الإثنين 24 يونيو 2024
المحرر العام
محمد الباز
المحرر العام
محمد الباز

طفل الرنة.. «كوكتيل» أمراض نفسية على الشاشة

طفل الرنة
طفل الرنة

- قضايا الصحة العقلية تتشابك باحترافية فى حلقات المسلسل القصير

صرت مشغولة فى آخر سنواتى بالنفس والروح والجسد، فى محاولة لفهم ذاتى أكثر. أظن أن تلك حمى أصابت الكثيرين منا، وهذا طبيعى جدًا، ومنطقى كذلك، لأن الكثير مما يحدث حولنا لم نُصنع له، ولم نُفطر على التعامل معه، وخلف دواخلنا الكثير من عدم الفهم.

والأكيد أننا يجب أن نستمر فى تلك الحياة، وأن ننجح ونبحث عن السعادة لا أن نحيا فقط، ولا سبيل لعلاج «خُراج» سوى الذهاب إلى الطبيب، أو البحث فى حلول منزلية. وإن كنت دائمًا سأختار الحل الأول، رغم صعوبته، يمكن بالتوازى أن أضيف إلى الخلطة بعض بهارات الحلول المنزلية، والاعتماد على مبدأ «اصنعها بنفسك»، لأن الحلول من هذا النوع ممتعة جدًا وشديدة السهولة، رغم عدم جدواها وحدها.

الأعمال الفنية بمختلف أنواعها من بين هذه الحلول المنزلية المهمة، وفى الموضوع التالى نُحلل واحدًا من هذه الأعمال، هو مسلسل «Baby Reindeer»، أو «طفل الرنة».

الصفحة الرابعة والعشرون من العدد الحادى والعشرين لحرف

«مارثا» ليست الشريرة الوحيدة

لم أشاهد منذ فترة طويلة عملًا لاقى هذا الرواج مثل «Baby Reindeer»، حتى إن شخصياته أصبحت حديث الساعة، ليس فقط الخيالية الموجودة فى الأحداث، بل أيضًا الشخصيات الحقيقية.

مثلًا لقاء الممثلة البريطانية جيسيكا جونينج، التى جسدت شخصية «مارثا» ضمن أحداث المسلسل، مع بيرس مورجان فى برنامجه الشهير، حصد أكثر من مليون مشاهدة، ليقارب انتشاره الحلقة التى سجلها الإعلامى البريطانى مع باسم يوسف عن فلسطين، بالتزامن مع وجود المسلسل ضمن أفضل ٥ أعمال على منصة عرضه.

«Baby Reindeer» هو مسلسل إثارة نفسى ضمن فئة «شبه السيرة الذاتية»، يتعمق فى القصة الحقيقية لكاتبه وممثله، الممثل الكوميدى الأسكتلندى ريتشارد جاد، والذى استمد العمل من الأحداث المزعجة التى عاشها فى شبابه.

يجسد «جاد» شخصية «دونى دان»، وهو نادل وممثل كوميدى طموح يقيم فى لندن، ويصبح هدفًا لمطاردة مهووسة به، تحمل اسم «مارثا»، بعد مواجهة تبدو بريئة. وبينما تتكشف القصة، تستهلك حياة «دونى» تدريجيًا من خلال هذه المطاردة المستمرة من قبل «مارثا»، التى ترسل رسائل تهديد، وتجرى مكالمات هاتفية، وتطارده هو ووالديه فى المنزل والعمل، ما حول حياته إلى جحيم يومى.

Baby Reindeer

يصور المسلسل الأثر النفسى الذى يلحق بـ«دونى»، والذى رغم طلبه المساعدة من السلطات، يجد نفسه عالقًا فى لعبة قط وفأر مرعبة مع هذه المُطارِدة، التى تبدو دائمًا أنها تسبقه بخطوة، وتتوقع كل تصرفاته. وبينما يحاول «دونى» استعادة السيطرة على حياته، يتعمق فى البحث عن خلفية «مارثا»، ويكتشف تفاصيل مزعجة عنها، تزيد من إحساسه بالرهبة، وصولًا إلى ذروة التوتر، بإجباره على مواجهة أسوأ مخاوفه، والقتال من أجل بقائه.

المسلسل هو استكشاف مؤلم لتأثير أصحاب الأمراض العقلية الخفية على حياة من يقابلونهم، والتحديات التى يواجهها الضحايا فى سعيهم لتحقيق العدالة وإعادة حياتهم إلى نسقها، ويعد بمثابة تذكير مروع بالخط الرفيع بين الإعجاب والهوس، ومدى السرعة التى يمكن أن تنقلب بها حياة شخص ما رأسًا على عقب بسبب تصرفات آخر.

ومشاهدة العمل ستكون أكثر إيلامًا للبعض دون غيرهم، هؤلاء الذين قابلوا أشخاصًا بنفس الأمراض النفسية التى عُرضت ضمن الأحداث. وبحسب مناقشات أجريتها مع بعض متابعى المسلسل، أجمعوا على أن سبب إيلامهم هو أن العمل جعلهم يرون واقعهم الحقيقى وقت الإيذاء، وبالتالى دفعهم إلى مواجهة مع ذواتهم، أى مكسب أقيم من هذا؟ وأى فن سوى الفن الحقيقى يقدر على صنع ظروف تلك المواجهات؟

هناك ٣ شخصيات أساسية فى المسلسل، الضحية «دونى»، والمطُارِدة «مارثا»، والشرير الأعظم «دارين»، ورغم أن الأخير مساحته لم تتجاوز حلقة كاملة، وبعض المشاهد هنا وهناك، إذ إن معظم الأحداث تدور بين «دونى» و«مارثا»، إلا أن «دارين» دمر حياة «دونى» بنفس القدر، إن لم يكن أعظم.

تبدأ الحكاية بين الخط الثانى فى الشخصيات والأحداث، من خلال مشهد يجمع «دونى» ومعلمه «دارين»، حيث يوهم الثانى الأول أنه سيساعده فى تحقيق حلمه، لينتهى الأمر باغتصاب «دارين» لـ«دونى»، وهو الاغتصاب الذى غير الميول الجنسية للأخير، ثم كان حجر الأساس فى جعله ضحية لـ«مارثا»، لأنه وهن جدًا جراء هذه التجربة القاسية، ولم يكن يقوى حتى على التفرقة بين الأشخاص العاديين والمرضى، مهما كانت السمات واضحة.

Baby Reindeer

نرجسية وجنون عظمة ووسواس قهرى

عادة ما تصور السينما الأمراض النفسية بشكل فيه خلل أو بمبالغة، لكننا فى «Baby Reindeer» أمام عمل، لم يزد ولم يُنقص، وتحدث عن أمراض شخصياته بصدق.

تبدأ آلام «دونى»- كما أرى- من عند الوالدين، فالأم شخصية طائعة لينة، على عكس الوالد الذى لم يحضن ابنه إلا بعدما اكتشف حجم الأذى الذى تعرض له، ليعكس صورة الأب القاسى المحب فى نفس الوقت.

يليهما المعلم «دارين» الذى اغتصب «دونى»، وهو شخص يعانى من أعراض اضطراب الشخصية النرجسية، ما دفعه إلى استخدام موقعه فى السلطة لاستغلال «دونى»، ويتميز سلوكه بافتقار مخيف للتعاطف، وقدرة مزعجة على العنف، ما يسلط الضوء على ميوله الخطيرة، وإصابته باعتلال اجتماعى.

كان لأفعال «دارين» تأثير عميق ودائم على ضحيته «دونى»، ما أسهم بشكل كبير فى صدمة الأخير، وصراعاته اللاحقة فى مجال الصحة العقلية، وبالتالى يعتبر «دارين» محفزًا للكثير من الاضطرابات النفسية التى تم تصويرها فى القصة ككل.

يعانى ريتشارد من اضطراب ما بعد الصدمة بسبب الأحداث المؤلمة التى تعرض لها، وخاصة المطاردة والمضايقات التى يواجهها. تظهر أعراض مثل ذكريات الماضى واليقظة المفرطة والاضطراب العاطفى أثناء تنقله فى أعقاب المحنة.

أما «دونى دان» فيعانى من «جنون العظمة الشديد» نتيجة المطاردة وشعوره باستمرارها وتهديده، ويشتد «جنون العظمة» هذا مع تصاعد المطاردة، ما يؤدى إلى تفاقم قلقه وخوفه.

وتتدهور صحة «دونى» العقلية طوال المسلسل، وتظهر فى أعراض الاكتئاب والقلق، والمعاناة من مشاعر اليأس والخوف والعزلة، وهو يحاول التغلب على الصدمة التى لحقت به.

بينما يظهر «اضطراب الوسواس القهرى» فى تصرفات «مارثا»، التى تحاول نيل حب وقبول «دونى» بأى شكل، وفى حاجة قهرية للسيطرة، وتعكس أفعالها الغريبة، مثل التواصل المستمر والمراقبة، ميول هوسية تسهم فى انزعاج «دونى» ونفوره منها.

تتشابك قضايا الصحة العقلية فى حلقات المسلسل، ويتم تسليط الضوء على الخسائر النفسية للمطاردة والصدمات والإيذاء، مع تصوير تعقيدات المرض النفسى، وتأثيره على حياة الأفراد.

وتوجد لفتة رائعة من صناع العمل، تعكس معرفتهم بمن سيشاهدهم خصيصًا من قبل عرض المسلسل، تتمثل فى وضع «لينك» لبرنامج رعاية صحية نفسية، لمن يعانى أو عانى من آلام كآلام البطل.

والجدير بالذكر أن هذا العمل الدرامى سبقه كتاب حمل نفس الاسم فى عام ٢٠١٩، وتضمن تفاصيل أكثر.