الإثنين 24 يونيو 2024
المحرر العام
محمد الباز
المحرر العام
محمد الباز

ياسر عامر يكتب: شواهد قبور

شواهد قبور
شواهد قبور

استيقظ يمشى فى الشوارع بلا هدف محدد، محاولًا تفسير شعوره الغامض فى هذا اليوم، كأنه يحمل فى داخله جبلًا من الحيرة والتوتر والقلق والخوف؛ عدة مشاعر مضطربة مختلفة. 

عيناه تتجولان بلا هدوء، بلا هدف، تُدخلاه فى اتجاهات متعددة، كأنه يبحث عن إجابات لأسئلة لم يستطع تخيل كيف تصوّرها.

خطواته ثقيلة، كأنه يحمل وزرًا ثقيلًا على كتفيه، يسحبه إلى الأعمق إلى المجهول؛ كل جزء من جسده يشعر بالتعب والإرهاق، ولكنه مدفوع للاستمرار فى التقدم، كأن هناك قوة لا يمكن إيقافها. اقترب من الأماكن المكتظة بالناس، آملًا أن يشعر بالأمان والاطمئنان، زادت حدة اضطرابه أكثر وشعوره بالغربة. شعر بأن كل الأعين تترقبه، تحدق فى داخله، محاولة أن تكشف سرّه المظلم. كلما ازدادت الضوضاء والصخب، ازدادت الأصوات فى رأسه والخوف وعدم الارتياح. حدق فى عيونهم هو الآخر فى محاولة بائسة يائسة لمعرفة ما يدور حوله، تتراقص فى ذهنه  أفكار بلا هدوء. يتساءل إن كانت هذه الأصوات حقيقية أم أنها مجرد توهمات؟ 

لكنه لم يستسلم للشك والرهبة، كان يعلم أن هناك رسالة ما فى انتظاره، أو حلمًا ما لا بد أن يستيقظ منه أو بالأحرى كابوسًا مفزغًا، أيقن أن هناك أمرًا جللًا ينتظره مصير مكتوب، قرر ألا ينتظر عاملًا بمبدأ «وقوع البلاء ولا انتظاره»؛ على الرغم من تشوش الأفكار وتراكم الشكوك، كان يدرك أنه لا بد له من مواجهة هذا الجحيم الداخلى، حاول التحدث مع الناس، لم يلتفت له أحد؛ كأنهم لا يسمعون، حاول مرارًا وتكرارًا أن يصنع جلبة وضجيجًا، بدأ أيضًا فى لفت الأنظار وإيتاء حركات غريبة، بدا كأنه مجنون، وفى نهاية المحاولة استمر فى صراخ محموم حتى خارت قواه وعجزت قدماه على حمله، وعجز عقله عن إيجاد السبيل للخلاص، نظر للسماء مناجيًا ربه؛ تذكر أنه لم يناجه منذ أمد بعيد، تذكر قول الله تعالى: «وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِّى فَإِنِّى قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِى وَلْيُؤْمِنُوا بِى لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ» «سورة البقرة:١٨٦».

دعا ربه فاستجاب، جاءه بشير أو لعله نذير هكذا حدث نفسه، بدأ الرسول فى الحديث مطمئنًا مبديًا رغبته فى إجابة سؤاله، ابتسم ابتسامة شاحبة، مشيرًا إلى الناس والزحام، مجيبًا عن سؤاله الذى يدور بعقله، وكأنه يتفاهم بلغة التخاطب للعقول، أنت وحدك.. هؤلاء ناس غير حقيقيين لا يسمعون ولا يبصرون لا تغرنك حركاتهم وحديثهم ومظهرهم الحى، فهم يتحدثون بلا وعى، يسمعون بلا فهم، يرون بلا بصيرة، هؤلاء يا ولدى بلا قلوب تعى.. هم شواهد قبور ليس إلا، مجرد علامات تدل على وجود ناس بالماضى كما تدل شواهد القبور على وجود أموات تحتها، أما أنا فمجرد سيرة طيبة باقية، فالسيرة الباقية لا تموت كما مات هؤلاء؛ أنت سافرت عبر الزمن فى بعد آخر لترى الناس على حقيقتها، ولك حرية الاختيار، إما أن تبقى فى الحقيقة، أو تعود إلى الوهم فى الماضى، فقط تيقن فى داخلك من اختيارك أو اصنع لنفسك حياة مثلى أو شاهد قبرًا كجميع من حولك.