الثلاثاء 16 يوليه 2024
المحرر العام
محمد الباز
المحرر العام
محمد الباز

جمالات عبداللطيف يكتب: والبنون

البنون
البنون

ولليوم الثالث على التوالى ترقد فى وسط السرير جثتى. جحافل النمل تتكدس بين أصابع كفى وقدمى، تحمل فتات من لحمى المتهرئ وتمضى فى دأب إلى مساكنها، وكتائب من الذباب يطن ويحوم حول عينى، ويقف على باب فمى الموارب، كان يتوجب علىّ أن أغلق فمى عند رؤيتى لملك الموت يتقدم بخطواته الثقيلة نحوى، ليقبض روحى. كان علىّ أن أكون فطنة ولا أفتح فمى ربما هممت لأقول شيئًا، لأستأذنه مثلًا «أن أهاتف ابنتى.. أو ربما لهول المشهد ما جعلنى أفتح فمى فزعًا ورعبًا».. ربما الملكان اللذان كانا يسجلان كل كبيرة وصغيرة تصدر عنى يقفان الآن على مقربة منى، يومضان من وقت لآخر، يقلبان النظر بين أوراقى المملوءة بجهالتى وبينى، ويزفران بأسى. 

البكتيريا تتكاثر بداخلى، تلد كائنات تسعى بنهم شديد فى أمعائى، ورئتى، ومعدتى، وكبدى.. يدى الطيفية لا تملك الزود عنى. من وقت لآخر يدق هاتفى.. قد تكون ابنتى تتصل لتطمئن علىّ ولتعتذر عن عدم المجىء، لا شك أن لديها ما يشغلها؛ عملها، وبيتها وزوجها وأولادها.. طال مرضى على أى حال، وكثر اعتذارها. 

فى الساعات الأولى من هذا الصباح كان هناك مَن يطرق بابى، تمنيت أن تكون لدى القدرة لأصرخ مستغيثة بالطارق، لكنى أصبحت كائنًا؛ «طيفى أقل حجمًا من تلك الفراشة التى تقف على إطار صورة زوجى»، تمنيت أن يكون الطارق ابنتى لتأخذ تلك الحُلى التى تغوص الآن فى ثنايا يدى المنتفخة، ولتأخذ ما ادخرته من معاش والدها، لتأتى لى بلفافة من القماش الأبيض وبعض المسك وزجاجة عطر تضمخ بها جثتى، وتوارى سوءتى قبل أن تفوح رائحة الموت وتنتشر؛ فيفزع الجيران المقربون منى.. ساعات النهار تتآكل وتزداد جثتى انتفاخًا «فأين أنتِ يا ابنتى؟». 

كثيرون الآن يدقون بابى. هل لاحظ الجيران غيابى، واختفاء صوت سعالى؟ أم أن ما أخشاه قد حدث، وتسللت رائحتى إلى الخارج لتعلن عن موتى؟

الآن يقتحمون شقتى، كثيرون أتوا.. يهزون رءوسهم بأسى ويمسكون بأنوفهم خشية أن تتسلل رائحة الموت إلى صدورهم. 

تقدمت امرأة كنت أعينها بما يتوفر لدى من ملابس وبعض الأطعمة، تقدمت من سريرى وألقت بنصف الملاءة فوق جثتى.. كثيرة هى الوجوه التى تأتى وتلك التى تغادر، ليس بينهم وجه ابنتى.. أين ابنتى؟