الثلاثاء 16 يوليه 2024
المحرر العام
محمد الباز
المحرر العام
محمد الباز

واسينى الأعرج: انحزت لمى زيادة لأنها ظُلمت وأُدخلت مستشفى الأمراض العقلية لسرقة أموالها

واسينى الأعرج وبسنت
واسينى الأعرج وبسنت حسن

- تعلمت الرواية من حكايات أجدادى المطرودين من الأندلس

- مصر لها وقع عظيم فى نفسى وذاكرتى ومشوارى ومخيلتى

واسينى الأعرج اسم لامع فى سماء الرواية، ليس لأنه روائى مخضرم فحسب، بل لأنه حالة مختلفة مزدحمة بالتجارب والألوان الكتابية، وهو ما وضع أعماله فى قوائم الأكثر مبيعًا بمختلف بلدان الوطن العربى.

ويكتب «واسينى» باللغتين الفرنسية والعربية، وهو ما أهله ليصبح أستاذًا جامعيًا فى جامعتى «السوربون» والجزائر المركزية. وهو ينتمى إلى المدرسة الجديدة فى الكتابة، والتى لا تستقر على شكل معين، وتسعى دومًا لسبل تعبيرية جديدة وأكثر حيوية.

من باريس حيث يقطن، أجرت «حرف» حوارًا خاصًا مع الروائى الكبير، حكى خلاله عن تجربته الممتدة على مدار سنوات طويلة، وعلاقته بالكتابة، بجانب مصادر إلهامه، وغير ذلك من التفاصيل.

■ أنت تكتب للإنسان وعنه لكن النقاد يرون أن كتاباتك نسوية الملمح والطابع.. هل توافق على هذا التوصيف؟

- نعم لأننى كبرت فى مجتمع نسوى، وهذا المجتمع له تأثير نفسى كبير علىّ يظهر فى كتاباتى، فعندما ترين وضعية المكان الذى نشأت فيه وكبرت فيه مع الوالدين والجدين والإخوة والعمات.. إلخ، سيترك عندك أثرًا خاصًا، أضيف إلى ذلك أن وضعية المرأة فى العالم العربى عمومًا هى وضعية صعبة، وبالتالى فعندما بدأت فى الكتابة انطلقت من واقع موضوعى عشت فيه بشكل طبيعى وهذا الواقع يتعمق مع الوقت.

وموضوع المرأة له علاقة بالضمير على كل حال، لأن المرأة ليست أيضًا دخيلة على المجتمع بل لها دور كبير فى تغييره، وتواجه صعوبات وصراعات موجودة فى داخله لأنها جزء منه، وهذه الوضعية الصعبة وبالطبع هى داخل منظومة مجتمعية أكثر تعقيدًا، فكيف لا أنحاز للمرأة.

الصفحة السابعة من العدد الرابع والعشرين لحرف

■ هل الجدة كانت الحكاءة الأولى فى عالمك؟

- كنت دومًا أسأل نفسى عن المعلم الأول الذى تعلمت منه نظام القص والحكى، فكنت دائمًا أعود إلى تلك الجدة، الجدة لها طبيعة خاصة لأنها هى نفسها حكاية، فعندما تروى تاريخها وتاريخ أجدادها الأندلسيين إلى آخره، فأنتِ بفضل حكايتها تدخلين إلى المنظومة الثقافية والتاريخية بما فيها من مظالم.

وجدتى كانت تحكى التاريخ الأندلسى تحديدًا وعملية الطرد من الأندلس بطريقة ليست تاريخية، وعندما كبرت وبحثت فى الموضوعات وجدت أن الكثير من المرويات التى كانت تحكيها عن الأجداد ليست خرافات كما كنت أظن.

مع الزمن تأكد لى أنه داخل كل خرافة محكية هناك جزء من الحقيقة، وهذا الجزء من الحقيقة سيتضح فى وقت لاحق، عندما تقرأ وتتعلم وتكتشف تلقائيًا أن ما قيل كان حقيقيًا، لذا أنا حولت ذلك إلى إبداعات أدبية، مثلما حدث فى روايتى «البيت الأندلسى»، وهى رواية تتحدث عن التاريخ الأندلسى، الذى استلهمت جزءًا كبيرًا منه من مخيلتى وحكايات جدتى.

■ هل تعتقد أن التاريخ يؤثر فى بنية الرواية؟

- نعم التاريخ يؤثر فى بنية الرواية، وهذا أمر مهم بالنسبة لى، وأنا ممن كتبوا الرواية التاريخية، ليس على طريقة جورجى زيدان، الذى كان يؤمن بأن التاريخ هو مادة منتهية، يعنى بالنسبة له تكمن وظيفتنا عندما نكتب الرواية التاريخية فى النقل من هذا التاريخ وتعليمه للآخرين.

أما أنا فطرحت هذه الإشكالية، وسألت جورجى زيدان: «من الذى قال لك إن التاريخ الذى انتقل لنا هو تاريخ صحى»، لذا أدخلت عنصرًا آخر للعنصر التاريخى له رؤية نقدية لهذا التاريخ، فأنا لا آخذ التاريخ كمادة منتهية، ولكن كمادة فى طور التكون.

لذا عندما كتبت عن الأمير عبدالقادر الجزائرى، وهو مناضل ومقاوم جزائرى كبير، كتبت عنه رواية لم ألتزم فيها بالتاريخ الرسمى، ولكن ذهبت نحو التاريخ المغاير والمخفى، والشذرات المخفية التى تسمح للمخيلة أو لعملية التخيل أن تتفتق وتتنوع أكثر، لذا سيكون هناك جزء ثانٍ من هذه الرواية التى تحمل عنوان: «كتاب الأمير: مسالك أبواب الحديد».

لماذا هذا الجزء الجديد؟ لأنه قبل سنوات كتبت تلك الرواية فى جزئها الأول، وكنت أتصور أنها الحقبة التاريخية الأمثل، لأنها الحقبة التاريخية النضالية التى تنتهى أو تبدأ مع بدايات الأمير، وتوليه المقاومة عن طريق والده الشيخ محيى الدين، لكن هنالك حقبة ثانية مهمة جدًا تتعلق بشخصيته وتكوينه وتوجهه نحو الصوفية، وعلاقته بالشيخ محيى الدين بن عربى، تلك العلاقة الروحية التى لازمته وظلت معه حتى أنه دفن بجانب قبره.

واسينى الأعرج

■ روايتك الأخيرة «حيزية» أثارت جدلًا واسعًا، وهى أقرب لحكايات قيس وليلى وعنترة وعبلة، وهوجمت كثيرًا بسبب ذلك.. ألم تكن لديك رؤية مغايرة لهذا التراث كما فعلت فى تناولك لمى زيادة مثلًا؟

- صحيح أنا انحزت لمى زيادة لأنها كانت مظلومة، وهى شخصية ذات قيمة ثقافية، واستضافت أول المنتديات الثقافية فى القاهرة، وكان يحضر إليها كبار المثقفين مثل عباس العقاد، وغيره من الأسماء الكبيرة، ولكن فى يوم من الأيام أدخلت إلى مستشفى الأمراض العقلية بسبب ابن عمها جوزيف، الذى طمع فى مالها، واستوقفتنى عبارة كتبتها مى زيادة وهى: «أتمنى أن يأتى بعد موتى من ينصفوننى».

لذا بدأت أبحث، ووجدت أنها أدخلت مستشفى الأمراض العقلية ظلمًا تمامًا، وبقيت هناك ولا أحد يتكلم عنها، كذلك فعلوا مع «حيزية»، وهى أسطورة تروى قصة امرأة قتلت لأنها أحبت، فالمرأة فى تلك الأزمنة عندما تحب تُقتل، لأنهم يواجهون الحب بالقتل ويرتضون بالقتل والثأر من الأنثى باسم الشرف.

■ دائمًا ما تنصف الضحايا ضد قاتليهم وظالميهم.. هل ترى أن ذلك من وظائف الأدب؟

- نعم أنا قلت هذا فى فترة الإرهاب فى الجزائر. قلت إنه من العبث أن تسلم نفسك لشخص إرهابى غبى وتقول له أنا موجود تعالى اقتلنى! فمن وظائفك وأدوارك أنت كمثقف حى أن تندد بقاتلك، دعه يركض فى الاتجاه المعاكس ولا ينتصر عليك ويقتلك بخسته المعهودة، فالإرهاب حتمًا فعل خسيس.

واسينى الأعرج

■ تأثرت كثيرًا بمقتل عبدالقادر علولة فى الجزائر.. لماذا؟

- نعم جدًا لأنه كان صديقى ونحن نحتفل أو نستعيد ذكرى اغتياله فى ١٠ مارس، لكنه توفى فعليًا فى ١٤ مارس، لأنه بقى ٤ أيام يقاوم الموت فى المستشفى بعد عملية الاغتيال.

وعبدالقادر علولة كان قمة ثقافية وقمة إنسانية ولا يمكن أن يختلف عليها اثنان، ومهما كانت أيديولوجيته، سواء تيارًا إسلاميًا أو ماركسيًا أو ديمقراطيًا أو لبيراليًا أو قوميًا لا يهم، ويفترض أن تكون القيمة الثقافية متعالية فوق كل الأيديولوجيات والجماعات، وللأسف خسرناه.

كان هنالك بالفعل استهداف حقيقى للفنانين فى هذه الفترة الصعبة جدًا، ورحل كثير من المفكرين والأساتذة الجامعيين، وكان هنالك نوع من الإظلام، أنا أعتقد أنه ممنهج وليس وليد الصدفة.. فكيف يمكن أن يبتلى هذا البلد هكذا بمثل هذه الوقائع التى استهدفت تطفيش المبدعين؟

واسينى الأعرج

■ هل فرنسا كانت منفى اختياريًا بالنسبة لك؟

- حقيقةً لا أعرف إذا كان المنفى اختياريًا أم لا.. قد يكون المنفى قهريًا.. وأنا بالنسبة لى أبقيت على علاقتى مع الجامعة الجزائرية وجامعة السوربون، وتلقيت دعوة السفر من زميل اسمه دانيال غايق، هذا الرجل الذى وضع القاموس العربى الفرنسى.. هذا الرجل دعانى وجئت وبقيت على أساس أننى سأبقى ٦ أشهر فقط وأعود للجزائر، حتى صار عدد سنواتى هنا فى باريس وفى جامعة السوربون ٣٠ سنة، لم أنقطع فيها عن الجزائر لأنه من الصعب أن تعيش خارج بلدك بالكامل مهما كانت القسوة التى تعانيها بالداخل، خصوصًا حين تكون روابطك الروحية كبيرة.. فلديك أهلك وأصدقاؤك وطلبتك أيضًا.

■ فى روايتك «شرفات بحر الشمال» شهدنا البطل «ياسين» يعانى من الألم المرتبط بالبعد عن الوطن.. هل هذا إسقاط عليك؟

- هو شىء حقيقى وليس مجرد إسقاط.. فأنت كمثقف تشعر بالمعضلة بشكل أكبر، وأى جزائرى أو أى عربى عانى من هذه الحالة سيجد نفسه داخل هذا النص.. فكرة أن رجلًا وخصوصًا فنانًا يشعر بأنه مقدر فى بلاد غريبة وليس مقدرًا فى بلاده فهذه مأساة.. اسألى أى إنسان فى العالم العربى وسترين.. ستحصلين على نفس الإجابة، وسيقول لك نفس الكلام إنه لم يجد فى بلده للأسف حتى فرصة أن يعيش على طبيعته.

ما أريد قوله إن العنصر الدافع قد يكون ذاتيًا لكن بعد ذلك وعندما تنشئ رواية أنت لا تحول الرواية إلى سيرة ذاتية لأنك إذا حولتها إلى ذلك ستكون قد قتلت النص.

■ إذن «شرفات بحر الشمال» هى سردية لأوجاع الوطن والمنفى؟ خاصة وأنت تناقش فيه فترة الاستعمار وما عانته الجزائر فى هذا الوقت من مصاعب.

بالطبع هى سردية لأوجاع الوطن وأوجاع المنفى، وعندما يغادر البطل فإنه سيريد أن يقطع صلته تمامًا مع البلد وسيرى أن هذا البلد ليس له.. فقد أعطى ما أعطى ومنح لهذا البلد ما هو مستطاع واستفاد أيضًا منه، والآن يريد أن ينشئ حياة أخرى ولكن أين يذهب؟ يذهب لهولندا ثم للولايات المتحدة.. هذا المسار حقيقى فيما يقابله من ناحية الموضوعية لكن من ناحية تفصيلات الحياة هنالك جانب تخيلى.. فنحن نعيش فى مجتمعنا ونرى أصدقاء وزملاء وزميلات ومعاناة وكل ذلك يتحول إلى مادة مخزنة فى أعماقك.. بطل الرواية يقول أنا سأغادر هذا البلد.. ثم عندما نقرأ الرواية نجد أنه لم يتحدث عن شىء إلا عن هذا البلد حتى عندما يدخل المتاحف الهولندية، يرى كل اللوحات من منظور ما موجود فى داخله، فتصير هولندا مثلًا وأمستردام مجرد ديكور.. انزع الديكور وضع بدلًا منه الجزائر فترى نفسك داخل الجزائر التى يستحيل أن تُقتلع منها.

■ هل المدينة تعيش بداخلنا كما قال كافكا؟ 

- طبعًا المدينة تظل بداخلنا.. لأنها ليست فقط حجارة وأسمنت وبنايات، المدينة علاقات بالناس والبشر، وكل هذا يبقى فى داخلنا إما بشكل إيجابى وإما بشكل سلبى.. فأنا عندما أصور مثلًا مدينة الجزائر أصورها بكل ما فيها.. أنا لا أعطى للقارئ مثلًا صورة إيجابية كاذبة بل أحاول أن أعطى له الصورة الصادقة.. أمنحه المدينة بكل تحولاتها المختلفة وبجماليتها ولكن أيضًا ببؤسها.. كنا نقول لا يمكن لبلد ضحى فيه مليون ونصف المليون من الشهداء يظهر فيه إرهابيون متخلفون يقتلون الناس، وبالتالى نحن نحاول من خلال الكتابة أن نرمم جروحنا وجروح الوطن.. فالكتابة أيضًا وسيلة ترميم.

واسينى الأعرج

■ أنت قلت: «نحن نكتب لأن من نحبه ترك العتبة ورحل قبل أن نقول له كل ما كنا نشتهى قوله».. هل الكتابة وسيلة ترميم أم آلية من آليات التنفيس؟

- أحيانًا تمر الأشياء مرور الكرام ولا نتوقف عندها لكن عندما تفقد الشخص نشعر كم كنا مقصرين فى حقه.. عندما نموت فالمسألة منتهية لكن تبقى هذه العلاقة الوجدانية الإنسانية التى تسحبنا نحوها، وهذا الذى كان معك لم يعد ملكك، لكن أنت لست وصيًا على القارئ على الأقل تتقاسم معه تجربة إنسانية فى هذه العلاقة.

وهنالك أيضًا جملة كتبتها تقول: «من الغباء أن نعتقد أن من نحبهم معصومون من الموت»، فيجب أن يكون لديك مقدرة استثنائية على التعبير والاختزال.

والقراء والمريدون وأنا واحدة منهم، يأخذون ويقتطعون جملًا وعبارات كتبتها ويضعونها على مواقع التواصل الاجتماعى، هل ترين هذه المكتبة الموجودة فى بيتى؟ نصفها أموات أو ثلاثة أرباع كتابها أموات، لكن كأنهم أحياء بالنسبة لى، عندما تمسكين بكتاب فى يدك أنت لا تسألين إن كان الكاتب ميتًا أو حيًا.

جبران خليل جبران مثلًا حى أو ميت؟ الكاتب مات ولكن النصوص التى تركها حية.. تركها لتستمر فى الحياة ولتستمر الحياة وتعطى وتمنح الرغبة، لهذا بالنسبة لى الفنان هو من يحارب والكاتب لا بد من أن يحارب الموت بالوسائل التى يملكها.. ومن بين هذه الوسائل الكتابة.

■ «سوناتا لأشباح القدس» رواية كأنها كتبت اليوم.. ألا ترى ذلك؟

- نعم كأنها تتحدث عن ما يحدث اليوم، لأنها تتناول قصة إرهابيّى الهافانا، الذين يشبهون الجيش الإسرائيلى، سبحان الله، كأن الرواية تحكى عن ما يحدث فى غزة وتحكى عن الانهيار الذى حدث لجيش الإنقاذ العربى عام ١٩٤٨ وعن النكبة، وتحكى عن الواقع العربى الملىء بالحروب والانهزامات والانكسارات، وكذلك الواقع العالمى.

■ علاقتك بمصر وطيدة جدًا وتتحدث بحب وبحماسة عنها دائمًا.. ما أبرز تجاربك الثرية فى بلد الأهرامات؟

- منذ 30 أو 40 سنة وأنا أعرف مصر ومعرض كتابها وجمهورها ومثقفيها، وكل التجارب والذكريات فيها لها وقع عظيم فى نفسى وفى ذاكرتى ومشوارى ومخيلتى.