى، جادلت بشرتى بسيرج حرير الروح، من بردٍ أصاب الحكاية.

رهيب جدل الباقى من شهوة أصابت ظهرها، كانت مدن الصفيح تخفى الألم. 

...

وحدى.. أركب بساط السندباد، توقَّف الحلم فجأة.

رأيت فى الحلم السريالية، أنى التقط هوية أبى، التى ضاعت فى المنافى، بدت عبر الشاشة تحت ركان مخيم الشاطئ، كيف ذلك؟. 

قالت، شقيقة الروح:

هنا سر الكبير. 

عينى تترقَّب خروج الطيف المجهول من نقوش الجدار، يدنو من الهواء، يرتقى حُرًّا، يمسك يدى، جسدى يشتهى سماع حكاية عن فيض حار، وحدث أن رافَقَتْ كركرة الأرجيلة، بانت إلى جوار تلك الشجرة التى تخفى أسرارًا.. يتعرَّق، يتعطر، يذكِّرنى بالخطّة السريّة التى جعلت اليمام ينام.

يأخذنى نوم الأصدقاء إلى البيت القديم، نتبادل قبلات ساخنة على غير عادة، تتناثر دفاترى، تنحنى على وتر من ملاك، نتلاقى، تذوب عيون غاشية.

قالت، وقد تناثر الطيف بين الورق والصور: «نحتاج إلى بساط من عناق»، فنبش الورق المزنَّر بالبهجة يذبحُ ليلَكَ اللّيل، يترك مواعيد السفر بين الصور، نرى صورنا الجائعة، بدأنا نتذكّر لحظة تمام تلك الإشارات والتنبيهات التى خطّ أثلامها الطفل الذى يغيب، يدخل الجدار بعد خروجك الأسطورى.

كانت أم الطفل، تخفى سرعة الرّحم، بعد أن فشلت فى دفن الموءودة. 

مرة أخرى! 

لأنَّنى أتذكَّر ولا أنسى.

جاءت الجائحة، كنتُ أدوِّن طريقة لفهم كل هذا الدّواء.. 

ضحك صديقى طبيب القلب، وضعنى على جهاز «الإيكو»، اضطرب ذاك الشريان العنيد. رنينُ الأصوات فى العيادة يُطلقُ صدى طيفكِ المدهش، عدَّة أصوات، بكاء، نحيب، تؤشّرين على فجوات فى «إيكو» القلب تتَّسع لنغيب داخلها، يهدهدنى الصديق بيد تحمل سمّاعة كلاسيكية، ويتضاحك قائلًا:

- أين قلبك؟

«فى السقف». نظرتُ، نظر رافعًا سمّاعته، الممرضة تهمس، تحاول إخفاء غنج سيئ، انتبه صديقى الطبيب، يتتبّع حركة بؤبؤ عينى، يصمت، يوجع الممرضة بضربة على مؤخرة تعجّ بطبقات من الملابس الخفيّة، تتضاحك بغنج سكير، تخرج من غرفة الفحص، كنتِ تتأهَّلين لإنقاذى...

وحدى، تعرَّيتُ على عشب من خيال، يتَّسع سرير صديقى طبيب القلب، فجأة، بدت الهديّة تتراقص، وهجها يخفى تلك الحلمات، حاولتِ إخفاء اللون الوردى المثير، كنتِ مثل حرير الجنّة، يحرق ولا يحترق. 

شىء ما يرتقى كاهلى، قد يكون أنتِ، وقد يبتعد، لكنَّه بساط الريح واقفٌ حدّ بساط تنير أطرافه شرانق الحرير، تغلِّف سورة كل الناس، فقد كشفوا سرّ الهدية، شهوة مؤجَّلة تؤرِّخ للضّائع من الصور والدفاتر التى قلّبتها بغنج حرير الروح، ووجدت ما فيها من حكايات ورسوم وزخارف، أثارتها تلك المذكّرات التى تتبادل سرديّاتٍ كانت تردِّدها قبل الوطء.

اختلفنا على تلك الجسور التى تمتد بين اتفاق سرية، كنت فى عاقر، وركبت البغال مع بيادر الريح، غيبتها الطرق وصلنا مخاضة نهر الأردن، عادت شقيقتى إلى غزة تبحث عن أبى، الكبير الذى ترك عصاه تتدحرج بين الزيتون والبرتقال والدم.

على وتر العزلة، كُنّا نستمع إلى فوضى الأخبار... جائحة يا قلبى المتعب! 

فى التقرير، تنمَّر طبيبى، رسَمَ علامات، كشَّر عن تجعيدات وثنيّة فى الجبين، كأنَّها لثغة فلتت من مخطوط يتبارز مع أحبار تخرُجُ راقصةً من جهاز رسم القلب.

قلتُ لصديقى الذى يستمع لى، يحاول فهم سلوتى، لوعتى، مراتب قلقى:

- ما زال قلبى، يهيم مع سيدة الحرير.

- لكنَّك متوتِّر؟

- لأنّى مُحبط، لا أستطيع إيجاد حلٍّ لهذا التَّباعد القسرى، ودائمًا أشعر بالخوف على حبيبتى، فالعزلة دمار شامل، هى تغلى وسط قارعى الطبول الأفارقة، تصطك أسنانها على وتر الغياب والوحدة والحياة بين جدران تعذِّب كائنات الطّيف.

تناوبنا على شفاه معذَّبة، قلتُ لها أعطِنى دفق الحياة. أغفو، أسمع حكاية عن عيادة صديقى، فى زمن تعب القلب، تهدّدنى، تضغط على شعر صدرى الخائف، تترك الروح فى غوص أبدىّ، وتكمل حكاية الطيف الذى مرَّ فى يوم العزلة، يخترق جدار الحظر، غنَّت تلك الترنيمة، لتبكى مع الحلوة. 

.. فى الصباح سمعت صرخة تنفجر من شاشة عملاقة داخل لوحة صبرا وشاتيلا، كانت المسيرات تجتاح نوافذ الغرباء، حملت العلم الذى تاه من يدى، عندما التقت عينى المجنونة حرير الروح، هتفنا معا، كانت الشوارع تنتصر لحلم مثير اسمه غزة. 

همس الحرير، قالت:

- لن تنتهى رواية غزة، طالما الجائحة تنال منا، نحن نخاف أن نقول وداعًا للحرية، نحن نعبث فى طريق الصبى الذى يبحث عن يده التى أصابها الصاروخ الصهيونى.. قالت بحدة:

- عن أى صهيونى، أنا، أنت، المقهى الجريدة، لوحة غرنيكا بيكاسو، أو، لنحلق بصمت.

مسٌّ ملائكى.

بعد مغادرة صديقى الطبيب، حاولتُ لملمة جسدى العارى، مسَّت أصابعك شعر رأسى، صدرى، باطن ما بان من مثلّث أعضائى المنفلتة، تصرخين، تعتصرين أرقًا امتدَّ إلى خارج الغرفة.

وحدكِ الطيف، وحدى الجسد المتعب. 

فى الصّفوف، ساعة الهتاف، بعثر الطَّيف كومة الورق، كنتُ أحترق، إلى أن غيَّبتنى الريح، حملتنى يدكِ كريشة طاووس ملوَّن، دخلنا ممرّ العشاق، حافة السلسلة تنادينى، قلتِ لى: استر نفسك! 

وحدكِ غلبتِ خيط الغروب، فبانَ شعركِ الأسود، مالت الريح، ستَرَنى فيضٌ من حرير ونور، وكنّا نقلِّب بعض الكتب. 

نقرأ معًا عن صاحب الحلم، نتذكَّر حرافيش نجيب، أخاف من رغوة علاء الأسوانى، تدخل حمّى الصيف ونعود للحديث عن قصص المساء والرقص على أنغام ماجدة الرومى. تقول لى إنَّها شاهدت مرايا سوداء، فأرجوها أن تختفى من أمام البطل، فهو زعيم العصابة الذى يدمِّر كل المرايا. وحدها مرايا العالم السرّى لحرير الروح، تتجلّى فى بحثها عن ثلوج تتغطى بها الأسماك. وحدنا كتبنا مسرحية عن تلك الأسماك التى عاشت على الرغم من تسرُّب مياه حوض الزينة، تقول القصة إنَّ سمكة ذهبيّة تمرَّدت، فقدت شهيَّتها للحب، قادت فكرة الخروج من طَرْقِ الرُّءوس على جدران الحوض، تسرَّبت المياه.. ها أنا أرقص مع الأسماك.

.. تاهت أسماك الشاطئ، دخل عليها الجنود، بحرية كل العالم تنافق سيدات غزة، كانت تودع شقيقة الروح إلى عريسها الأنيق، عتال الطحين، الذى يوزع فى مراكز الأونروا، يتعفر بالدقيق، وينثر الملح على حراس المتاهة، لكنه قالى لى:

زرعت شتلة ليمون فى المخيم، هل ستعيش بعد الطوفان.. 

.. قرأت له عن كيف تنمو الدمامل فى وقت الحرب، كيف كتب نجيب محفوظ فى الحرافيش، أن القدر، يغتالنا إذا رفعنا يد الحق. 

عفرنى بما على يديه من طحين، مسحت هذا الأثر، قلت لعله يعود، قال وقال، فهو فيلسوف، ذكرنى أننا فى زمن الموت والجماعات لا الحقوق الحريات.. تسلقت أطراف اللوحة، معى سكين، قطعت الأجزاء التى تناثر منها الدم.. مسحت لون الأحمر بالأبيض الآتى من تناثر الطحين، كانت خضرة المحمد تجرش القمح وتدعو للدجاجات بطول البيض.

تحدَّثنا.. 

أنا وحريرالروح عن الهدايا، قالت لى من خلف شالها المزخرف:

 •عيناكَ هديَّتى. 

غامَتْ ذاكرتى، ركزتُ يدى على كتف من خيال، تمايَلَتْ على خوف، نظرَتْ حزينةً إلى شهقات السمك المتوتر، حرَّكت ما ظهر من تلك المرايا المتموِّجة، قامت تئنّ، تناولت الفأس الحجرى، طرقت رأس السيد، بكت إلى أن غاب ظِلّ بساط الريح «...» نزل البرد، هالنى أنَّنا نغيب فى ندف غيم، لمحتُ أنَّها تقرأ ما يقول لى برجى، ذاك الجدى الناطح العليم: •تتمكَّن من مساعدة الشريك وطمأنتِه وتقديم النصائح له عند الحاجة. حضورك وحده يكون كافيًا لتجديد الثقة!

تتكفَّل الكواكب «البطيئة» بتقوية علاقاتك. تتَّخذ تبادلاتك مع المحيطين بك منحىً سلسًا تحت تأثير كوكب نبتون. تفتح حوارًا معهم وتُعيد إطلاقه حين تشعر بوجود مشكلة فى الأفق. يستقرُّ وضعك المادى تحت تأثير ثنائى زحل وبلوتو.

فى المنزل، تطلق مشاريع جديدة بدءًا من شهر... ثم يدخل كوكب أورانوس إلى برج... فى كل أوقات الشهر، ويضفى طابعًا حالمًا على سرياليّة حياتك.

جادلت صديقى عن معنى أن تزول مرارة اليوم السابع عشر من حظْر...

.. ما زلت احس بحرارة تكبلنى، لبست ثوب الشغف، حرمتنى زيوت السمسم والشى وأعشاب البحر. 

من خلال الهاتف قال ابن خالى، الذى يقيم فى بورسعيد، وأمه فى مخيم النصيرات بغزة:

- نحن أبناء الريح، لكنها خدعتنا وحملتنا نحو وقت دالى الرسام، تعرفينا أصبحنا نعد الشهداء، وهم معنا يقرأ كل منهم كم من القتلى أصابهم الوقت. 

-يا ابن الخال، الأب، غزة وعاقر، كن أنت تزدد جمالًا. 

- لكننى فى طور الموت. 

- عليك بالبحث عن قبر. 

- سأترك وصيتى. 

- لمن يا غالى. 

- أولاد المرحوم. 

- كن بخير أولًا، ثم مت.