الثلاثاء 25 يونيو 2024
المحرر العام
محمد الباز
المحرر العام
محمد الباز

مزاج هتلر.. كيف أصبحت «السيمفونية التاسعة» لـ«بيتهوفن» رمزًا للنازية؟

النازية
النازية

- استخدمت السيمفونية فى إبراز وتوصيل الأفكار على مدار التاريخ وللتأثير على الجماهير أو توجيه رسائل سياسية معينة

- هناك قائمة طويلة جدًا من السياسيين الذين أحبوا السيمفونية التاسعة وجعلوا من هذه الموسيقى رمزًا لأفكارهم وتوجهاتهم

- السيمفونية كانت الاختيار الأمثل للناز ية لأنها توضح قدرة «الفوهرر» على تحقيق انتصار مظفر

السلام والصفاء والمحبة، ثلاثة مشاعر ستسيطر عليك بمجرد استماعك لـ«أنشودة الفرح»، المقطع الرابع من «السيمفونية التاسعة» للموسيقار الألمانى العظيم لودفيج فان بيتهوفن، وهى الأنشودة التى حصدت شهرة عالمية غير مسبوقة، واستخدمتها أنظمة الحكم المختلفة فى أوروبا للترويج لأفكارها السياسية.

وحظيت هذه المقطوعة بشعبية جارفة فى ظل قدرتها، على تحفيز وتأجيج المشاعر العميقة للمستمعين، فاستغلها العديد من الجماعات والحركات السياسية على مدار التاريخ، لتعزيز أيديولوجياتها ولدعم رسائلها وأهدافها وتوجهاتها.

وواكب يوم 7 مايو الجارى الذكرى السنوية الـ200 لتأليف هذه المقطوعة الأيقونية، التى تُعرف أيضًا باسم «الكورال» التى ألّفت فى ظروف استثنائية، واعتُبرت فارقة ومؤثرة وقت صدورها، وتتضمن صياغة موسيقية لقصيدة تحمل الاسم نفسه، كتبها الشاعر الألمانى فريدريك شيلر عام 1785، وتحكى عن مشاعر وروح الأخوة والمجتمع الإنسانى الراقى.

وعلى الرغم من أن القصيدة ليست سوى جزء من المقطع الرابع من «السيمفونية التاسعة»، لكنها أكثر المقطوعات التى دائمًا ما يشتاق إليها ويترقبها الجمهور بشكل عام، عندما يتم عزفها فى أى حفل موسيقى، حيث تطغى سلطة وقوة هذا المقطع والأنشودة على تأثير السيمفونية نفسها.

بيتهوفن.. كيف يبدع “أصم” أعظم الموسيقى في التاريخ؟ – قناة الغد
بيتهوفن

العبقرى الأصم

قبل عرضها أوائل عام ١٨٢٤؛ لم يكن أحد من عشاق الموسيقى الكلاسيكية قد استمع إلى مقطوعة موسيقية بهذا التعقيد الذى يغلف السيمفونية التاسعة، ولا بهذا الحجم من التناغم والتشابك النغمى.

هكذا قال ألكسندر ريهدينج، أستاذ الموسيقى فى جامعة هارفارد فى الولايات المتحدة، ومؤلف كتاب «السيمفونية التاسعة لبيتهوفن» الذى يتناول تحولات السيمفونية فى الثقافة الرقمية المعاصرة.

وأضاف «ريهدينج»: «كل شىء تقريبًا فى هذه السيمفونية ثورى، إنها أطول من أى سيمفونية أخرى، وتحتاج جهدًا استثنائيًا بالنسبة لفريق الأوركسترا الذى يعزفها، وجميع الآلات الموسيقية فيها صعبة، وهى أول سيمفونية تتضمن جزءًا كوراليًا، وهو أمر لم يحدث فى هذا النوع من السيمفونيات».

وتابع: «يتطلب الأمر لإنتاجها ١٥٠ عازفًا، يبذلون أقصى ما فى وسعهم، إنها موسيقى ضخمة ومجهدة لكن يجب عزفها، والحركة الرابعة على وجه الخصوص طويلة جدًا ومرهقة للغاية، ويمكن أن تستغرق من ٢٥ دقيقة إلى نصف ساعة».

ومع ذلك، كان «بيتهوفن» على دراية تامة بالمخاطر التى واجهها خلال تأليفها، لكنه خطط لتجاوز كل الصعوبات على فترة طويلة، وعلى الرغم من أن الجمعية الملكية فى لندن هى التى كلفته بتأليفها، عرض العمل لأول مرة فى فيينا المدينة التى تبنت موهبته، بين جمهور مخلص لموسيقاه للغاية ويعرف تجاربه السابقة وقيمة ما يصنعه من فن.

وتبنى المؤلف أسلوبًا غير نمطى فى كل أعماله وخاصة السيمفونية التاسعة، وعلى الرغم من أن فيينا أشادت به كثيرًا بعد تأليفها، لم تحقق نجاحًا كبيرًا فى مدن أخرى خارج فيينا، لدرجة أن بعض قادة الفرق الموسيقية رفض عزفها، لأنه قيل إن «بيتهوفن» حين ألفها كان مصابًا بالصمم. ورغم أنه كان مصابًا بالفعل بالصمم ولا يستطيع الاستماع إلى أى شىء، كانت الموسيقى فى خياله حاضرة وظهرت بشكل خلاب حين تمت ترجمتها على أرض الواقع.

ورأى النقاد أن «أنشودة الفرح» طغت على بقية أجزاء السيمفونية، وكان هناك اتجاه فى القرن التاسع عشر لحذف الجزء الكورالى وعزف المقاطع الثلاثة الأولى منها، والاكتفاء بالجزء الرابع فقط.

وقال «ريهدينج»: «الموسيقى لديها نوع من المقاومة، ولكن لا يمكن تحصينها ضد الاستخدام فى السياقات الشريرة، لقد تم استخدامها فى الدعاية للتوجهات السياسية والأناشيد القومية والوطنية لكن بصورة سيئة».

وأردف: «أصبحت الموسيقى الكلاسيكية ضرورة ملحة فى أى مناسبة وطنية، لكن هناك خطرًا من أن تصبح تلك الموسيقى تجارية أكثر من اللازم، وهذا لا يحدث فقط فى السيمفونية التاسعة بل هو ظاهرة من ظواهر عصرنا، فكل عمل فنى يمكن أن يتم توظيفه فى أمور غير فنية.. إلا أن مقطوعة بيتهوفن هى رمز لهذا التصور».

وواصل: «أداؤها شهد تحولًا مثيرًا للاهتمام على وسائل التواصل الاجتماعى، خاصة على موقع (يوتيوب). فعلى هذه المنصة، يمكن سماعها على المسارح التى تقدم عروضًا من الموسيقى السريعة، وهو أسلوب نموذجى تنتهجه هذه المنصات لتتيح لعدد لا يحصى من المشاركين أن يستمتعوا بهذا الجمال».

واختتم بقوله: «على هذه المنصات ظهر تأثير أنشودة الفرح على الجمهور، إذ يبدأ اللحن الذى تعزفه آلة موسيقية واحدة ثم تنضم إليها آلات أخرى. ثم يبدأ اللحن بتناغم بسيط، ثم تبدأ الجوقة ثم الأوركسترا بأكملها، وهذا التناغم جذب المزيد والمزيد من الناس الذين يستمتعون بالمقطع ثم يبدأون فى مشاركته مع غيرهم، وهنا تفرض الموسيقى سيطرتها».

لودفيغ فان بيتهوفن، السيمفونية التاسعة | التسجيل الأفضل.

صنم الغرب 

تساءل النقاد كثيرًا عن الأسباب التى جعلت هذا الجزء من السيمفونية التاسعة الأكثر استماعًا، وأرجع البعض ذلك إلى أن اللحن يتحدث عن مصائر البشر، وهى مشاعر تجذب المستمعين بشدة.

وقال استيبان بوخ أستاذ تاريخ الموسيقى فى كلية الدراسات العليا فى العلوم الاجتماعية فى فرنسا، ومؤلف كتاب «السيمفونية التاسعة لبيتهوفن كتاريخ سياسى»: «سبب هذه الشهرة التى تتمتع بها (أنشودة الفرح) هى أنها تشبه الألحان الخاصة بالموسيقى الشعبية آنذاك، فاللحن بسيط ويمكن تذكره وغناؤه بسهولة».

وأضاف: «(أنشودة الفرح) تحدث توترًا مبهجًا وارتباطًا بشىء إنسانى وهو الفرح. وفى الوقت نفسه تحتوى المقطوعة على توتر إيقاعى ولحنى داخلى مما يزيد من تعقيدها».

وحسب «بوخ»، النص الشعرى لـ«أنشودة الفرح»، ضمن الأبيات التى كتبها «شيلر» كانت بديعة، لكن «بيتهوفن» أعاد ترتيب الأبيات وغيّر السياق.

وقال: «كان يحكى عن فكرة الأخوة، أى أن جميع البشر يجب أن يصيروا مترابطين.. هذه الفكرة بسيطة جدًا لترسيخ التعاون الإنسانى العالمى، وهى التى تلامس مشاعر الناس».

وتابع: «تم عزف وغناء المقطوعة على مر عقود وفى سياقات مختلفة»، واصفًا إياها بأنها «صنم الغرب الموسيقى»، وأنها تتمتع بميزة تجعلها تنال إعجاب كل أنماط البشر رغم اختلافهم، وكذلك مختلف أنواع التوجهات السياسية والأفكار، مردفًا: «فى بعض الحالات استُخدمت السيمفونية كنشيد وطنى، وهى الآن النشيد الرسمى للاتحاد الأوروبى».

بعد 30 عاما على سقوط جدار برلين.. جدران جديدة تشيد لمواجهة العولمة - بوابة  الأهرام
سقوط جدار برلين عام ١٩٨٩

التوجيه السياسى

كان سقوط جدار برلين عام ١٩٨٩، أحد أكثر الأحداث التى نتذكر معها «السيمفونية التاسعة»، حيث عزفها قائد الأوركسترا الأمريكى ليونارد برنشتاين مع أوركسترا برلين الفيلهارمونية واستبدل فيها كلمة «الفرح» بكلمة «الحرية» ليصبح الجزء الرابع من السيمفونية بعنوان «أنشودة الحرية».

كما حضرت السيمفونية بقوة مع أصوات المتظاهرين فى أحداث احتجاجات ميدان تيانانمن فى الصين، وكذلك فى تشيلى احتجاجًا على انتهاكات حكومة بينوشيه».

ووفقًا للأستاذ «إى هيس»، استخدمت السيمفونية فى إبراز وتوصيل الأفكار السياسية على مدار التاريخ وللتأثير على الجماهير أو توجيه رسائل فكرية وسياسية معينة.

وقال: «فى فيينا عام ١٨٢٤، انتشرت تصريحات ليست صادرة من بيتهوفن بل من أصدقائه، تعلن عن موعد العرض الأول لهذه السمفونية، وحينها تم استخدام العرض للتأثير فى عدة قضايا وطنية، مع التأكيد على فكرة أن بيتهوفن فنان عظيم وملك للأمة النمساوية. وكان هذا فى إطار توجيه سياسى صريح».

وأكمل: «كان هناك أيضًا بُعد سياسى فى واقعة إزاحة الستار عن تمثال لبيتهوفن فى مدينة بون بألمانيا مسقط رأسه عام ١٨٤٥، ضمن مبادرة لتصميم تماثيل لمجموعة من الموسيقيين العالميين الذين كان يشاع أنهم أنهم يعبدون الموسيقى، وأن بيتهوفن نفسه يعتبر إله الموسيقيين المفضل». وواصل: «هناك قائمة طويلة جدًا من السياسيين الذين أحبوا السيمفونية التاسعة، وجعلوا من هذه الموسيقى رمزًا لأفكارهم وتوجهاتهم».

وأكمل: «كان هتلر يقول عنها: إنها موسيقى ترمز إلى الجمال، وبالتالى ترمز إلى صلاح قضيتى»، مردفًا: «لسوء الحظ، كانت هناك أنواع أخرى من الوقائع المؤسفة المرتبطة بالسيمفونية. ومنها استخدام النازيين ليس فقط للسيمفونية التاسعة بل لموسيقى بيتهوفن نفسه بشكل عام ورئيسى فى فترة حكمهم».

وتابع: «عُزف مقطع الكورال فى أولمبياد برلين عام ١٩٣٦، كمحاولة لإظهار تفوق العرق الآرى. وقاد فريق السيمفونية كاملًا (فيلهلم فورتفانجلر) مع أوركسترا برلين الفيلهارمونية، فى عيد ميلاد هتلر عام ١٩٣٧».

ووفقًا لوزير الإعلام النازى جوزيف جوبلز، فإن السيمفونية كانت الاختيار الأمثل للنازية لأنها توضح بـما وصفه بقتالها ونضالها، قدرة «الفوهرر» على تحقيق انتصار مظفر ومبهج.

وأشار استيبان بوخ أيضًا إلى ما تردد حول أن جمهورية روديسيا المستقلة حديثًا «زيمبابوى الآن»، التى فرضت نظام الفصل العنصرى عام ١٩٧٤، اعتمدت هذه السيمفونية كنشيد وطنى لها.

ووصف هذه الواقعة بأنها كانت لحظة سوداء وأسوأ استخدام للسيمفونية التاسعة، وتذكرنا بأن أجمل الموسيقى وأكرمها يمكن أن تستخدمها أية جماعة معادية للديمقراطية.

وتابع: «لا ينجو الاتحاد الأوروبى من تهمة الشمولية فى ظل اعتماده (أنشودة الفرح) بدون كلمات كنشيد للاتحاد»، قائلًا: «هذه النسخة منها تستند إلى ترتيب أجراه قائد الأوركسترا النمساوى الشهير هربرت فون كاراجان، المعروف بأنه كان عضوًا فى الحزب النازى».

وتابع: «يرى البعض أن هذا يدعو إلى التشكيك فى التطلعات الإنسانية لهذه القطعة الموسيقية، وقد تساءل فلاسفة مثل الألمانى تيودور أدورنو على سبيل المثال عن ماهية الموسيقى بالضبط وكيف يمكننا أن نؤمن بها كقوة للتقدم الأخلاقى والروحى إذا كان من الممكن استخدامها للاحتفاء بكل ما هو شرير».