الجمعة 19 أبريل 2024
المحرر العام
محمد الباز

حازم شحاتة

عدى ١٨ سنة وداخلين فى الـ ١٩، ولسه لـ حد النهاردا، كل ما أعدى بـ أمر جلل، أقول لـ نفسى: استنى لما تحكى لـ حازم شحاتة، وتسمع منه، بعدها شوف هـ تعمل إيه؟ قبل ما أنتبه إنه خلاص، ما عادش ينفع تحكى له ولا تسمع منه، ما عادش ينفع غير إنك تتعايش مع شعور الفقد، دا لو عرفت!
حازم شحاتة كان صديقى، إنما مش دا اللى عايز أكلمك فيه، لـ إنه يخصنى بـ شكل شخصى، إنما حابب أكلمك عن تركيبته الشخصية اللى ما شفتلهاش زى، واللى كان أول مصادر دهشتى منها جملة كان كتير بـ يرددها: «طريقة فى الحياة».
وقتها كنت صغير فى السن، أميل إلى إدانة الآخرين، ودا لـ إننا اتربينا كدا، أسهل حاجة تلوم الناس وتنتقد تصرفاتهم لو ما اتفقتش معانا، ونلومهم على طريقة تفكيرهم لو اختلفت عن طريقة تفكيرنا ولو قليلًا، دا اللى بـ يعمله معظم الناس معظم الوقت، وكان أول واحد أقابله مش كدا هو حازم، ويمكن الوحيد.
كان دايمًا يبدأ كلامه بـ إنه دى «طريقة فى الحياة»، ويحط نفسه مكان الشخص اللى أنا غاضب منه، علشان يوضح لى إنه مش بـ الضرورة عمل كدا لـ انحراف ما، أو ضلالات أو غباء، إنما فعله دا له منطق، هكذا دراما الحياة.
أعترف إنه دا كان بـ يغيظنى فى الأول، إنما لما لقيت حازم بـ يعمل كدا حتى مع من يغضبونه هو شخصيًا، بدأت أفكر فى طريقة تعامله مع الحياة، لـ إنه فى نفس الوقت اللى بـ يحاول يفهم فيه منطق الطرف الآخر، مش بـ يتنازل عن منطقه برضه، ومش بـ يخفف من غضبه، ومش بـ يلين فى موقفه، إنما بـ يحط إطار لـ الموضوع كله بـ اعتباره صراع إنسانى بين طرفين، مش بـ الضرورة بين الحق والباطل.
الطريقة دى مش بس بـ تساعد على إنك تكون أكثر تسامحًا، لكن بـ تخلى عندك بصيرة بـ الحياة، بـ تحط الموضوعات فى حجمها وفى سياقها، فـ تقرر أساسًا تخوض العركة دى ولا لأ، ولو خضتها تحدد أهدافك منها، وعمومًا تبقى عارف كوعك من بوعك فى الحياة، وعارف إنت مين وعايز إيه، ودى حاجة فارقة جدًا فى حياة البنى آدمين.
مرة جه لـ حازم عقد عمل فى دولة خليجية، وراح كام شهر، ورجع، بـ الطبع كان دخله هناك أضعاف أضعاف أى دخل ممكن يحققه هنا، وكان الكل مندهشين، لـ إنه ما كانش فيه أى عكوسات، ولا مشاكل فى الشغل، وهو ما كانش بـ يدى المحيطين بيه إجابات واضحة، بـ يكتفى إنه يعنى دى حاجة قدرية، ونصيبها خلص لـ حد كدا، وإلخ إلخ.
مرة فى قعدة صفا، قرر يقول لى السبب، وهو إنه خاف تبلعه الأرقام، لقى نفسه لما سافر بـ يفكر فى كل حاجة بـ اعتبارها ضمن سباق رقمى: الشقة كام متر، التليفزيون كام بوصة، التلاجة كام قدم، العربية كام حصان، البوتاجاز كام شعلة، الكومبيوتر بونتيوم كام، ومفيش مهرب من دا لـ إن هناك كل اللى حواليه كدا، وهنا الناس ما بقيتش تتكلم معاه فى هذه الأرقام، فـ رجع لـ مكتبته وأصحابه ودراساته والتفاعل مع «طرق الناس فى الحياة».
كنت محظوظ إنى عرفت حازم واشتغلنا سوا، فـ شفت عن قرب إسهاماته فى اللغة والمسرح والأدب ومناهج النقد، وتابعت شغله على ميخائيل رومان، وسلاسل النحو اللى كتبها، والدراما اللى كتبها، والتأثير على كل المحيطين بيه، التأثير اللى هم نفسهم ممكن ما يكونوش عارفين مقداره.
أنا كل اللى عرفتهم تقريبًا من الأكبر منى سنًا، كانوا مهتمين بـ شكل أو بـ آخر تبقى «تربيتى» جزء من تعاملهم معايا، ما عدا حازم شحاتة، لـ ذلك، هو الوحيد اللى فعلًا ربانى.