الثلاثاء 16 يوليه 2024
المحرر العام
محمد الباز
المحرر العام
محمد الباز

يوكيو ميشيما.. صانع الدهشة المظلوم حيًا وميتًا

يوكيو ميشيما
يوكيو ميشيما

- ارتبط بعلاقة قوية مع كاواباتا وكتب إلى لجنة «نوبل» رسالة تزكية له.. ثم لم تصدر منه بعدها كلمة تهنئة

- كتب عن نفسه: شخص معدوم الإحساس لا يمتلك تلك الموهبة التى تجعله قادرًا على أن يصبح لاعبًا رياضيًّا

يذهب محبو الكاتب اليابانى الأشهر ياسونارى كاواباتا إلى أن أول تعليق قاله عندما علم بفوزه بجائزة «نوبل للآداب» هو ما نصه: «قد لا أكون جديرًا بالجائزة، ففى اليابان أدباء أفضل منى، وأنا لم أنجز كل مشاريعى الأدبية بعد، وعلى أى حال أنا سعيد بها»، وأنه لم يقل ذلك إلا لنبله وتواضعه الشديدين، وقيل إنه كان يشعر بإرهاق شديد من الشهرة التى داهمته، وهو الشخص المحب للعزلة، فبدت الجائزة فى نظره كلعنة تطارده، وهو الحالم المتوحد الذى وجد نفسه بين ليلة وضحاها مضطرًا لتأدية التزامات تلك الشهرة الوافدة، والتى جاءته ومعها عدد ضخم من الاحتفالات والمؤتمرات والمهرجانات التى تقام على شرفه دون أن يملك القدرة على الاعتذار عن عدم حضورها.. لكن هناك من قال إن انتحاره بعدها بأربع سنوات فقط، عام 1972، كان نتيجة لشعوره بالذنب تجاه تلميذه الأحب يوكيو ميشيما الذى عاش يخطط للفوز بالجائزة الأشهر عالميًا، بل وكان شديد القرب منها، وجاء فوز كواباتا بها فى 1968 ليقضى على أمله فى الفوز بها قبل مرور سنوات ربما تطول ولا يمكنه انتظارها، وهو ما عجل بانتحاره فى الخامس والعشرين من نوفبمر 1970..

يوكيو ميشيما

تزكية بلا تردد.. وجائزة بلا تهنئة

يقول تاكيو أوكينو، وهو كاتب سير ذاتية يابانى، إن شبح ميشيما ظل يزور كاواباتا مدة تتراوح بين مائتى وثلاث مائة ليلة متتالية، وإن ما زاد من شعور كواباتا بالذنب تجاه ميشيما أنه عندما علم برغبة لجنة الجائزة فى منحها لكاتب يابانى، طلب منه أن يكتب خطابًا يزكيه فيه، بينما كانت الترشيحات تضمهما معًا، وهى القصة التى كشفت الرسائل المتبادلة بينهما عن جزء كبير من تفاصيلها، ففى عام ١٩٩٧، نشرت مجلة «التيار الجديد» الأدبية اليابانية ٩٤ رسالة متبادلة بين أديبى اليابان الكبيرين، وجاء فى تقديمها لهذه الرسائل أن ابن كواباتا بالتبنى، أعاد بعد انتحار والده ما وجده من رسائلهما إلى أرملة ميشيما، لكنها لم توافق وقتها على النشر، وقالت المجلة إنه فى ١٩٦١، وصلت أنباء إلى الأوساط الأدبية فى اليابان بأن المعنيين بجائزة نوبل بدأوا حديثًا حول ضرورة منحها للأدب اليابانى، وكانت هناك أسماء كثيرة مرشحة، وكان جونيتشيرو تانيزاكى، مؤلف «حكاية السيد موزاشى السرية»، و«يوميات عجوز مجنون»، و«أربع شقيقات»، و«مديح الظل» على رأس القائمة، ولكنه توفى عام ١٩٦٥، قبل أن تصل اللجنة إلى قرار نهائى، ويبدو أن كواباتا كان يشعر أنه ليس هو المرشح الأقوى، فراح يستعين بالتلاميذ والأصدقاء، ولهذا كتب إلى ميشيما يقول: «رسالة مهما كانت بسيطة، وحتى لو انعدمت إمكانية نيل الجائزة، وإذا كتبت سوف أجد من يترجمها إلى الإنجليزية أو الفرنسية، ثم نضع المعلومات ونرسلها»، فكان رد ميشيما على تلك الرسالة ما نصه: «شكرًا للرسالة، أما بالنسبة إلى نوبل، فإننى أخجل وأنا الصغير، أن أكتب رسالة ترشيح لك، ولكن شكرًا لهذه الثقة، وقد كتبت الرسالة وسوف أبعثها إليك قريبًا.. وإذا ساعدتك قليلًا، فسأكون سعيدًا جدًا. وإن كان لديك طلب آخر، فأرجوك ألا تتردد».

ويقول الشاعر والمترجم السورى محمد عضيمة المقيم فى اليابان: «فى سنة ١٩٦٨ ينال كاواباتا جائزة نوبل، وتتغير العلاقة فورًا بين الكاتبين، فلا توجد رسالة تهنئة من ميشيما.. هناك رسالتان فقط بعد ذلك التاريخ ولحد انتحار صاحب (القناع)، فى الأولى وهى بتاريخ ١٩٦٩، يمتدح ميشيما أعمال كاواباتا الروائية، والمسرحية ثم ينتقل فورًا إلى الحديث عن نفسه ومشاريعه، ولا سيما مشروعه لسنة ١٩٧٠، أى مشروع انتحاره، أو كما يسميه (تهيئة نفسى).. ويقول فيها: (قد تسخر منى، لكن ما أخافه ليس الموت، بل شرف عائلتى بعد الموت، وإذا حدث لى شىء، فإن المجتمع سوف يكشف عن أسنانه، ويبحث عن نقاط ضعفى ليدمر شرف عائلتى.. ليس مهمًا أن يسخروا منى وأنا موجود، ولكن لا أستطيع تحمل سخريتهم من أطفالى بعد موتى. وأعتقد يا سيد كاواباتا، أنك أنت الوحيد القادر على حمايتهم. وأنا منذ الآن، أعتمد عليك وأثق بك).. فكان هذا هو المقطع الذى قرأه كاواباتا فى جنازة ميشيما سنة ١٩٧٠، وكانت هذه هى الرسالة التى لم يأخذها على محمل الجد».

ويضيف عضيمة: «كانت هناك رسالة ثالثة جاءت من المعسكر الذى كان يقيم فيه ميشيما مع مجموعة من الجنود، لكن ابن كاواباتا مزقها كما يقول، احترامًا لذكرى ميشيما. وذلك لأنها مشوشة، مضطربة، وغير واضحة وقد كتبت بقلم ناشف لا يستخدم عادةً فى كتابة الرسائل.. ويرى الناقد الذى أشرف على نشر هذه الرسائل، أن منح جائزة نوبل لكاواباتا كان صدمة قوية جدًا بالنسبة إلى ميشيما، زاد الحساسية المفرطة فى ما يخص الموضوع، فقد كان عنده شعور حاد بالمنافسة ودومًا أكثر من المناسب، كان يراقب بقلق شديد، كتب الآخرين الأكثر رواجًا، قد لا يكون هذا الأمر آخر دوافع انتحار ميشيما، لكن من المؤكد أن له علاقة بانتحاره، فبعد أن نال كاواباتا الجائزة، أصبح كأن حلمًا من أحلام ميشيما تبخر وانتهى ولم يعد أمامه، سوى الانتحار.. فهل انتحر كاواباتا هو الآخر، وبعد سنتين تمامًا، كى يعيد الكرة إلى ملعب روح ميشيما»؟!.. لم لا؟!

يوكيو ميشيما هو الاسم الأدبى لكيميتاكى هيراوكا، المولود فى ١٤ يناير ١٩٢٥، لعائلة يابانية ثرية فى إحدى زوايا حى «يوتسويا» فى العاصمة اليابانية طوكيو، وهى منطقة يطلق عليها «طرف الجبل»، وكانت تعد من الأراضى الجيدة حتى هجرها السكان بعد زلزال كانتو الكبير الذى وقع فى عام ١٩٢٣، ورغم الثراء النسبى لم يكن والداه ينتميان إلى العائلات اليابانية النبيلة، باستثناء جدته ناتسوكو صاحبة الجذور الأرستقراطية، والتى كانت تنتمى لواحدة من عائلات الساموراى المرموقة، وربما كان ذلك هو السبب فى حرصها على تربيته فى بيتها، فلم تكن راضية عن البيئة المعيشية التى ولد فيها حفيدها الذى كانت تحبه إلى درجة كبيرة، وترى فيه تعويضًا عن أحلامها الضائعة، وعن تقديرها لذاتها، خصوصًا بعد فقدان جده لمنصب حاكم مقاطعة «كارافوتو» بشمال اليابان ولومه بشبهة الفساد.

ولأنها كانت تعانى من ألم العصب الوركى «عرق النسا»، وكانت حالته الصحية سيئة هو أيضًا، قضيا معًا أيامًا طويلة فى غرف المستشفى، حيث كانت قراءة قصص الأطفال والكتب المصورة هى ملاذه الرحب، ما أطلق العنان لخياله، فراح يكتب القصص ويرسم لها اللوحات بنفسه، ومنها قصة «عجائب العالم» التى كتبها وهو فى العاشرة من عمره.

ويبدو أنها قامت بما استطاعت من اتصالات لكى يتمكن حفيدها المحبوب من الالتحاق بمدرسة «جاكوشوئين» الخاصة بأبناء العائلات النبيلة، لكن ضعف حالته الصحية لم يمكنه من التفوق خلال المرحلة الابتدائية، فكانت درجاته ضعيفة جدًا، اختلف الأمر فى المرحلة الإعدادية وما بعدها، حتى أصبح وجوده فى المدرسة لافتًا للنظر، خصوصًا بعد نشر روايته الأولى «غابة الزهور» بإحدى المجلات الأدبية وهو فى السادسة عشرة من عمره، وهى الرواية التى يعيد فيها الراوى اكتشاف مصدر الحياة بوضع نفسه فى مجرى الزمن قبل أن يولد فى هذه الدنيا، وهى الرواية التى أعاد نشرها بعد التحاقه بكلية الحقوق بجامعة طوكيو الإمبراطورية، مضيفًا إليها أربع قصص قصيرة، ما حجز له مكانة مرموقة فى مجتمع طوكيو الأدبى، لكنه واجه صعوبات كبيرة فى الاستمرار فى الكتابة بعد تخرجه، عام ١٩٤٧، وبعد هزيمة اليابان فى الحرب العالمية الثانية، ورغم إعفائه من الخدمة العسكرية بسبب مرضه، أصابه الكثير من الإحباط، وقرر التخلى عن شغفه الأدبى وأحلامه فى الكتابة، فالتحق بالعمل موظفًا بوزارة الخزانة، لكنه لم يستطع الاستمرار فى العمل الحكومى أكثر من تسعة أشهر تخلى بعدها عن الوظيفة من أجل التفرغ للكتابة، وبدأ على الفور فى كتابة رواية جديدة، فكانت «اعترافات قناع» التى نشرت عام ١٩٤٩، وأحدث صدورها صدى واسعًا حقق له شهرة واسعة وهو لم يزل فى الرابعة والعشرين من عمره، وترجمت إلى مختلف لغات العالم.

يوكيو ميشيما

فارس خفيف التسليح ومعركة بلا معنى

قبل عامين، نشرت مؤسسة «هنداوى» مختارات قصصية ليوكيو ميشيما بعنوان «البحر والغروب وقصص أخرى»، أعدها وترجمها ميسرة عفيفى، واختار أن يصدرها بمقدمة كتبها ميشيما بنفسه فى سبتمبر ١٩٦٨، أى قبل أيام من إعلان أكاديمية «نوبل» فوز أستاذه وصديقه بجائزتها.. ويختمها بمقالة أخرى عنوانها «يوكيو ميشيما بقلم يوكيو ميشيما» يتحدث فيها عن نفسه، وعن عالمه الروائى والقصصى، فى مقدمة المجموعة يقول ميشيما الذى عاش حياته كروائى وشاعر وكاتب مسرحى وممثل ومخرج أفلام: «لقد ابتعدتُ بالفعل كثيرًا عن كتابة القصص القصيرة، حتى إننى أشعر بالحرج من مجرد تقديم مجموعة قصص قصيرة لى. ولكن ذلك الابتعاد لم يكن بسبب اتباعى لتيار عصر الصحافة الحالى الذى يُقال عنه إنه يمثل مرحلة اضمحلال القصة القصيرة.. ولكن الذى حدث أن قلبى ابتعد بشكل طبيعى عن تأليف القصص القصيرة. أما عن فترة شبابى وفتوتى فقد خصصتها لتأليف الشعر والقصص القصيرة، والتعبير فيهما عن أفراحى وأحزانى. وأعتقد أنى مع التقدم فى العمر، تحولت من كتابة الشعر إلى كتابة المسرحيات، ومن القصص القصيرة إلى الروايات. وكلاهما، يحتاج إلى جهد كبير لإنتاج أعمال أعمق بنيةً، تحتوى على عدد أكبر من الكلمات، وهو عمل يحتاج كذلك إلى صبر أطول وقوة تحمل أكبر، وليس أدل على هذا من أننى كنت أرغم نفسى على ذلك. ويوضح ذلك أننى أصبحت أحتاج إلى التحفيز والتوتر اللازمين لإنتاج الأعمال الضخمة والأكثر شمولية، وأعتقد أن لهذا الأمر علاقة بتحول أفكارى من شكل الأمثال والحكم القصيرة إلى شكل الأفكار البنائية المتكاملة؛ فعند التطرق إلى فكرة ما واحدة أصبحت أكثر ميلًا إلى الاستطراد فيها، وإعطائها وقتًا أطول، ثم السير معها بتأنٍ ورويّة؛ من أجل إقناع القارئ بها، وأصبحت أتلافى أكثر وأكثر قول الأمثال والإبيجرامات.. ربما لو قلت إنه النضوج الفكرى لكان لهذا التعبير رونق وجمال، ولكن الأمر عبارة عن توافُقِ تقدُّم العمر مع اضمحلال تدفق الأفكار السريع المتوالى فى خفة وانسيابية، وإن كان المرء متعجلًا؛ أى أنه يمكننى القول إننى تحولت من فارس خفيف التسليح فى سلاح الفرسان إلى فارس ثقيل التسليح».

ويختم ميشيما مقدمته قائلًا: «حسنًا، هناك حالات يميل فيها ذوقى إلى الاعتماد تمامًا على الإبداع الفكرى الصرف فى شكل موقفٍ فكاهى سريع، هذه الأعمال لا يوجد لها موضوع يمكن أن نصفه بأنه موضوع، بل تكون كالسهم الذى تم سحبه لتوجيهه إلى هدف وتأثير محدد؛ إذ تحتفظ القصة بسمة التوتر فى كل ركن من أركانها، ويكون الهدف هو لا وعى القارئ. فإذا أصابت الهدف تكون متعة له، وتكون القصة بمثابة التوتر الفكرى الذى يتذوقه لاعب الشطرنج من المعركة، إذ يكفيه تشكيل معركة ليس لها أى معنى محدد».

يوكيو ميشيما

الروائى الذى تربى تربية أرستقراطية مدللة

أما فى مقاله «يوكيو ميشيما بقلم يوكيو ميشيما» فيقول: «بطلب ملح من إدارة التحرير تقرر أن أتكلم عن الروائى الذى يسمى يوكيو ميشيما، وأنا لا أعرف الكثير عنه، أمامى بعض المعلومات والبيانات عنه جمعتها لى إدارة التحرير، ولكن ما أعرفه عنه فيما مضى أنه كتب رواية (خيانة الفضيلة)، وتسبب فى انتشار كلمة الخيانة الغريبة فى البلاد».

ويضيف فى موضع آخر من المقال: «هو فى الحقيقة رجل من طراز قديم، لدرجة الاقتباس من بودلير شاعر القرن التاسع عشر، فلا يزال اتجاهه قديمًا جدًّا، بخلاف الشباب من الكتاب الذين يهيمون حبًّا فى هنرى ميللر، ورغم ذلك فهو يحب كل جديد أضعاف حب البشر العاديين للجديد، فعندما نظمت اليابان دورة الألعاب الأوليمبية، تجده قد أهمل أعمالًا فى غاية الأهمية، وأخذ يدور من ملعب إلى ملعب كل يوم ممسكًا بمنظار مكبر فى يده لمشاهدة المباريات. وعندما يسمع أن هناك فندقًا جديدًا سيُفتتح، تراه قد لحقه سريعًا ليبيت فيه أولى لياليه. وإذا سمع أن إحدى الطرق السريعة الجديدة سوف يبدأ المرور بها من الساعة الثانية عشرة عند منتصف الليل، تجده ينتظر داخل سيارته أمام مدخل الطريق فى هانيدا قبل خمس دقائق من الموعد. وهكذا تراه يعيش أيامه مشتت الذهن، منهك الأنفاس. ولكن أحد البراهين على أنه إنسان عتيق الطراز، هو كرهه للطائرات النفاثة كراهيته للموت، وإذا اضطر مرغمًا أن يستقلها، تجده وقت إقلاع الطائرة وقد امتلأ كفَّا يديه بالعرق، وهو يرتجف ويرتعش من الخوف.. إنه يشتهر بضحكاته العالية، فاتحًا فمه بدرجة كبيرة مثل البُلهاء، والتى بسببها انهارت كل لحظات الرومانسية الرقيقة التى حدثت له فى حياته، وهو كذلك يزين منزله بروبابيكا من التحف الغربية القديمة التى جمعها من خلال الشراء بمبالغ ضئيلة، مما يجعل المنزل ضيقًا بها، ويأتى ذلك فوق أرضية من بلاط أرضى من طراز رقعة الشطرنج باللونين الأخضر والأبيض، وهو ما يجعلك تعتقد أن صالونًا للحلاقة تحوَّل كما هو فجأة إلى محل لبيع الخردوات القديمة».. «فى الواقع كلما بحثت فى تفاصيل المعلومات التى جمَّعتها لى إدارة التحرير، كان من الصعب علىّ معرفة هل هو يحمل إحساسًا مرهفًا بالجمال؟ أم هو إنسان خام غليظ الحس تمامًا تجاه ما يسمى بالتوافق؟ هذه النقطة غير معروفة إطلاقًا. إذا كان يحب التوافق، فهو يحب أيضًا التباين القوى، ورغم أنه من الأفضل الانحياز إلى أحدهما، فإنه وبسبب طمعه، يحاول الجمع بين حب الأمرين معًا. ألا يدل هذا على أنه هو نفسه أصبح لا يعلم من أمر نفسه شيئًا؟!.. «يا للمسكين! هذا الروائى الذى تربى تربية أرستقراطية مدللة، بدأت عيناه تتفتح تدريجيًّا على قاع هذا العالم البائس، وبعد أن تفتَّحت عيناه، أصبح له ميل لنبذ كل شىء، يرفض هذا ولا يرضى بذاك. ولذا فشخص بهذه المواصفات لا ضرورة إطلاقًا لسماع فلسفته التشاؤمية بشكل جدى، يكفى فقط أن تستمع له وأنت تقول له موافقًا: أجل … أجل»، «أما الشخص الذى يريد أن يرى وجهه سعيدًا سعادة حقيقية، فليذهب ليشاهده بعد أن ينتهى من تمارين كمال الأجسام أو الكندو، وقد أخذ دشًّا، ثم بدأ يستمتع بشرب الكوب الأول من البيرة. فى حالته النفسية تلك، لو أتيت أنت لتتطفل عليه وتحاول أن توجه له حديثًا فى الأدب مثلًا، فلا أدرى كيف سيقوم بتعنيفك، بأسلوب فى غاية التعجرف والبرود.. هو شخص معدوم الإحساس، لا يمتلك تلك الموهبة التى تجعله قادرًا على أن يصبح لاعبًا رياضيًّا، ولهذا فهو كل ليلة يلوك الأدب الذى يفترض أنه يكرهه، ويقضى الليالى ساهرًا حتى الصباح مستمرًّا فى كتابة الروايات. ومهما لاقى فى ذلك من محن ومتاعب لمرات عديدة، فهو مستمر فى كتابة الروايات دون أن يتعظ. وكلما استمر فى الكتابة أصبحت رواياته أكثر صعوبة، مما يجعله يستشيط غضبًا، ثم يفرغ غضبه فى تناول البوفتيك»..