الجمعة 24 مايو 2024
المحرر العام
محمد الباز
المحرر العام
محمد الباز

فرقة «الورشة» تقدم زيارة مسرحية إلى زمن عماد الدين

مسرح عماد الدين
مسرح عماد الدين

- فرقة الورشة المسرحية قدمت مجموعة من الأغانى التى تستعيد زمن المسرح وازدهاره

- فى العرض يجد المشاهد نفسه فى زمن عماد الدين من خلال الحكايات وفنون الأداء والغناء

شارع عماد الدين ليس مجرد شارع أنشئت فيه مجموعة من المسارح، لكنه شاهد عيان على ولادة الحركة المسرحية فى مصر، وشاهد عيان على سنوات النهضة، لو أننا لدينا وعى لحافظنا على شارع عماد الدين على الأقل كمتحف، كأثر شاهد على نهضة مسرحية استمرت لمدة نصف قرن على الأقل! لقد كان هذا الشارع مدرسة المسرح التى تعلم فيها كبار النجوم كل مفردات العرض المسرحى، بالإضافة إلى كونه مدرسة للوطنية والنضال فى النصف الأول من القرن العشرين، لقد تبنى شعارات الحرية والوطنية والمساواة والاستقلال، دون أن يؤثر ذلك على المستوى الفنى للمسرح أو الفنون الأخرى، وعلى مدى نصف قرن فى هذا الشارع تم استكمال كل مقومات الفرجة بكل أبعادها الإنسانية والفنية، حيث كنا أمام بنية ثقافية مسرحية متكاملة تمارس نشاطها الإنسانى فى عالم الإبداع بلا عقبات. قيام وانهيار شارع عماد الدين يمثل قيام وانهيار نهضة مسرحية كبرى، لقد ولد شارع عماد الدين فى زمن النهضة فى النصف الأول من القرن العشرين، حيث كان للمسرح شارع وهو عماد الدين، وللسينما شارع الهرم، والغناء والموسيقى شارع محمد على، وشارع الصحافة للصحافة. 

شارع عماد الدين

تحت عنوان «ليلة فى عماد الدين» قدمت فرقة الورشة المسرحية مجموعة من الأغانى والحكايات التى تستعيد زمن المسرح وازدهاره فى هذا الشارع، فى محاولة لاستعادة روح تلك الحقبة، وأقصد الروح الفنية. وقدم المخرج حسن الجريتلى، مدير الورشة، هذه الليلة بكلمات تدل على وعيه بقيمة هذه المرحلة، والذى سيبدو واضحًا فى مجموعة المشاهد التى قدمها ليصف هذه الليلة، قائلًا: «تشبه ليلتنا عروض المنوعات/ الميوزك هول، التى كانت تقدم فى عشرينيات القرن الماضى فى شارع عماد الدين، والتى كانت عبارة عن أغان واسكتشات ومشاهد وحكايات وراقصات وسحرة.. تتعاقب فى إطار بنية حرة. وتعكس تلك العروض المرحلة التى كانت تصاغ خلالها هوية الأمة المصرية، من خلال ثقافتها العامية الثرية تدريجيًا منذ ١٨٧٠ حتى ثورة ١٩١٩» والليالى جزء أصيل من ملامح فرقة الورشة، جزء من أهدافها، بل قل من هويتها منذ نشأتها فى ثمانينيات القرن الماضى، الليالى التى تجمع بين الحكى والغناء وتلاوة السيرة الشعبية، سواء الهلالية أو مواويل حسن ونعيمة وغيرهما، وغالبًا ما تجسد فرقة الورشة من خلال الليالى مساحة زمنية ما، وتعبّر عنها من خلال استدعاء الموسيقى والغناء وجماليات الأداء لتلك المرحلة. وظنى أن فكرة استدعاء شارع عماد الدين ثرية وملهمة، فهو الشاهد على عصر ازدهار المسرح المصرى منذ إنشاء الأوبرا الخديوية حتى ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضى.. «ليلة فى عماد الدين» عنوان تم تجسيده بالمعنى الحرفى، أى حاولت الفرقة من خلال الفقرات التى قدمتها ما بين السرد والأداء التمثيلى والغناء استعادة زمن هذا الشارع، من خلال الأداء الذى استعاره أعضاء الفرقة من إيقاع تلك المرحلة؛ لتجسيد مشاهد مسرحية وحكايات وأغان، ليقدم المخرج حسن الجريتلى هذه الفقرات، بينما يجلش أعضاء الفرقة من حكائين وممثلين ومطربين وعازفين على خشبة المسرح فى نصف دائرة فى مواجهة الجمهور لتقديم المشاهد مع مقدمة حول تاريخها المرتبط بنهضة وإزهار المسرح، خاصة الغنائى مع الخلفية السياسية؛ ليستحضر نجوم تلك المرحلة، أمثال بديع خيرى ونجيب الريحانى وسيد درويش وداود حسنى وبيرم التونسى وتوفيق الحكيم مع جزء تاريخى عن الفيلق المصرى الذى شارك فى الحرب العالمية الأولى، وأيضًا قضية فاطمة سرى ومحمد بك شعراوى؛ ليجد المشاهد نفسه على مدى ما يقرب من ساعة ونصف الساعة فى زمن عماد الدين من خلال الحكايات وفنون الأداء والغناء.. حيث بدأت المشاهد التى جمعت بين المسرح والغناء بمشهد من أوبريت أيام العز، كلمات بديع خيرى وألحان داود حسنى، ثم بجزء من أوبريت آخر هو «يوم القيامة» الذى كتبه الدكتور صبرى فهمى وكتب أشعاره بيرم التونسى وألحان الشيخ زكريا أحمد، حيث ينطلق موضوع الأوبريت من فكرة بسيطة تعتمد على إشاعة مفادها أن يوم القيامة غدًا بعد صلاة الجمعة، فماذا سيفعل البشر فى الساعات القليلة المقبلة استعدادًا لهذا اليوم؟ ويجسد الأوبريت ارتباك الناس وتخبطهم وحيرتهم؛ ليكتشفوا فى النهاية أن الوالى أطلق هذه الشائعة حتى يستولى على أموال الرعية، لكن هذه اللعبة تكون نهايته، فيثور الشعب عليه ويخلعه، وهذه المراحل الثلاث، ارتباك البشر بعد معرفة موعد يوم القيامة، ولحظة اكتشاف الخدعة، ثم الثورة على الوالى وهى تمثل البنية الهيكلية للأوبريت، الذى يحتوى على تفاصيل مجموعة من الأحداث، أهمها الحدث الأساسى، علاقة منصور بن شهبندر تجار الشام القادم بصحبة خاله من حلب بشمس ابنة محمد بك الوالى شهبندر تجار مصر وزواجهما فى النهاية. وقد اختار الجريتلى أغنية تجسد هذه العلاقة بين شمس ومنصور، وسواء أوبريت أيام العز أو يوم القيامة، كلاهما أصبح من تراث الورشة، حيث قدمتهما الفرقة من قبل فى محاولة لإعادة تقديم تراث المسرح الغنائى. 

ليقدم مجموعة من الأغانى لسيد درويش منها «هات البازابورت ويالا بنا/ يا إسماعيل لا الوقت يفوت/ غربة إيه دى مصر أولى بنا/ بعدها ما بيحلى لنا القوت/ عهد الله وعهد الأنبيا/ ما نفوتهاش ولا بالنبوت/ هى السمكة تفوت الميا؟ ده رحنا من غير مصر نموت/ يا ولد عمى.. يا بوووى» وأيضًا أغنية يا عزيز عينى، وأنا نفسى أروح بلدى، التى شاركت فيها نعيمة المصرية سيد درويش، بالإضافة إلى أغان أخرى، مثل «أهو ده اللى صار، وأسمع يا شيخ قفاعة»، وكان من الطبيعى أن يكون سيد درويش حاضرًا بقوة فى هذه الأمسية المسرحية، التى تستعيد زمن عماد الدين؛ لأنه أحد رموز نهضة هذا الشارع الذى ارتبطت نهضته بثورة ١٩، التى كان لها الدور الأكبر فى الارتقاء بشارع عماد الدين، حيث كان للشارع دور فى إزكاء الحركة الوطنية، من خلال البحث فى التراث لإيجاد أعمال لإزكاء الروح الوطنية وتقديم الألحان والأغانى والأوبريت والمسرحيات التى تدعم الحس الوطنى، حيث ولد المنولوج الأخلاقى والوطنى فى صالات عماد الدين، والبعض قال منذ ١٩٢٠ كانت الوزارات يتم تشكيلها فى عماد الدين. ووصفت هذه الأعمال بأنها تقدم أحاسيس شعبية مصحوبة بالنغم الشرقى الأصيل، الشعور بتراب مصر وروحها الساحرة فى المسرح، وعظمتها وبؤسها فى نفس الوقت. وعرف بمسرح التورية السياسية، والأوبريت الملحمى والتاريخى والغنائى «فرجة مسرحية فى أحضان الوطنية المصرية»، لذلك ركز حسن الجريتلى على فن الأوبريت والأغانى الوطنية، التى كان نجمها خالد الذكر سيد درويش. 

سيد درويش

وكما ذكرت فى البداية قدم «الجريتلى» فى هذه الليلة مزيجًا من الغناء والسرد والتاريخ؛ ليتخلل هذه المشاهد المسرحية والغنائية نظرة على وعد بلفور، وأيضًا حكاية الفيلق المصرى، من وحى الكتاب الذى كتبه الدكتور محمد أبوالغار عن هذه الواقعة تحت عنوان «الفيلق المصرى- جريمة اختطاف نصف مليون مصرى»، الذى سرد من خلاله وقائع ما حدث لهولاء فى فترة الحرب العالمية الأولى.. وكانت هذه الحادثة الخطيرة واحدة من جرائم الاستعمار أحد أسباب انتفاضة الفلاحين فى شتى ربوع مصر، التى ساهمت فى اشتعال ثورة ١٩١٩، بالإضافة إلى واحدة من أجمل قصص توفيق الحكيم، التى كتبها بالعامية المصرية أثناء إقامته فى باريس تحت عنوان «عوالم الفرح»، وكتب فى بدايتها إلى الأسطى حميدة الإسكندرانية أول من علمنى كلمة فن، وأخبر القارئ أنه كتب هذه القصة الوصفية فى باريس فى شارع «بلبور» عام ١٩٢٧، وهى وصف لطائفة عوالم الأفراح التى كانت معروفة فى مصر قديمًا وانقرضت الآن، وكان من الضرورى أن يكون توفيق الحكيم حاضرًا فى شارع عماد الدين؛ لأن بدايته كانت من هذا الشارع، حيث كتب له «أوبريت على بابا» وتم تقديمه فى تلك الحقبة التى شهدت الازدهار. وتم تقديم هذه القصة المدهشة بأسلوب الحكى، ومعها دور «فى العشق قضيت زمانى»، الذى كان جزءًا مهمًا من بنية الحكاية. 

الجريتلى

وكما قدمت فرقة الورشة فى محاولة استعادة زمن عماد الدين الأوبريت والمشاهد المسرحية والغناء مع السياسة والتاريخ قدمت أيضًا جانبًا من الحياة الاجتماعية فى تلك الفترة، من خلال أداء واحدة من أجمل مقامات بيرم التونسى «المقامة المنزولجية»، التى تطرح فى أسلوب ساخر صورة من الواقع المصرى، بالإضافة إلى حادثة شهيرة، هى حكاية المطربة فاطمة سرى مع محمد بك شعراوى ابن هدى هانم شعراوى، التى استوحى من أحداثها أنور وجدى ومصطفى أمين قصة فيلم «فاطمة» لأم كلثوم.. وحكاية فاطمة سرى أول مغنية تغنى أوبرا كاملة فى تاريخ مصر «شمشون ودليلة» تلقت مكالمة من هدى هانم شعراوى لإحياء حفل فى منزلها، وقد تغير أو قل انقلبت حياتها بعد هذه المكالمة، فهناك أعجب بها محمد بك شعراوى وراح يرافقها فى كل حفلاتها، وانتهى الأمر بزواج عرفى هاجت وماجت ضده العائلة، فابن الأكابر تزوج من أرتست أكبر منه ولديها من زواجها الأول طفلان.. تقديم الحكاية بكل تفاصيلها بالعامية المصرية التى لعبت دور البطولة فى تلك الليلة، العامية التى تجسد تلك المرحلة، ليعيش المشاهد ساعة ونصف الساعة وكأنه عاد إلى بدايات القرن العشرين، وهذا ما نجح فيه حسن الجريتلى، أى تقديم روح تلك المرحلة. 

وربما يتساءل البعض لماذا أسميت مسرحية تستعيد شارع عماد الدين، هل هو حنين إلى حقبة فنية مزدهرة، من خلال أعمال شاركت فى الحركة الوطنية، وظنى أن الأمر يتجاوز هذا، إذ قدم الشارع أشهر أعمال الكوميديا التى تحتفل بالإنسان وبالحياة وقدرته على الاستمرار التى تنبع من موقف، والموقف يعنى وجود قوة متصارعة، وفى هذه الأعمال إحلال نوع من التوافق بين هذه القوة ويعلن انتصار الحياة، لذلك التف حولها الشعب وظلت باقية حتى يومنا هذا! على سبيل المثال أعمال الريحانى الكوميدية التى اهتمت بوعى الإنسان وأفكاره وموقفه من المجتمع والوجود نفسه وهى أعمال تمجد البطولة والنبل والشرف، وظل مفهوم المسرح عند المصريين، المفهوم الذى تبقى من شارع عماد الدين، لأنه الأقرب إلى الروح المصرية، وكان لهذا الشارع تأثير على العديد من الكتاب، ومنهم توفيق الحكيم. 

من ناحية أخرى من يقرأ تاريخ هذا الشارع ويشاهده الآن بما أصابه من قبح وإهمال وما آل إليه حال شارع المسرح يتأكد من الحالة المتردية النى يعيشها المسرح الآن، بعد أن تحولت المسارح العريقة ومقاهى الأدب والثقافة والفن إلى أماكن عشوائية لبيع قطع غيار السيارات والإكسسوارات؟ ولم يتبق من الشارع سوى مسرح الريحانى، ومسرح مصر الذى تمتلكه وزارة الثقافة، ومازال مغلقًا بعد إعادة بنائه!