الإثنين 24 يونيو 2024
المحرر العام
محمد الباز
المحرر العام
محمد الباز

خطة سحب القداسة من مصر3.. بسماتيك الأول وأنفاق قناة السويس

أنفاق قناة السويس
أنفاق قناة السويس

فى ٣ مايو ٢٠١٩، افتتح الرئيس عبدالفتاح السيسى أنفاق قناة السويس، فى إطار مشروعنا الكبير الرامى لتنمية سيناء، وهو مشروع أمن قومى بكل المقاييس، خاصة الأمن المستقبلى بالمعنى الواسع لكلمة «أمن قومى»، وفى نفس الوقت يدل هذا المشروع على ما يمكن أن نطلق عليه «أمانة الدولة»، وهى أمانة حملها وسعى لتحقيقها معظم حكام مصر العظام بداية من الملك مينا وخلفائه، الذين أرسوا مفهوم «الانسجام فى الأرض المصرية» وفى القلب منها سيناء، وصولًا إلى الملك بسماتيك الأول، وهو أحد كبار الحكام القدامى الذى عمل بقوة على ربط سيناء بالوادى، بعد أن استعاد قوة المركز بتطهيره مصر من إرهاب الغزو الآشورى، وبإعادة توحيد الوجهين القبلى والبحرى، واستكمال السيطرة على سيناء.

يؤكد هذا ما حدث فى الإثنين ١٣ مايو ٢٠١٩، أى بعد ١٠ أيام من افتتاح الأنفاق، وهو الإعلان عن اكتشاف بقايا أكبر قلعة عسكرية من عصر الملك بسماتيك الأول فى تل الكدوة بشمال سيناء، لينضم إلى غيره من الاكتشافات الأثرية، التى تدل على أن ما نسعى إليه اليوم هو فى الحقيقة امتداد لما سعى إليه الأجداد العظام، وبالمعكوس فإن من يقفون اليوم ضد تحقيق هذا المشروع هم امتداد للأعداء التاريخيين الذين يحاولون حتى الآن نفى الصلة المقدسة بين الوادى وسينائه.

حتى الآن لا أستطيع أن أستسيغ جملًا، تبدو وكأنها ثوابت عقلية وفكرية، مثل جملة «التاريخ لا يعيد نفسه»، وجملة «الإنسان لا ينزل النهر مرتين»، ويبدو لى أن الإيمان المطلق بمثل هذه الثوابت اللفظية يشكل عائقًا أوليًا فى فهم بعض حوادث التاريخ، كما أننى لا أستطيع أن ألغى «نظرية المؤامرة» فى محاولة فهم الحوادث التاريخية، ولا يمكننى أن أنظر لتاريخ هذه البلاد وموقعها المؤثر إقليميًا وعالميًا، الذى جعلها منذ القدم هدفًا لتشابك وتعارض المصالح بين الأمم، دون أن أستدعى فكرة المؤامرة، لكن أول مظاهرها هو التآمر على النفس، بالاعتقاد بأن كل من حولك يريدون مصلحتك، أو يمكن أن يتركوك تحقق مصلحتك المشروعة، كأن من حولك هم نفسك.

وبدلًا من تلك الثوابت اللفظية، دعنا نذهب لما يمكن أن نسميه معادلات وقواعد تاريخية، ومنها مثلًا أنه حين يضعف مركز السلطة فى مصر يستتبعه على الفور ضعف سيطرتها على سيناء، بل واستخدام سيناء لصنع الإضعاف واستدامته، وعلى ذلك نفهم أن أول ما فعله الملك مينا، بعد توحيد البلاد، هو أنه استعاد سيطرته على سيناء، وهو نفس ما فعله فيما بعد أحمس بعد تحرير البلاد من حكم الهكسوس، وهو نفس ما فعله بسماتيك الأول بعد تحرير وتوحيد البلاد، وهو نفس ما فعلناه بعد ثورة ٣٠ يونيو ٢٠١٣، ولعلك تذكر أن أول جملة تهديد إخوانية لكل المصريين هى ما جاءت على لسان ذلك الإخوانى قائلًا: «إن ما يحدث فى سيناء سيتوقف بعودتهم للحكم»، ولم تكن الجملة بنت لحظتها، ولا بنت عامها ٢٠١٢، ولا بنت قرنها، بل بنت تاريخ طويل من العداء، تاريخ يعيد نفسه، ويعيد نفس فكرة التآمر على مصر باستخدام سيناء.

مرة أخرى أقول إن الإعلان عن اكتشاف قلعة بسماتيك الأول فى ١٣ مايو ٢٠١٩ لا يقل أهمية وتأثيرًا عن الإعلان عن افتتاح الأنفاق فى ٣ مايو ٢٠١٩، فكلاهما يدل على أهمية الربط وفق قاعدة الانسجام فى الأرض المصرية، وكلاهما يقف ضد فكرة البديل التى تأتى غالبًا من «آسيا الشقيقة»، كفكرة إنشاء ممرات مائية وبرية بديلة، وكلاهما يقف ضد فكرة التغيير التاريخى، خاصة فى تاريخ المقدس، والتى تأتى غالبًا من «آسيا الشقيقة»، كما تزعم أفلام حديثة تم إنتاجها خصيصًا لتثبت أن القصص الدينية المقدسة حدثت فى أراضٍ وأودية أخرى، ليست فى سيناء.

فى عام ٦٧٧ قبل الميلاد، حل الاحتلال الآشورى على مصر، والملاحظ أن ذلك الاحتلال استمر ١٤ عامًا فقط، لكنه كان يعمد إلى تأثيرات كبرى، أولها تخريب المقدس المصرى، حيث هدم وخرب طيبة تخريبًا وحشيًا، باعتبارها المركز الحضارى الدال على مصر وهويتها.

والملاحظ أن الآشوريين اختاروا حكامًا مصريين ليحكموا البلاد نيابة عن التنظيم الآشورى فى المنطقة، أقصد نيابة عن الإمبراطورية الآشورية، لكن بسماتيك الأول رفض كل ذلك، وقاد عملية التحرير الكبرى التى انتهت بطرد الآشوريين من مصر فى عام ٦٥٣ قبل الميلاد، بل إنه حرر أجزاء من فلسطين من حكم الآشوريين.

ثم قام بسماتيك الأول بتوحيد البلاد تحت حكم سلطة مركزية واحدة، وأعاد سيطرته الكاملة على سيناء، وبهذه الأعمال بدأت مصر تشهد رخاء عظيمًا فى مختلف الجوانب بما فيها الجوانب الفكرية والفنية والتراثية، لدرجة أن عصر الأسرة السادسة والعشرين- العصر الصاوى- التى أسسها بسماتيك يسمى بعصر الرينسانس المصرى، ولدرجة أن عاصمة البلاد «سايس»، (صا الحجر حاليًا)، صارت مركزًا للإشعاع الحضارى العالمى، ما جعل هيرودوت يفيض فى وصف أخبارها، وما جعل بعض الدارسين يصفونها بأنها النموذج الأولى للإسكندرية العظيمة فيما بعد.

ومع ملاحظة أن «سايس» هى أول عاصمة لمصر تقع غرب الدلتا، أى أكثر اقترابًا من سيناء، فإن بسماتيك الأول وخلفاءه عملوا على القيام بالمزيد من المشروعات فى سيناء، ومنها مشروعات استخراج النحاس من أرضها، وهى مشروعات استلزمت الحماية بإقامة العديد من القلاع العسكرية التى تؤمّن سيناء من ناحية وتؤمّن الطرق ما بين سيناء والوادى، وتؤكد الرابط المقدس بينهما، وهو الرابط الذى يتجلى أحيانًا فى قلاع، كما يتجلى فى أنفاق.