الإثنين 24 يونيو 2024
المحرر العام
محمد الباز
المحرر العام
محمد الباز

خيرى عبدالعزيز يكتب: أسماك الفيل

أسماك الفيل
أسماك الفيل

السُّوق مُكتظة، روادها مُسالمون كأنَّهم فى حُلم. باعتها يُنادون على بضاعتهم فى إلحاح عجيب، مُضطرم بعنف، يجذبون النَّاس فى شراسة لينتبهوا، يعترضون سبيلهم ليشتروا منهم عُنوة. 

«ما أريده هو الفكاك!»؛ تقرأ زوجتى الفطنة ما يدُور بخُلدى، ودُونما كلمة مدَّدتْ جوارى الخُطى فيما أحمل أنا الصَّغير، صغيرنا. تجاهلنا- دفع بالنِّداء ليزداد شراسة، والأيادى تُمزق قطعًا من ثيابنا، تخمش لحمنا، وقطرات من الدَّم بدأت تنساب من أنفى مغبة ضغطى المرتفع، والسُّكرى امتص رضابى حتى النُّقطة الأخيرة. صغيرى يتشبث بى فى خوفِ، أضمه لصدرى وأنبش أعماقى لنستمر، ونهاية السُّوق لاحت عصيّة بالبعيد. 

«أسماك الفيل النَّادرة، لن تجدوا مثيلًا لها فى أى مكان!»؛ اخترق أذنى النِّداء المغموس بالغواية، أعلم أنَّها الغواية رغم أن البائع مُختلف، حُلو الطَّلة والابتسامة، هاجس الحذر أوقد فى ذهنى أضواء فسفورية، وصخب أجراس كنائس لم تعد فى اتصال مع الرَّب. زوجتى تخلَّفت عن المسير، كفعل أبدى لبنات حواء، تسمَّرت ترمُق أسماك الفيل العجيبة، تعشق السَّمك بكل أنواعه، يتملَّكها الشَّغف إن كان نوعًا عجائبيًا جديدًا. وكزتها لتنتبه من سكرتها: «ليس هذا بسوق البيع والشِّراء!». أجابت: «أسماك الفيل بديعة!». عويت: «ألا تتذكرين الحكمة الأزلية؟!». استماتت: «انظر، انظر!». ونظرتُ أفيالًا صغيرة بحجم قبضة اليد فى برميل الماء، مطمُوسة الأرجل، وزعنفة فى المُؤخرة تُمكنها من السِّباحة برشاقة. ولا تفتر الأفيال الصَّغيرة عن مص الماء بخراطيمها، ونثره فى الجو رذاذًا لطيفًا. تمتمتُ مبهوتًا: «لم أشاهد شيئًا كهذا من قبل!». 

قال البائع: «لا توجد أسماك الفيل إلا عندى!». قالت: «أريد ثلاثة!». ذهب وعاد بكيس بلاستيكى أسود اللَّون، به كائنات تتلوى فى عنف، بالتَّأكيد لن آخذ أفياله وأنصرف دونما الفحص. فتحت الكيس ومددُّت البصر، وجدت ثلاثة من ثعابين السَّمك المُخيفة، خرج صوتى فحيحًا من غيظ الخداع: «اتخدعنا؟!». استحال حديثه إلى مداهنة: «إنَّها أسماك الفيل فى طورها الأول، مثل الفراشة التى تخرج من رحم الدُّودة!». عقَّبت زوجتى: «يا لك من لئيم!». 

عاد من جوف المحل بكيس آخر محكم الغلق: «هذه أفيالكم السَّمينة!». بصعوبة فضضت الكيس، وجدت ثلاث أسماك بشعة الخِلقة، ذات أنياب حادة بارزة؛ استشطت غضبًا من إصراره على الخِداع: «تبًا لك». قفزت سمكةٌ وقضمت إصبعى، قذفت بالأسماك فى البرميل بلا وعى، لحظات وتحول البرميل لبركة دم، الأسماك المُتوحشة اقتلعت خراطيم الأفيال بأنيابها الحادة، والبائع يصرخ ويُولول من هول المجزرة، لا يجرؤ على مد يده ليُنقذ أفياله المسكينة. 

زوجتى- غالبًا- من تقذف بى إلى أتون التَّجارب الصَّعبة، وهى- أيضًا- من تمد إلىْ يد العون فى اللَّحظات الحرجة، جذبتنى جذبًا من ذهولى، لنحث الخُطى فى طريق النِّهاية؛ التى لما زالت تلوح عصيّة بالبعيد.