الإثنين 24 يونيو 2024
المحرر العام
محمد الباز
المحرر العام
محمد الباز

ماريا عزت تكتب: وفى الليل يهمسن

الليل
الليل

منذ فترة وهى تشاغله، تتقافز بين أرصفة المحطة حاملة قفة السميط والجبنة، تعترض الركاب وتفلت من أيدى العساكر. تنظر إليه دومًا بنظرات يملؤها الجوع والبرد، ظل مترددًا حتى دعاها لغرفته الضيقة ذات النوافذ الزجاجية المغطاة بصور نساء عاريات كلها مقتطعة من المجلات. لم يكن يهتم كثيرًا بمن تشاركه الفراش، الأهم بالنسبة له أن يتردد نفس غير أنفاسه فى الحجرة. 

كن كثيرات حتى نسى معظمهن متسولات، بائعات «أزوزة» بائعات سميط وجبنة وأكثر ما يكره بائعات اليانصيب، بعد أن يغلبهن التعب يشتقن إلى طبق عدس وفراش دافئ فيذهبن لحضنه. يقبلهن كما هن لا يبالى بوسخهن ولا بثيابهن الممتلئة بالعرق ولمسات رواد المحطة ولا بالعطن الصادر من كل ثنايا أجسادهن. رغم ضخامة جسده وسلطته وإدارته المحطة وفظاظته مع الجميع، ركاب وسائقى القطارات وعمال الفلنكات، إلا أنه مهذب معهن لا يفرض نفسه، يفتح بابه ويترك لهن قرار الدخول، يعطيهن ما يحتجن من طعام ويبقى مطلبه للنهاية. 

يستيقظ أحيانًا مذعورًا ينتابه هاجس أنه لو استغرق فى النوم فسوف يتقلب على من تشاركه الفراش ويسحق عظامها، لكن الليلة مميزة باردة، لف جسده ببطانية الجيش الصوف وخرج ليشاهد الشهب التى سمع عن ظهورها اليوم من أحد الركاب. رفع نظره للسماء وتذكر حلمه، فى صباه أراد أن يكون نسرًا، شعر أن الأكسجين ينكمش فى رئتيه وبضآلته داخل المحطة الكبيرة. قرر أن زائرته التى ستأتيه فى منتصف الليلة ستكون الأخيرة، فهو سيتركهن ويترك الصور العارية وصفارته ويستقل أحد القطارات العشوائية ويذهب بعيدًا. 

دخلت تتلصص تحمل بداخلها أعذارًا لأى سؤال يوجه لها، رآها فترك «سوستة» الحقيبة الجلدية المنتفخة بأغراضه وأشار بإصبعه لحلة العدس ولفة تحوى بقايا سندوتشات طعمية، دستهم فى فمها دفعة واحدة وجلست على طرف السرير، أزالت عصابتها وفكت ضفائرها التى يكسوها التراب وأخرجت من صدرها بعض العملات المعدنية وكومتهم تحت المخدة، بينما تحرك هو ببطء وجلس على الطرف الآخر من السرير، نزع حذاءه ذا الرقبة العالية، بعد القبلة الأولى لعن النسر المحلق وقطاره العشوائى واعتنق عبادة جسدها.