الثلاثاء 28 مايو 2024
المحرر العام
محمد الباز
المحرر العام
محمد الباز

جمال التلاوى يكتب: الصفعة

الصفعة
الصفعة

 

هكذا..

فجأة..

وبدون مقدمات..

وبكل هدوء هوى الكف القوى بكل عنف على «قفاه»!

تطاير الشرر من عينيه، سقط وجهه فوق المائدة التى أمامه، انسكبت المشاريب الساخنة الموجودة، القهوة المرة، والشاى، اختلطت بوجهه، سقط من يده مبسم الشيشة، التى ارتطمت بدورها بالأرض فانكسرت، وطار الحجر، الذى يشعلها.. وقت مضى لم يدر كنهه..

حين رفع وجهه لأعلى، كانت كل العيون تحملق فيه، لا أحد ينبس بكلمة، ترك كل الجالسين فى المقهى ما معهم من مشروبات، تحلقوا حوله فى دهشة.. وربما انزعاج. لم يعلق أحد، ولم يفهم أحد ماذا حدث وكيف حدث؟

حاول الوقوف، لم يستطع، انتابته حالة دوار، لكنه سريعًا ما رفع يده، يضعها على «قفاه» يتحسس مكان الضربة. كانت قاسية وعنيفة. التف حوله بعض تابعيه، ساعدوه فى الوقوف، ابتعد الواقفون، المتطلعون إليه، وبتلقائية أفسحوا له طريقًا، لم ينظر لأحد منهم ولم يتفوه بكلمة.

انسحب من المقهى، عاد الجميع إلى أماكنهم، يتساءلون فى صمت، ربما شعر بعضهم برضا وسعادة، ربما تحسس بعضهم أقفيتهم وتذكروا الصفعات التى يوجهها لهم ليل نهار، بسبب وبدون. سواء هو أو أحد أعوانه.. اعتادوا أن يتلقوا الضربات فى صمت. لن يعتد أحد منهم أن يعلن عن تمرده عليه منذ نصب نفسه «فتوتهم الأوحد».

لم يدر كم مر من الوقت حتى استعاد ذاكرته، لكنه لم يدر أيضًا أن يده أصبحت بشكل تلقائى ترتفع كل حين وتصل إلى «قفاه» تحاول تفادى صفعة أخرى فى مخيلته، وربما يتحسس الصفعة القاسية. قال له أعوانه إن مكان الصفعة سوف يهدأ، وسوف ينسى الجميع ما حدث، هل يستطيع أحد أن يذكر «فتوتهم» بصفعته؟ 

فى اليوم التالى ذهب إلى مكانه المفضل، وقف الجميع، تدافعوا، ليفسحوا له مكانًا كما اعتادوا، نظراتهم لم تلتق نظراته لأنه كان شاردًا، قدموا له كراسيهم، لم يعبأ بهم، اتجه لمكانه المعتاد وجلس، القهوة المرة؛ «سريعًا» قدمت له، ومبسم الشيشة كان فى يده، رماه سريعًا. وارتفعت يده اليمنى تتحسس «قفاه»، وقف على التو، اتجه لمكان محدد، اختار أحد الجالسين، انهال عليه ضربًا، وأكمل أتباعه، أشار إليه بأنه الذى صفعه بالأمس، أمن الجالسون والواقفون والسائرون بجوار المقهى وبجواره ، قالوا: «أحسن.. يستاهل». تطوع بعضهم وساعد فى الضرب.. لكنه حين عاد لمكانه كانت يده اليمنى تسرع إلى «قفاه» تتحسسه. 

واعتاد كل يوم أن يختار أحد رواد المقهى ويكرر معه نفس الطقوس، واعتاد الآخرون أن يسارعوا لمساعدته، لكن يده اليمنى لم تعد تكفى لأن تتحسس مكان الصفعة، فكان يرفع يده اليمنى ليتحسس مكان الصفعة وما أن ينزلها حتى يرفع يده اليسرى مكانها هى الأخرى مكان الصفعة. 

أدرك رواد المقهى أن ما كان قبل الصفعة على «قفا فتوتهم» لم يعد ولن يعود كما كان.. 

هكذا.. فجأة.. وبدون مقدمات.. وبكل هدوء.. تتبادل يداه اليمنى واليسرى.. تتحسسان «قفاه» مكان الصفعة.