الإثنين 24 يونيو 2024
المحرر العام
محمد الباز
المحرر العام
محمد الباز

محمد مصطفى يكتب: من واحد لسبعة

من واحد لسبعة
من واحد لسبعة

 

 

أبى هنا..

أبى يرقد هنا منذ شهور، شخَّص الأطباء البؤساء حالته بأنها ميئوس منها.. وماذا يعرفون؟ صار بينى وبينه ميعاد يومى لا أتأخر فى الذهاب إليه مهما كانت الظروف..

الغريب أننى صرت أكثر ارتباطًا به بعد تمكُّن المرض من جسده.. 

تجلى احتياجى له وأنا رجل فى الأربعين كما لو عدت طفلًا..

كرسى وحيد أمام سريره أدفن نفسى فيه يوميًا لمدة ساعة لتنساب الذكريات؛ ما أبعد هذا الوجه الشاحب عن وجه أبى.. أتذكر خطواته الواثقة وجسده الفارع وهو يصحبنى لزيارة فى العيد وأنا فخور ومحمى به.. قاموا ببتر قدمه اليمنى منذ شهرين، والآن يسعون خلف اليسرى؛ يقطعون أبى كشاه حفاظًا على حياته؛ أى حياة يقصدون؟.. أجلس أمام ما تبقى منه متخيلًا نفسى فى مكانه.. كل ما أتمناه لنفسى هو موت بلا ألم، بلا ألم طويل على الأقل. وأبى قد تألم طويلا جدًا.. بدأتْ رحلته الموحشة بجلسة غسيل كُلى، وانتهت به شبحًا؛ اتحاد الفشل الكلوى مع السكر أسقطه فى حفرة بلا قرار.

منذ فترة كدت أشعل النار فى المستشفى، عندما علمت أن طبيبه يرغب فى نزع أجهزة الحياة عنه كدت أقتله؛ اللعين يرغب فى اغتيال أبى. تكاليف العلاج مرهقة لموظف مثلى، أتحملها راضيًا كى لا أصير يتيمًا؛ محظوظ من بلغ الأربعين ومازال والداه أحياء، ولكن أبى يتألم. 

شاهدت مولانا ذا اللحية الكبيرة على التلفاز بالأمس يقول للمؤمنين والباحثين عن تعزية بأن لتلك الآلام حكمة، فهى تكفر عن الذنوب وتخفف من عذاب الآخرة، أو أنها عقاب إلهى عن الخطايا فى الدنيا..!! 

حضرة الشيخ دعنى أسأل لحيتك الحكيمة سؤالًا إجباريًا عن طفلة صديقى التى رحلت فى التاسعة جراء سرطان الرئة؛ عن أى ذنوب كفَّرتْ آلام هذا الملاك؟ وما الذى اقترفته الصغيرة من خطايا من أجل أن ينهشها المرض؟ لحيتك الحكيمة تعرف علة كل شىء.. فاصمتْ.

مكانى فى الجحيم محجوز على أى حال منذ خنت مريم. أنظر إلى أبى متسائلًا عن كم الذنوب التى اقترفها حتى يواجه هذا العذاب؛ مقايضة خاسرة لا أبتغيها. ما الأمل بالنسبة له حتى لو استفاق.. ما جدوى الحياة بلا أمل؟.. 

فى كل مرة اخترقت الإبر جسده الواهى، باحثة عما يشبه الوريد، كنت أشعر بوخزها يخترقنى.. سبعة أجهزة متصلة بيديه ورقبته تحاول شده من السقوط النهائى. يستفيق أحيانًا بلا كلام، نظراته لا تنتمى إلى هذا العالم ويرى أشياء لا أراها.. تحمل فى طياتها آلاف الأوجاع والرسائل، تقتحمنى دفعة واحدة. إن كان لليأس معنى فأنا هو؛ راحته من عذابه تحوى راحتى من مصاريف العلاج وعناء الزيارات اليومى.. لو فعلتها أمن أجله أم من أجل أنانيتى وتحررى من فرع ذابل؟ وبمَ سيحكم ضميرى لاحقًا على ذلك القتل الرحيم..

بلا مشاعر أو بكل ما بى من مشاعر وقفت أمامه.. اِلتفَّ حولى ملاكٌ وشيطان. بدأت فى انتزاع الأجهزة عنه من الأول للسابع؛ ست مرات فى كل منها كنت أنزع فيها شيئًا من روحى.. 

ترددت أمام الأخير برهة؛ تُرى.. أى جزءٍ من حياته مرتبط بتلك الآلة ومن سأكون بعدها؟.. 

فجأة فتح عينيه، عاد وجهه شابًا كما كان عندما حملنى لأول مرة وأنا فى المهد؛ نظراته تحمل حبًّا ورجاءً وامتنانًا. احتضنت يده بيدى مشجعًا، وبيدى الأخرى نزعت الجهاز الأخير.. 

سكتت الأصوات وساد الهدوء..

أغمض عينيه مبتسمًا.. فجلست بجواره جامدًا كجثة أرنو إلى شمس غاربة تُفضى إلى ليل بلا نهاية.