الإثنين 24 يونيو 2024
المحرر العام
محمد الباز
المحرر العام
محمد الباز

طارق الصاوى يكتب: انصرفوا وقولوا

انصرفوا
انصرفوا

السعال ينخر فى صدرها، يخرج منه صوت كصليل الأجراس إذا تكلمت. قالت والدموع تحفر مجرى على خدها ونحن فى انتظار الدور للدخول إلى الطبيب: لو أنجبت طفلًا أعمى أو أعرج لحمل عنى هم المرض.

هاجمتها نوبة من الأنين والسعال، كادت تسلم الروح. نظرت إلى وجهها الذى تكدره الصفرة، عيناها اللتان انطفأ توهجهما صارتا بلون القطن بعد أن تسربت سنوات عمرها فى أحضان بعل أقر الطب بعجزه عن شق أرضها، غرس بذرة صالحة للإنبات فى رحمها، رضيت بقضائها، اعتبرته قدرها، أفنت شبابها تحت قدميه، تمسح بلعابها التراب عن حذائه، تصاحبه فى ليالى الشتاء إلى المسجد لصلاة الفجر تدفع عنه- بصياحها- كلاب السكك. فى مرضه الأخير كانت تحمله لقضاء حاجته، تسهر جواره كأم بجانب ابنها الوحيد تدعو الله أن يخفف عنه يأخذ من عمرها ويعطيه، حتى بلغ الكتاب أجله، ولبّى زوجها نداء ربه. حمله المشيعون إلى مثواه. همستْ فى أذنى زوجة خالى: أين ذهبت خالتك؟ تحول السؤال فى داخلى إلى سخرية وفكرة لم أستبعدها، لعلها قررت أن ترقد جواره فى الصندوق كما تفعل النساء المخلصات فى الهند! 

رسم الارتباك خطوطه على وجوه أخوالى، جعل أعناقهم تدور للخلف بينما تندفع أجسادهم للأمام، رفعنا الغطاء عن الجسد المسجى فى النعش بشغف وفضول، توقعت أن تقفز منه خالتى كعفريت العلبة، لكن الغريب أنها لم تفعل ذلك، ولم تظهر وسط نسوة أحطن بالرجال تدوى أصواتهن بالصراخ والعويل.

بعد إغلاق باب القبر وقفنا صفًا لأخذ العزاء، وفى منتصف الصف تمامًا وقف رجل ملثم بيننا وبين أهل الزوج الراحل، شد انتباهى إليه لون جلبابه الذى يشبه جلباب الفقيد، الشال على رأسه، يخفى عنّا ملامح الوجه إلا عينين ملؤهما الدموع، نفث الشيطان فى رأسى أن هذا المبرقع ما هو إلا ابن للفقيد من زوجة أخرى؛ جاء لتلقى العزاء فى والده والمطالبة بحقه فى الميراث، وربما علمت خالتى بهذا الأمر فاختارت الاختفاء احتجاجًا على غدر رفيق الدرب.