الثلاثاء 16 يوليه 2024
المحرر العام
محمد الباز
المحرر العام
محمد الباز

الباحث عن الذات.. لماذا توقفت حياة أبناء الثمانينيات عند عام 2000؟

حياة أبناء الثمانينيات
حياة أبناء الثمانينيات

- حالة ملل طويلة دون أحداث حقيقية ثم تطور مرعب لم يستطع استيعابه

- عاش 30 سنة برئيس واحد وفى 4 سنوات فقط عاصر 4 رؤساء

- المغامرون الخمسة أطفال ونحن جيل يكبر ويحتاج لأبطال من نوع مختلف

- التطورات التكنولوجية سرقت عالمه وحرمته من متعة ما كان يفعل

- أصبح عجوزًا و«دقة قديمة» فى سن الثلاثينيات ويعيش كل يوم تحت خطر الموت كل ساعة

- أحد الأطفال عام 1966: سوف أكون فى سفينة فضائية متجهة للقمر

- عاشوا فى رعب أوبئة إنفلونزا الطيور

- والخناز ير وسارس وأخيرًا درة التاج «فيروس كورونا»

- نستطيع أن نقول إنهم آخر جيل يعمل بمقولة إن «فاتك الميرى اتمرغ فى ترابه»

- جيل ضاعت أجمل سنوات عمره ومرت سريعًا جدًا لدرجة أنه لم يشعر بها

- لا تنزعج عندما تسمع الروائى الشاب أحمد مراد وهو يقول إن روايات نجيب محفوظ لا تتناسب مع العصر

- أرجوك لا تعجب إذا علمت أن نجوم أغانى المهرجانات من أبناء الثمانينيات

لماذا توقفت الحياة عند عام 2000؟ 

أو ليكن السؤال أكثر دقة، سواء فى صياغته أو فيمن نقصده من وراء السؤال، أما المقصود فهو جيل الثمانينيات، ممن ولدوا فى هذا العقد وفى أواخر السبعينيات، وبدأت مداركهم تتشكل؛ ليصبحوا أناسًا فاعلين فى مجتمعاتهم مع بداية التسعينيات، وأما عن السؤال فهو لماذا قرر هذا الجيل أن تكون كل حساباته عن الزمن قياسًا بعام 2000؟

بدا السؤال مزعجًا مع انتشار «كوميكس» على فيسبوك، الذى كان رغم بساطته مثيرًا لحالة خاصة يعيشها هذا الجيل، مضمون الكوميكس كان عبارة عن حوار من ثلاث جمل:

 من 30 سنة.

 قصدك فى السبعينيات؟

 لا فى التسعينيات.

حوار مقتضب جدًا.. 9 كلمات فقط.. شعرت معه وأنا أحد أبناء هذا الجيل بواقعيته الشديدة، ومرارته الأشد، لقد توقف بنا الزمن عند هذا العام، كل حسابات الأيام والسنوات والذكريات تقاس بمدى بعدها أو قربها من يوم 1 يناير عام 2000، هذا التاريخ الذى خلق لنا ظاهرة يمكن أن نطلق عليها بقلب مطمئن «لعنة الألفية الجديدة».

والشىء بالشىء يذكر، فقد تفاقمت العقدة مؤخرًا وظهرت المشكلة على لسان جيسيكا حسام الدين، التى جسدت شخصية أمينة فى مسلسل كامل العدد فى رمضان الماضى. أمينة كانت تتحدث مع أخيها، ويبدو أن كلامه معها لم يأت على هواها، فانفعلت بشدة قائلة جملتها التى أصابت كبد جيل الثمانينيات وليس كبد الحقيقة، قالت أمينة «إيه التفكير القديم دا هو إحنا فى التسعينيات».. جملة أعادت مرة أخرى الحديث عن الجيل الذى عاش التسعينيات، وهو فى لهفة وشوق إلى بداية العقد الجديد والألفية الجديدة، والتى للأسف جاءت وشكلت له عقدته الأبدية. 

الغريب فى الموضوع أن هذا الجيل قد عاش فى الألفية الجديدة أكثر مما عاش فى الألفية الماضية، 24 عامًا، ربع قرن تقريبًا قد انقضى من عمر الألفية الثالثة للبشرية، عاش فيها من الأحداث أضعاف ما رآه فى العقدين السابقين للتاريخ المفصلى فى حياته، لكنه للعجب لا يزال يعيش هناك منتظرًا ما وعد به، والذى لو كان قد تحقق لسحب هؤلاء الراشدين الآن زمنهم وسنهم الحقيقية.

تعلق أبناء الثمانينيات بعام ٢٠٠٠ تحديدًا خلق منهم جيلًا تائهًا، جعله يبحث دومًا عن ماضيه، ويعيش فى زمن يشعر بأنه لا يخصه ولا يمثله ولا يعبر عنه. هذا الجيل بالتحديد هو الذى مرت أجمل سنوات عمره متزامنة مع أصعب مراحل يمكن أن يحيا فيها إنسان، ولا أقصد هنا ما عاشته مصر خلال العقدين الماضيين، ولكن أيضًا ما حدث فى العالم أجمع.

يمكن أن تعتبر ما ستقرأه سيرة ذاتية لأحد أبناء هذا الجيل، ويمكن أن ترى أن هناك بعض المبالغات، وقطعًا ستختلف مع بعض التفاصيل، لكن المؤكد أنك ستجد نفسك بين هذه السطور بشكل أو بآخر إذا كنت زميلى فى جيل «لعنة الألفية»، قد يأخذك الحنين لأحد البرامج التى كنت تشاهدها فى طفولتك، وقد تتذكر أشياءً كنت تظن أنها سقطت من ذاكرتك للأبد، وقد تضبط نفسك متلبسًا بتنهيدة وأنت تراجع تاريخ ميلادك لتجد عمرك قد جاوز الأربعين بكل تأكيد.

أما إذا كنت من جيل سابق علينا، أو تابع لنا، فكل ما نرجوه منك أن تلتمس لنا العذر، لا نريد شفقة أو سخرية، فما عانيناه فى أربعة عقود عشناها يشفع لنا فى مزيد من «طولة البال» وأنت تقرأ..

تعالوا معًا نرى ما حدث لعلنا نستطيع تجاوز تلك الفجوة الزمنية، فجوة عام ٢٠٠٠.

سنوات الملل والسبات الطويل

أول ما تشكل عليه وعى هذا الجيل كان الثبات، لا تغيير جوهريًا فى أى شىء، أيام متشابهة أنتجت سنوات متطابقة، فاعتاد أبناء تلك الفترة المشهد، هذا التعود الذى تحول بعد ذلك لحالة ملل واضحة أدخلتهم فى نوبة سبات طويلة.

هؤلاء الفتية لم يعوا سوى رئيس واحد للجمهورية، فلم يكونوا فى كامل رشدهم عند اغتيال السادات، وبدأت مداركهم تتفتح مع الرئيس مبارك الذى بدأ مشوار الرئاسة عام ١٩٨١، وكان القليل من أبناء هذا الجيل فى سنوات طفولتهم الأولى، والكثير منهم لم يكن قد ولد بعد، ويبدو أن مبارك كان «يصون العشرة» ويحافظ عليها، فظل معهم فى طفولتهم ومراهقتهم وبلوغهم وحتى دخول أبنائهم المدارس. ثلاثة عقود كاملة لم يروا فيها وجهًا آخر يدير شئون البلاد، أو حتى يجرؤ على التفكير فى ذلك. وجه ظل يتصدر افتتاحيات نشرات الأخبار والأحداث العامة، واسم ارتبط بكل القرارات الخاصة بحياتهم، وهل هناك ملل أكثر من ذلك؟.

هذا الوضع لم يكن استثنائيًا، بل إنك لو مددت هذا الخط على استقامته ستتأكد الصورة. بقليل من الملاحظة ستعرف أن كثيرًا من أفراد جيل «لعنة الألفية» عاشوا مع وزير التربية والتعليم الراحل حسين كامل بهاء الدين منذ سنوات دراستهم الأولى حتى تخرجهم فى الجامعات، ١٣ سنة كاملة قضاها هذا الرجل فى منصبه منذ ١٩٩١ حتى ٢٠٠٤، وبالتبعية فإن هذا الجيل، الذى كان معظمه فى سنوات دراسته، لا يعرف غيره.

مثله ويزيد عليه فتحى سرور، رئيس مجلس الشعب منذ عام ١٩٩١ حتى ٢٠١١، أكثر من عقدين من الزمان وهو يجلس على قمة هرم التشريع فى مصر. وهناك أيضًا فاروق حسنى أطول وزير ثقافة فى تاريخ مصر، ويمكن أن يكون فى العالم كله، تولى الرجل منصبه عام ١٩٨٧ واستمر به حتى عام ٢٠١١، أى أنه قضى ٢٤ عامًا يشكل ثقافة جيلنا المذكور. وفى مساحة الأمن والأمان حدث مع هذا الجيل ما لم يحدث مع أحد من قبله، وزير الداخلية حبيب العادلى ظل فى منصبه ١٤ عامًا متتالية منذ ١٩٩٧ وحتى ٢٠١١، أما محمد حسين طنطاوى وزير الدفاع والإنتاج الحربى الأسبق فقد سجل رقمًا قياسيًا بالاستمرار لمدة ٢١ عامًا بدأها فى ١٩٩١ وحتى ٢٠١٢.

هذه الحالات لم تكن استثناء كما ذكرنا، بل كانت تعبيرًا عن القاعدة التى تسير عليها الأمور فى تلك السنوات، لا داعى للتغيير ما دامت الأمور مستقرة.

ما كان يحدث فى السياسة لم يكن بعيدًا إطلاقًا عن تفاصيل الحياة اليومية، فى السابعة صباحًا يبدأ أبناء الجيل يومهم مع صوت الشيخ محمد رفعت على إذاعة القرآن الكريم، وفى الثامنة إلا خمس دقائق يديرون مؤشر الراديو ليسمعوا فؤاد المهندس فى كلمتين وبس- بالمناسبة أعاد الإعلامى عمرو الليثى تقديم البرنامج مؤخرًا ولم يحقق نجاحًا يضاهى تجربة المهندس- ما زلنا مع الراديو كل جمعة مع آمال فهمى على الناصية، وفى الخميس الأول من كل شهر مع صوت أم كلثوم، وعلى هذا المنوال سارت الحياة.

مع التليفزيون عاش جيل الثمانينيات نفس الحالة مع قناتيه الأولى والثانية، وظل بعدها يستقبل قناة جديدة على فترات، عام ١٩٨٨ بدأ إرسال القناة الثالثة التى كانت تغطى إقليم القاهرة الكبرى ومعها القناة الرابعة لمدن القناة، ثم فى ١٩٩٠ بدأ البث التجريبى للقناة الخامسة لتغطية الإسكندرية والبحيرة ومطروح، ثم القناة السادسة عام ١٩٩٤ لتغطية الدلتا، والقناة السابعة لمحافظات شمال الصعيد، ثم القناة الثامنة لخدمة محافظات الصعيد عام ١٩٩٠، ثم كان التغيير الكبير مع انطلاق القنوات المتخصصة عام ١٩٩٦. وفى ذلك ستجد ملامح ثابتة فى علاقة أبناء الثمانينيات بالتليفزيون، اليوم المفتوح ونادى السينما والفيلم الهندى فى العيد ومسلسل الثامنة على القناة الأولى والفيلم الأجنبى على القناة الثانية ونشرة التاسعة وسينما الأطفال فى العاشرة من صباح يوم الجمعة، وحكايات ماما نجوى وبقلظ، وغيرها من المظاهر التى عاشت واستمرت معهم سنوات طفولتهم ومراهقتهم الأولى.

لم يتوقف الأمر عند الثبات والسبات، بل إن هذا الجيل افتقد فى حياته الحدث الكبير، لم يروا أو يعيشوا أو يتأثروا بأحداث عظمى تكسر حالة الملل والتكرار التى اتسمت بها أيامهم. لم يشعر هؤلاء بمرارة هزيمة يونيو ١٩٦٧ أو يدركوا فداحة تبعاتها وقسوة الحياة بعدها فقد كانوا بعيدًا جدًا عنها وعلاقتهم بها فقط كانت من خلال الآباء والأجداد، وهم أيضًا لم يجربوا مشاعر النصر والفخر بعد انتصار ١٩٧٣، هذا الحدث الذى هز أرجاء العالم لم يكن لجيل «لعنة الألفية» نصيب منه ولو قليل. حتى الأحداث الكبيرة التى وقعت بعد ذلك لم يكن الكثير منهم فى كامل وعيهم وإدراكهم، اغتيل السادات عام ١٩٨١ ومعظمهم لم يزل طفلًا أو لم يولد بعد، وصعدت مصر لكأس العالم فى حدث استثنائى عام ١٩٩٠ ولم يكن معظمهم قد بدأ يهتم بمتابعة كرة القدم من الأساس، وتعرضت مصر لكارثة زلزال ١٩٩٢ وهم أيضًا فى طور التشكل والبلوغ ولم يكونوا فى وضع يسمح لهم بإدراك فداحة ما عاشوه وقتها.

لك أن تتخيل أن جيلًا كان ينتظر دخول الكرة التى سددها «كابتن ماجد» المرمى فى ثلاث حلقات، ويعيش مع أميتاب باتشان فى فيلم مدته ٣ ساعات دون أن يشعر بأى ملل، لقد عاش كل هذه السنوات بمنوال لا يتغير، دون أحداث عظمى، كان من الطبيعى أن يبحث عن مفصل زمنى يقيس به مراحل حياته، أو أن يصنع هو بنفسه حدثًا يقترن اسمه به، وعندما لم يجد هذا أو يفعل ذاك كان عليه أن ينتظر الحدث الجلل، وبعد طول انتظار جاء أخيرًا، عام ٢٠٠٠.

ولكن قبل أن نذهب للعام الذى شكل الأزمة لا بد ألا ننسى شخصًا ساهم فى بناء وتشكيل تفكير جيل الثمانينيات، ودون وعى كان جزءًا من الأزمة أيضًا بعدما صنع المستحيل لجيل كان يرى كل شىء مستحيلًا، هذا الرجل هو أدهم صبرى.

أدهم صبرى.. ابن الثمانينيات الذى صنع المستحيل

يمثل أدهم صبرى حالة خاصة جدًا لدى جيل الثمانينيات، فمن بين كل سلاسل القصص والروايات يحتل دون غيره مكانة متفردة فى قلوب معظم أبناء الجيل، لماذا؟ 

لأنه «واحد مننا».

ولد أدهم صبرى عام ١٩٨٤ عندما بدأت سلسلة رجل المستحيل بجزئها الأول «الاختفاء الغامض» للكاتب نبيل فاروق، وفيه تعرفنا على بطل الجيل بأكمله ضابط المخابرات أدهم صبرى. فكرة بداية السلسلة فى هذا التوقيت جعلت الكثير من أبناء الثمانينيات يتعاملون مع بطل القصة على أنه واحد منهم، ولد معهم فى نفس الوقت تقريبًا، وكبر بصحبتهم وأصبح جزءًا لا يتجزأ من روتين حياتهم، ولكى لا تتهمنا بالتعميم والمبالغة لنقل إنه رفيق الغالبية العظمى.

فى تلك السنوات نافس أدهم صبرى العديد من السلاسل والروايات، لكن كان لكل منها سمة واضحة ميزتها بالقطع ولكنها أيضًا سببت لها نقطة ضعف، أو حاجزًا يحول دون التماهى التام مع أبطال وأحداث تلك السلاسل، تعالوا نستعرضها سويًا.

«ما وراء الطبيعة» لأحمد خالد توفيق، بطلها هو الدكتور رفعت إسماعيل الرجل الأعزب العجوز الذى يؤمن تمامًا بالعلم والتفسير العلمى لكل ما حوله، غير أنه فى السلسلة يواجه ظواهر من العالم السفلى والأساطير المرعبة والظواهر المخيفة التى لا نجد لها تفسيرًا منطقيًا. ورغم النجاح الساحق لتلك السلسلة حتى وقتنا الحالى إلا أن فكرة الماورائيات وما لا يصدق جعلتها سلسلة خيالية نقرأها للتسلية وتغذية الخيال.

أما «ملف المستقبل» الذى كان يكتبه أيضًا نبيل فاروق وحاول فيه استنساخ أدهم صبرى فى مجال العلوم، لم يحظ بالمكانة نفسها لأنها كانت سلسلة قائمة على الخيال العلمى، وبها من السيارات الطائرة وأسلحة الطاقة الذرية ما يقول لجيل الثمانينيات إننا أمام أحداث غير واقعية، ولا يمكن أن تكون كذلك، على الأقل بمقاييس ذلك الوقت.

ثم تأتى سلسلة «المغامرون الخمسة» التى حققت نجاحًا ساحقًا بأبطالها «نوسة- لوزا- تختخ- عاطف- محب»، غير أنها تظل مغامرات أطفال أبطالها من صغار السن، ونحن جيل يكبر ويحتاج لأبطال من نوع مختلف.

وتبقى فى النهاية سلسلة «عبير» التى تتميز بحكاياتها الرومانسية، والتى كانت قراءتها أيضًا «عيب» لأنها تحتوى على ألفاظ وجمل وتوصيفات «أكبر من سنك»، فما كان من أبناء جيلى وقتها إلا أن يقرأوها خلسة وفى الخفاء خشية أن يضبطوا متلبسين بأحد أعدادها، شأنها فى ذلك شأن مجلة الشبكة وشرائط فيديو الأفلام الثقافية.

وسط ذلك كله نجد أدهم صبرى، رجلًا من لحم ودم، يأكل ويشرب وينتصر ويخسر ويحب ويتألم، كل مغامراته فى أماكن نعرفها أو نسمع عنها، يعمل بأدوات العصر ويعيش معنا فى ذات الأيام.

غير أن الجانب الأهم عند أدهم صبرى هو أنه أصبح قدوة وحلمًا للشباب والبنات على حد سواء، كل شاب يحلم أن يكون مثله، وكل فتاة وجدت كل مواصفات فتى أحلامها فيه، ولكى تتأكد تعالَ نقرأ ما كتبه نبيل فاروق فى تقديم شخصيته الأسطورية.

أدهم صبرى.. ضابط مخابرات مصرى فى الخامسة والثلاثين من عمره، يرمز له بالرمز «ن ١».. حرف النون يعنى أنه فئة نادرة، أما الرقم ١ فيعنى أنه الأول من نوعه، هذا لأن أدهم صبرى رجل من نوع خاص.. فهو يجيد استخدام جميع أنواع الأسلحة من المسدس إلى قاذفة القنابل، وكل فنون القتال من المصارعة وحتى التايكوندو.. هذا بالإضافة إلى إجادته التامة لست لغات حية، وبراعته الفائقة فى استخدام أدوات التنكر والمكياج، وقيادة السيارات والطائرات وحتى الغواصات، إلى جانب مهارات أخرى متعددة.

لقد أجمع الكل على أنه من المستحيل أن يجيد رجل واحد فى سن أدهم صبرى كل هذه المهارات.. ولكن أدهم حقق هذا المستحيل، واستحق عن جدارة اللقب الذى أطلقته عليه إدارة المخابرات العامة، «رجل المستحيل».

هذا ما قاله نبيل فاروق، وبالطيع إذا أضفت لذلك تفاصيل حبه لزميلته وشريكته فى المغامرات منى توفيق ستتأكد أنك أمام شخصية أسطورية بالفعل، وما زاد من أسطوريته هو أنه نبت فى أرض «بور»، وظهر لجيل هو فى غاية الشوق لقدوة وشخص ملهم، بعد أن دمر عصر مبارك أى فرصة لوجود شخص يقوم بهذا الدور.

فمنذ ثورة ١٩٥٢ ودخول مصر العديد من الحروب وفى رحلة بناء الجمهورية والقضاء على الملكية كان دائمًا هناك شخصيات لديهم ما يؤهلهم أن يكونوا مثالًا يتمنى الشباب أن يكونوا عليه يومًا، كان المجال مفتوحًا لظهور أسماء كثيرة بداية من ظهور جمال عبدالناصر حتى اغتيال السادات، كانت تلك الفترة مليئة بالشخصيات التى تتفق أو تختلف معها لكنها فى النهاية تحظى بقاعدة جماهيرية كبيرة، عبدالمنعم رياض- المشير أبوغزالة- صلاح سالم- محمد نجيب- سعدالدين الشاذلى- عبدالحكيم عامر، كل هؤلاء وغيرهم الكثير بالطبع بجانب عبدالناصر والسادات، وبجانب العديد من القامات الأدبية والفنية، كل منهم كان يصلح أن يقود جيلًا.

لكن مع بداية عصر مبارك أصبحنا أمام الشخص الأوحد، هو بطل حرب أكتوبر الوحيد وراعى الفن والرياضة والعلوم والآداب، وبالقطع هو البطل الوحيد أيضًا فى السياسة. وفى هذا العصر الجاف الخالى من الشخصيات العظمى ظهر أدهم صبرى ليخلق طموحًا لدى جيل محطم، لكنه دون أن يدرى ساهم فى مأساته، لأنه أدرك أنه لن يصبح مثله أبدًا، ولن يستطيع تحقيق المستحيل، فعاد أبناء الثمانينيات للتشبث مرة أخرى بعام ٢٠٠٠.

عام 2000.. مولد الأمل

«ثم يأتى من بعد ذلك عام فيه يُغاث الناس»، مثلت هذه الآية القرآنية إحساس جيل الثمانينيات بعام ٢٠٠٠، وأنه قد آن الأوان لكسر حالة الملل، ولا أفضل من ذلك سوى رأس السنة هذه المرة.

لماذا هذه المرة؟

وهل كان حلول عام ٢٠٠٠ له تلك الأهمية حقًا؟

الإجابة قطعًا نعم.

١ يناير ٢٠٠٠ هو أحد أهم الأيام فى التاريخ، ليس على مستوى هذا الجيل الذى يتشبث بأى حدث ذى قيمة، لكن على مستوى العالم. الاحتفال بهذا اليوم كان الأول من نوعه فى تاريخ البشرية، التى لم تشهد قبل ذلك سوى بداية ألفية واحدة فى ١ يناير عام ١٠٠٠، وأغلب الظن أنه لم تكن هناك احتفالات أو أجواء شبيهة لما نعيشه الآن، لذلك فنحن أمام احتفال يحدث فعليًا للمرة الأولى، هذا ليس بداية عام جديد، ولا عقد جديد، ولا حتى قرن جديد، إنما بداية ألفية، ١٠٠٠ عام مقبلة، فرصة لم تحظَ أجيال كثيرة قبل ذلك بها، ولن تتاح أيضًا لأجيال كثيرة قادمة، وهل سيجد هذا الجيل البائس أفضل من ذلك، تشعر به ولسان حاله يقول «صبرت ونلت».

لكن هل يكفى ذلك؟

فى النهاية يظل ذلك كله فى إطار الترفيه المعنوى، والشعور النفسى بأنك عشت أيامًا لا تتكرر، وماذا بعد؟

هنا مربط الفرس.. لم يكن كافيًا لهذا الجيل خصوصية العام زمنيًا، فأضفى عليه أهمية أخرى مفادها ببساطة أن العالم سيحدث له restart لنبدأ مرحلة جديدة، وأن الشركات العالمية قد أخفت الكثير من اختراعاتها التى ستغير وجه الكون؛ لتكشف عنها مع بداية الألفية.

وقبل أن أحدثك عن وجه الكون الجديد دعنا نبدأ بأهم شائعات العام الاستثنائى، وهى أن العالم نفسه سينتهى، لأنه ببساطة يوم القيامة. يبدو أن البعض اعتقد أن القيامة لا بد أن تأتى فى تاريخ مميز وكان ١-١- ٢٠٠٠ شديد التميز، بالمناسبة تكرر الأمر مع تواريخ أخرى وأشهرها ٦-٦-٢٠٠٦. لم تعش الشائعة كثيرًا، واحتمى الناس بإيمانهم بأن موعد القيامة لا يعلمه إلا الله، وأن بداية الألفية بالأساس كان يوم «سبت» مثلما كان يوم ٦-٦-٢٠٠٦ يوم «ثلاثاء» بينما القيامة وفقًا للعقيدة ستكون يوم «جمعة».

قد تظن أن هذا التصور كان فى مصر فقط، أو حتى فى نطاق الدول الإسلامية، لكن الحقيقة أنه كان توجهًا عالميًا، ولو أن بعضًا من أبناء جيل الثمانينيات وقتها كان لديه اهتمام ووسيلة للاطلاع على ما يحدث عالميًا سيعرف أن الشهور القليلة الأخيرة فى عام ١٩٩٩ كانت الأسوأ فى كثير من الدول الأوروبية، ولجأ الكثير من المواطنين إلى تخزين كميات من الطعام وتسليح أنفسهم بالكثير من أدوات الدفاع عن النفس استعدادًا لنهاية العالم التى ستأتى مع بداية العام نتيجة للفوضى التى ستعم العالم.

حاول رجال الدين فى العالم كله تهدئة الناس ودعوتهم للتحصن بإيمانهم، غير أن كل الجهود الدينية لم تمنع التصورات بأن الأحداث المثيرة آتية لا محالة، فالسيارات سوف تسير بعصير القصب بدلًا من البنزين، ويمكنك زيارة خالتك التى تعيش على القمر بسهولة شديدة كون الرحلات الفضائية ستصبح تكلفتها فى متناول الجميع، وستتم زراعة شريحة فى مخ الإنسان لتسهل عليه كل أمور الحياة، هذا كله وغيره الكثير مما سيجعل الحياة بعد ٢٠٠٠ غير قبلها تمامًا.

ولا ننسى هنا أغنية غسان الرحبانى «صارت سنة الـ٢٠٠٠» التى بنيت على فكرة بداية الألفية الجديدة، ورغم أنها بالأساس أغنية سياسية إن شئت الدقة، وهدفها الأساسى انتقاد الأوضاع الموجودة فى لبنان بشكل أساسى، لكنها صاغت ذلك بطريقة ساخرة، استنادًا إلى أن المشاكل التى نعانى منها سوف تنتهى عام ٢٠٠٠. فمثلًا فى هذا العام «ظبط البلد»، و«ما عاد فيه مجاعة»، و«صار فيه قناعة وحرية لبنان»، و«صار فيه شغل كتير»، وغير ذلك الكثير من الرخاء والعدل والمساواة، وتتويجًا للعام سوف تتحرر فلسطين، و«وشو حلو حظه اللى بيعيش فى سنة الـ ٢٠٠٠». انتشرت الأغنية فى مصر بشدة، وتعامل معها أبناء الثمانينيات بجدية وكأنها بالفعل النقطة التى ستتغير فيها الحياة بكاملها للأفضل، وانتظروا عام ٢٠٠٠.

والحقيقة أن بداية الألفية الجديدة كانت دائمًا محط اهتمام الجميع من قبل ذلك بكثير، ومن حين لآخر كانت البرامج والقنوات تخصص فقرات لتصورات الناس عن الحياة عام ٢٠٠٠، تعالوا نرى بعضها.

إحدى القنوات الأجنبية أعدت تقريرًا مصورًا مع بعض الأطفال فى المدارس، والمعلومات المتاحة عن التقرير أنه تم عام ١٩٦٦، ويدور حول سؤال أساسى: كيف سيكون شكل الحياة عام ٢٠٠٠؟ وكانت هذه بعض الإجابات:

• سوف أكون فى سفينة فضائية متجهة للقمر.

• الكثير من الناس ستكون لديهم القدرة على الحصول على القنابل، وأحدهم سوف يستخدمها بالفعل.

• شخص معتوه سوف يستحوذ على القنبلة الذرية وسيفجر العالم.

• سيتم التعامل مع الناس باعتبارهم مجرد أرقام وليس كبشر حقيقيين.

• لن تكون هناك وظائف كافية للجميع، وحدهم الأذكياء ممن يستطيعون التعامل مع الكمبيوتر هم من يستحوذون على الوظائف.

بنفس الطريقة كانت البرامج المصرية تحاول رسم ملامح المستقبل، فى تقرير للقناة الأولى عام ١٩٩٤ بدأته المذيعة بجملة أن «كثيرًا من الحقائق كانت فى الأصل خيالًا» وذلك تمهيدًا لسؤال الحلقة الأساسى: كيف ستكون مصر مع بداية الألفية؟. أحد ضيوف التقرير رأى أنه قد يجد «كمسرى» يقطع تذاكر للفضاء بدلًا من تذكرة الأتوبيس، بما يعنى أن الرحلات من وإلى الفضاء سوف تكون أسهل من أتوبيس ٣٠٦ «المنيب- الأميرية»، كما أن الدنيا ستتطور فى مصر كثيرًا وسنستطيع منافسة كبار العالم فى الرياضة، وستكون لدينا محطات إخبارية تنافس نظيراتها العالمية، على رأسها CNN.

أهمية هذا العام تجدها أيضًا فى لقاءات نجوم الشباك قبل بداية الألفية أيضًا، لأن مقدم الحلقة لن يفوت فرصة السؤال عن تصور ضيفه للتغير الجوهرى الذى سيحدث مع الألفية الجديدة.

سعيد صالح، فى أحد لقاءاته، قال فيما معناه إن العالم سيكون أفضل بالقطع، لأن هذه هى طبيعة الأشياء، فنحن فى حالة تطور دائم، وكما أننا نعيش اليوم أفضل من الأمس، فالغد سيكون أفضل من اليوم، ولذلك فالفن وقتها سيكون بحالة أفضل أيضًا.

عادل إمام كان له رأى مختلف، وفى لقاء قديم له رأى أن العالم سيكون «آليًا» تحكمه الماكينات بشكل كامل، ونتيجة لذلك ستكون العواطف نفسها آلية، والأفلام والفنون بالتبعية ستصبح مفتقدة للمشاعر.

وعلى نفس منوال التليفزيون سارت الصحف.. عام ١٩٥٠ نُشر استطلاع رأى مع كبار الكتّاب والمثقفين حول توقعاتهم للكتابة عام ٢٠٠٠، وكانت آراؤهم كالتالى:

عباس العقاد: أرجو بعد أربعين سنة من التقدم العلمى والأدبى أن يكون شباب سنة ٢٠٠٠ فى غنى عن نصائح الشيوخ.

فكرى أباظة: يغلب على ظنى أن القصة التى أكتبها سنة ٢٠٠٠ تقع حوادثها فى القمر أو المريخ، ولا أدرى الآن أى موضوع أختاره لها، ولعله يكون حبًا متأججًا بين أحد سكان الأرض وإحدى ساكنات القمر أو المريخ.

زكى طليمات: سيقتحم التليفزيون البيوت فى جميع أقطار الشرق العربى، وسيشتد الصراع بينه وبين السينما، وهى الأم التى أنجبته، ومن يدرى فقد يأتى اختراع جديد يجسّم التعبير الإنسانى علـى وجه آخر.

توفيق الحكيم: سأكتب قصة سنة ٢٠٠٠ ستستمد حوادثها من صميم التقدم الذى تصل إليه البشرية فى تلك السنة، إذا لم تقع فى حرب فى خلال الأربعين سنة المقبلة، وأمكن للقوى المتصارعة فى العالم أن تسخر العلم فى خدمة البشرية بدلًا من دمارها.

ويبدو أن توفيق الحكيم كان من أشد المهتمين بعام ٢٠٠٠، فأصدر عام ١٩٨٨ كتابًا يحمل عنوانًا معبرًا وواضحًا وصريحًا، «تحديات سنة ٢٠٠٠»، تحدث فيه عن مشكلة الطاقة والتكنولوجيا والقنبلة الذرية والدين والعلم والحضارة وما إلى ذلك من ملامح للعام المنشود.

وأيًا ما كانت الإجابات والتصورات فإنها تعكس أهمية عام ٢٠٠٠ للجميع قبل أن يأتى، وإذا كانت هذه الأهمية تأتى فى إطار الأسئلة الفانتازية للكثيرين، فهى عند جيل الثمانينيات مفصلية، فهذا هو العام الذى رسموا عليه كل خططهم وأحلامهم، انتظروه كثيرًا، ولما جاء العام المنشود لم يحدث أى شىء استثنائى، فكانت الكارثة.

عام الحزن وسنوات الجنون التكنولوجى

جاء عام ٢٠٠٠ عاديًا جدًا، لا تغييرات ولا أحداث، واستمر مصير عصير القصب فى فم المصريين وليس فتحة تانك السيارة، وأصدر عمرو دياب ألبومه السنوى بعنوان «تملى معاك»، وللأسف لم تستطع أن تزور خالتك فى القمر؛ لأنها لم تسكنه، ولولا الانتفاضة الفلسطينية الثانية التى حدثت فى سبتمبر لما كان للعام ذكرى من الأساس، تشعر وأنها جاءت لحفظ ماء وجه العام، الذى بنى عليه الجيل كل آماله.

حتى مشكلة الصفر «Y2k» التى كانت الشغل الشاغل للعالم أجمع انتهت ببساطة شديدة، ولم تحدث الكارثة التى توقعها كثيرون. وللتذكرة، ولمن لا يعلم، فمشكلة الصفر كانت تخص أجهزة الكمبيوتر، وتتلخص فى أن جميع الأجهزة كانت تقرأ السنوات من خلال آخر رقمين، فعام ١٩٩٩ هو بالنسبة لها ٩٩، وعام ١٩٩٠ هو ٩٠، فكانت المشكلة أن عام ٢٠٠٠ سيكون الكود الخاص به على الأجهزة هو صفرين «٠٠»، أى أنه سيكون على الأجهزة عام ١٩٠٠. كان الرعب وقتها بأن أجهزة الكمبيوتر كانت متحكمة فى جميع الأنشطة المفصلية فى العالم، فى البورصات والبنوك ومحطات الطاقة الذرية ومنصات إطلاق الصواريخ الباليستية، وكل ما هو قادر على إحداث كارثة فى الكوكب أجمع، لكن المبرمجين استطاعوا حل المشكلة ومرت بسلام.

وبعدما جاء عام ٢٠٠٠ عاديًا جدًا، عاد الجيل المنحوس إلى ما كان عليه قبل مفصله الزمنى، عاد إلى الثبات والملل، خاصة بعد أن تخرج بعضهم فى جامعاتهم ومدارسهم وبدأوا حياتهم العملية فى رحلة تكوين وتجهيز أنفسهم لبناء الأسرة.

ولكن هيهات أن يتركهم الزمن هانئين بما كانوا عليه، بل قرر أن يكمل لهم وعليهم حالة النحس الكبرى، ففى طريق عودتهم لحالة الهدوء والثبات قرر العالم بعد سنوات قليلة أن يسرع الخطى كثيرًا، قرر أن يركب صاروخًا تاركًا جيل الثمانينيات يسير خلفه على «البسكلتة» حلم طفولته الأكبر.

وجد جيل الثمانينيات العالم من حوله يتغير بالفعل، بل يدخل مرحلة الجنون، وبدأت الأشياء من حوله تتبدل وتتطور فى شهور قليلة، بعد أن كانت تعيش سنوات وعقودًا على نفس هيئتها، لو أردت أمثلة على ذلك فقد تحصل على قائمة طويلة جدًا، لكن دعونا نذكر بعضها.

بدأ أبناء الثمانينيات الألفية الجديدة بحدث لم يكن يخطر على بال أحدهم ولو فى أحلامه، وبعد سنوات من حياة بلا أحداث شاهد بعينيه وعلى الهواء مباشرة الحدث الذى سيغير وجه الكرة الأرضية بأكملها، شاهد تفجير برجى مركز التجارة العالمى بالولايات المتحدة الأمريكية. أى صدمة تلك؟ وأى سيناريو؟ وأى شخص يستطيع أن يفعل ذلك؟ وأى عقل يقول أن تضرب أمريكا على أراضيها؟ ها قد بدأت الأحداث الكبرى التى كان يبحث عنها أبناء الثمانينيات، والتى لم يكن هذا التفجير سوى بدايتها.

فى حياته الخاصة أيضًا بدأ جيل الثمانينيات يرى الحياة وقد تبدلت تمامًا وبسرعة رهيبة، فقد عاش مع التليفون الأرضى سنوات بلونه الأسود وقرصه المكون من ١٠ دوائر قبل أن يرى بعد عمر طويل التليفون «أبو زراير»، وكان تليفون السيارة فتحًا تكنولوجيًا يصعب تصديقه، لكن بعد عام ٢٠٠٠ أصبح التليفون فى يد الجميع بعد ظهور الموبايل، الذى اتخذ بدوره خطوات جنونية فى تطوره، ولم يعد فى حاجة لسنوات طويلة ليغير من شكله وإمكاناته.

على هذا المنوال رأى هؤلاء المنحوسون كل شىء، كان لديهم الـfloppy disc لنقل ملفاتهم، وكانت مساحته لا تتعدى ٢ جيجا فى أفضل الحالات- وهى مساحة تكفى لنقل صورة واحدة- وبسرعة تغيّر إلى cd، ثم flash memory، والآن يسير الناس إلى عملهم وفى أيديهم hard disc تتجاوز مساحته الـ«تيرا». 

تحدث جيل الثمانينيات فى الموبايل عندما كانت الدقيقة بجنيه ونصف الجنيه، ورأى من بعده يتحدثون بالساعات بعد أن أصبحت الدقيقة بقروش معدودة، هو بالأساس كان يتبع نظرية «رن عليا» التى كان يتم تطبيقها حرفيًا، فهو يرن والطرف الآخر لا يفتح الخط حتى لا يفقد الجنيه ونصف الجنيه. كما عاش أبناء الثمانينيات سنوات طويلة مع قنوات ثلاث فى التليفزيون إلى أن رأوا قائمة طويلة جدًا على «الريسيفر» لا يستطيعون حصرها، وانتقلت حياتهم من الجوابات وتسجيل شرائط الكاسيت، وفى أفضل الحالات مكالمات دولية، إلى تواصل مباشر عبر الإنترنت.

ألم يكن ذلك ما يتمناه أبناء الثمانينيات؟ ألم يبحثوا عن حدث يغير حياتهم ويجعل لها مذاقًا مختلفًا وانتظروه عام ٢٠٠٠؟

بالطبع لا.. فليس ذلك ما كنا نتمنى..

كل ما حدث حول أبناء الثمانينيات إنما أفسد عليهم حياتهم وأفقدهم متعتهم فيما كانوا يفعلون. رسائل الـsms حرمتهم من الخطابات المعطرة المكتوبة على ورق ملون ملىء بالورد، وبانتشار الألبومات والأغانى لم تعد لديهم رغبة فى صنع «الكوكتيل» الخاص بهم، الذى كان يضم أغانيهم المفضلة، وقِس على ذلك كل شىء.

هذا الوضع الجديد جعل أبناء الثمانينيات يعيشون فى رعب ثلاثى الأبعاد، فهم أولًا غير قادرين على متابعة هذا التسارع الجنونى، فكل ما يظهر حولهم لا يأخذ وقته، تمر أيام وشهور قليلة ويتطور لشكل أحدث، وهم يتمتعون بـsoftware بطىء يعيش سنوات وعقودًا مع نفس التكنولوجيا دون تطور، كانوا «نص حصان» بينما ما حولهم «٦٤ حصانًا»، هناك فرق سرعات واضح.

أما ثانيًا، فقد سرق هذا العالم الجديد حياتهم، واختفت كل مناحى ومعالم عالمهم، اختفت نوتة التليفونات ودفتر الجوابات وسنترال الشارع وكبائن؛ ميناتل» وشرائط الفيديو ونواديه وألبومات الصور وجهاز وشرائط الكاسيت والووكمان والأوتوجراف والراديو الترانزستور والمنبه والأتارى، كل ذلك وغيره اختفى وأصبحوا فى عالم جديد يحاولون استكشافه. لا تتعجب لو قلت لك إن بعض أبناء هذا الجيل غير قادرين حتى الآن على استيعاب أن كل التكنولوجيا التى استخدموها طوال حياتهم موجودة الآن على الموبايل، قد يكون الأمر مجرد عدم قدرة على الاستيعاب، وقد يكون طريقة للتعبير عن الرفض، لكن النتيجة واحدة، هى أن عالمهم بشكله القديم قد اختفى.

لكن الجانب الأقسى هو ثالثًا، فهذا العالم الجديد جعلهم يكبرون سريعًا؛ ليصبحوا دقة قديمة وهم فى الثلاثينيات من عمرهم، شباب فى مقتبل العمر لم يتزوج ،بعضهم يعيشون بوصفهم old fashion، لأنهم ببساطة لا يستطيعون فهم ما يعيشون فيه الآن، هم يعجزون عن مجاراة ما يحدث، بل يقاومونه من أجل العودة لسباتهم وثباتهم وحياتهم الهادئة. 

عندما قضت السياسة على ما تبقى

وكأن كل ما سبق لم يكن كافيًا لمرمطة هذا الجيل، فجاءت السياسة لتقضى على ما تبقى لديهم من عالمهم، عندما شارف «المناحيس» على الثلاثينيات أو تخطوها بقليل بدأت مصر فى تغيير جلدها السياسى بثورة ٢٥ يناير ٢٠١١، وبعدها بأقل من عامين عاشوا أحداث ثورة ٣٠ يونيو ٢٠١٣، وهم الآن قد أتموا الأربعين واقترب بعضهم من سن الخمسين جدًا. هناك ما يزيد على ١٣ سنة مرت من عمرهم فى أفضل مراحله دون أن يشعروا بها، فالشاب الذى شهد ثورة يناير وهو فى سن ٢٨ قد بلغ الآن عامه الـ٤١، والمسافة بين الرقمين كبيرة ومرعبة بحق، فهى ليست فقط طويلة، لكنها أيضًا استهدفت «أحلى سنين العمر».

ولكى تكتمل الدائرة، فقد سارت السياسة على نفس منهج التكنولوجيا، كل شىء يتغير بسرعة مخيفة، فقد ظل جيل الثمانينيات سنوات كثيرة لم ير سوى رئيس واحد، ثم فى أقل من ٤ سنوات يرى ٤ رؤساء لبلده، وبعد عمر طويل من الاحتفال بذكرى ثورة ٢٣ يوليو ١٩٥٢ أصبحت لديه ثورتان جديدتان يحتفل بهما ويرى أطفاله يدرسونهما فى مناهجهم، وبعد أن كان لا يعرف لصندوق الانتخابات طريقًا، بات مطالبًا بأن يتلون إصبعه بالحبر الفسفورى مرات كثيرة، وغير ذلك بالقطع الكثير.

انتظر فالعالم لا يزال فى جعبته الكثير لأبناء الثمانينيات، وكأنه اختزن جميع الأحداث الكبرى وأخرجها جميعًا فى وقت واحد. فقد عاشوا مؤخرًا ما عاشه أسلافهم فى عشرات السنوات وربما قرون، عاشوا فى رعب أوبئة إنفلونزا الطيور والخنازير وسارس، وأخيرًا درة التاج «فيروس كورونا»، وبعدما كانت الحروب بالنسبة لهم تتلخص فى الاحتفال بنصر أكتوبر ١٩٧٣، الذى لم يعاصروه، رأوا حروبًا عديدة وعاشوا تفاصيلها وعانوا تبعاتها «لايف». فى الداخل ظلوا سنوات طويلة فى حرب الدولة ضد الإرهاب، التى بدأت بعد ٣٠ يونيو ٢٠١٣ وخلع محمد مرسى وجماعة الإخوان المسلمين، وظلت مستمرة تقريبًا حتى عام ٢٠١٧. أما الحروب الخارجية فحدث ولا حرج، عاشوا ما يحدث فى الدول المجاورة فى ليبيا والسودان وسوريا والعراق، ثم كانت المكافأة الكبرى، التى أراد الكون ألا يحرم أبناء الثمانينيات منها، وهى أن يعيشوا حربًا عالمية، فى كتب التاريخ التى درسوها كانت هناك الحربان العالميتان الأولى والثانية، وها هم الآن يتابعون لحظة بلحظة بداية الحرب العالمية الثالثة التى كانت شرارتها بين روسيا وأوكرانيا، بل إنهم فى سنوات قليلة شاهدوا دولًا تختفى وأخرى تظهر للوجود، واستقبل هواء الكون أعلامًا جديدة بألوان متنوعة لكيانات لم تكن موجودة من قبل.

هذه الأوضاع والأحداث التى عاشها أبناء الثمانينيات كانت قسوتها وصدمتها الحقيقية فى أمر واحد، الموت.

جيل ابن موت

حاصر الموت أبناء الجيل من كل جانب، وبدأ يرى كل تفاصيل حياته تخفت شيئًا فشيئًا حتى تلاشت تمامًا، وأصبح الجيل فى عداوة واضحة مع الموت.

دون أن يشعر بدأت جوانب حياته تموت معنويًا، فكل ما اعتاد عليه موجود لكنه كالشبح، تراجعت مكانته بعد أن ظهر منافسون أقوياء سيطروا على الساحة وجعلوا ما كان ملء السمع والبصر مجرد أطلال. شاهد أبناء الثمانينيات الذين كبروا، نجوم الفن وهم فى أوج توهجهم وقد خفتت عنهم الأضواء وتوارت، هم على قيد الحياة لكنهم فعليًا غير موجودين. إيهاب توفيق وحميد الشاعرى وعلاء عبدالخالق وحنان ومحمد ثروت وإيمان الطوخى وجيهان فاضل، كل هؤلاء وغيرهم يعانون الآن من سكرات الموت الفنى، وجيل الثمانينيات يبكيهم ويبكى ذكرياته معهم.

وما حدث مع هؤلاء تكرر مع كل شىء حتى مع المنتجات التى كان يراها باستمرار، شوكولاتة كورونا ومنتجات قها وعصير بيست والشمعدان ولوليتا وكاراتيه ورابسو وأومو وشاى القويرى. معظم تلك المصانع لا تزال تنتج لكنها فى الصفوف الخلفية. 

لم يتوقف الأمر عند الموت المعنوى، فقد خطف الموت بالفعل بعضًا من النجوم الذين كبر أبناء الثمانينيات وهم على القمة، علاء ولى الدين «٢٠٠٣»، وعماد عبدالحليم «١٩٩٥»، وعامر منيب «٢٠١١»، وآخرهم شيرين سيف النصر «٢٠٢٤».

الأصعب من ذلك هو أن الموت بدأ فى خطف أبناء الجيل أنفسهم، شباب فى ريعان عمرهم أصبحوا الآن من الماضى، هيثم أحمد زكى «١٩٨٤»، مصطفى درويش «١٩٨٠»، عمرو سمير «١٩٨٤»، ماهر عصام «١٩٧٩»، غنوة أخت أنغام «١٩٨٨». وأغلب الظن أننا جميعنا قد عشنا لحظات، لحظة فقد أحد أصدقائنا أو معارفنا أو حتى إحدى الشخصيات العامة من أبناء جيلنا بشكل مفاجئ.

هل توقف الأمر عند ذلك الحد؟

على العكس تمامًا، فكل ما حدث جعل أبناء الجيل أنفسهم يرون الموت كل يوم، وفى سنوات قليلة أصبحوا مهددين بأن يفارق أى منهم الحياة فى عز شبابه، من أفلت من إنفلونزا الطيور والخنازير اصطدم بثورة يناير وما تلتها من عمليات التفجير والإرهاب، التى كانت تحدث أكثر من عدد وجباته فى اليوم، ومن حالفه الحظ وعاش بعدها وجد فيروس كورونا يبتسم فى وجهه، ولسان حاله يقول «شرفت يا منحوس»، ومَن مر من ذلك كله يعيش كل يوم فرصة الموت على يد قنبلة نووية تُنهى الحياة على كوكب الأرض كله.

قطعًا الأعمار بيد الله، لكن كل ما عاشه هذا الجيل يجعل المثل الشعبى لائقًا به بأنه «ابن موت»، وليس جيلًا منحوسًا كما يحلو للبعض أن يسميه.

إن فاتك الميرى.. العودة مرة أخرى لعام 2000

لا يزال عام ٢٠٠٠ تاريخًا مفصليًا لدى جيل الثمانينيات، فخلاله أنهى أبناء الجيل دراستهم الجامعية وبدأوا أولى خطوات الحياة العملية، قبل ٢٠٠٠ بعام أو بعده بأعوام قليلة بدأت رحلة جديدة للجيل، رحلة الوظيفة والبحث عن عمل.

لم تكن الأوضاع فى أفضل ظروفها وقتها، فنحن الآن فى السنوات الأخيرة لحكم مبارك ونظامه، وما أدراك ما تلك السنوات، فلن نكون متحاملين لو قلنا إن فرص العمل كانت من الأحلام صعبة التحقق، وتحتاج الكثير والكثير من «الوسايط»، و«فلوس من تحت الترابيزة» لكى تجد لك مصدر دخل شهريًا، أيًا ما كانت قيمة هذا الدخل.

هل تسأل عما إذا كان ذلك فى القطاع الخاص أو الحكومة؟

للأسف الشديد كان فى كليهما.

لكن ما يهمنا هنا هو كيف تصرف أبناء الجيل؟ أو بشكل أدق كيف كان يفكر؟

كعادته كان تائهًا ومشتتًا، ونستطيع أن نقول إنهم آخر جيل يعمل بمقولة إن «فاتك الميرى اتمرغ فى ترابه». وبغض النظر عن أن أصل المثل لا علاقة له بالتوظيف، لكنه يظل فى التصور الشعبى أنه يحفز الشباب على الوظيفة الحكومى، وأنها الأمان والملاذ، وإلا «اتمرمغ فى التراب».

كان العمل الحكومى هو الأمل الأول لأبناء هذا الجيل، ومن المؤكد أنه حاول، لكن مع قلة عدد الوظائف المطلوبة فى «الميرى»، ومع وجود الكثير من الإجراءات الرسمية وغير الرسمية للحصول على الوظيفة، باءت المحاولات بالفشل، وكان الشباب وقتها مطالبًا بالبحث عن بديل للحكومة والتراب.

إذن فهو القطاع الخاص.. 

انتظر فالأمور ليست بتلك البساطة، خاصة أن رجال الأعمال كانوا هم رجال الحكم وقتها، والمشهد كان معقدًا بشكل لا يمكن تصوره، وفرصة الحصول على وظيفة لدى أرباب العمل الخاص لم تكن تقل صعوبة عن الحكومى.

إذن هو المشروع الخاص.. 

لماذا لا يبحث كل شاب حديث التخرج عن فكرة مشروع صغير يبدأ بها حياته؟

دعنى أذكرك أن هذا الشاب ابن جيل الثبات والسبات الطويل، معظم أفراده يفتقدون روح المغامرة والإبداع والاختلاف، ودائمًا ما كان التصور لدى الشباب أنك لن تتقدم إلا من خلال الحزب الوطنى، كل المواهب لا بد أن تبدأ طريقها من هناك.

أضف إلى ذلك أن كل مستجدات الحياة وقتها كانت غريبة عليهم، من كان يمكن أن يغامر بمشروع «موبايلات»، أو فكرة تخص التكنولوجيا الحديثة بشكل عام؟ وكيف كان يضمن استمراره فى ظل التطور الدائم الذى يهدم أى مشروع بسرعة شديدة؟

كثير من الشباب مثلًا قرر أن يكون مصدر دخله ومشروعه الخاص هو السنترال، الذى كان يقدم خدمة دقيقة الموبايل بـ٥٠ قرشًا وقت أن كانت تكلفتها فى الخطوط العادية جنيهًا ونصف الجنيه، وفى وقت لم يكن الموبايل نفسه قد انتشر كثيرًا، وما هى إلا سنوات قليلة حتى أصبحت الأجهزة المحمولة فى أيدى الجميع، وظل سعر الدقيقة فى انخفاض حتى وصل لقروش معدودة، فكيف يستمر المشروع؟

على غرار ذلك قام الكثير من المشاريع واختفى، وظل الجيل تائهًا، لا هو طال الميرى، ولا وجد التراب حتى يتمرغ فيه.

التفكيك.. لن يهنأ أحد

نحن الآن أمام جيل ذى خصوصية شديدة، يمكن أن تنظر إليه بأنه مرحلة انتقالية بين جيل قديم يعيش بأبسط الأدوات وأقلها، وجيل آخر حديث ينعم بأعلى درجات التقدم العلمى والتكنولوجى، وبينهما يقف جيل الثمانينيات، الذى بدأ حياته مع الجيل القديم بكل ثقافته وأدائه ونمط حياته واكتسب الكثير من سماته وطباعه، وها هو يكمل طريقه مع جيل بثقافة وأداء ونمط حياة على النقيض تمامًا يجاهد لكى يتعايش معه.

نحن ببساطة أمام جيل تائه ويبحث لنفسه عن هوية..

جيل ضاعت أجمل سنوات عمره ومرت سريعًا جدًا لدرجة أنه لم يشعر بها..

جيل يبحث عن ذاته منذ ربع قرن، ومنذ أن قرر أن يضع آماله جميعها فى عام ٢٠٠٠، ولما فشل فى ذلك قرر أن يتقمص دور شمشون الجبار ويهدم المعبد على رأسه ورأس الجميع، ودون أن يدرى اتبع سياسة التفكيك.

ماذا نعنى بالتفكيك؟

أن لا شىء له قيمة.

نظر أبناء جيل الثمانينيات لمن قبلهم ومن بعدهم بكثير من السخرية، لم يسلم منهم أحد مهما كانت قيمته، بل إنهم لتأكيد فلسفتهم قرروا أن ينالوا من قمة الهرم، وأن يستهدفوا الأكثر تميزًا ونجاحًا وتأثيرًا، ويجعلونه مادة للضحك والاستهزاء أحيانًا.

كانت المهمة مع الجيل التالى أكثر سهولة، فما يفعلونه فى النهاية «لعب عيال»، وصغار السن هؤلاء إنما يدمرون قيم المجتمع وتقاليده ويفقدون الحياة لذتها، ولحسن الحظ فقد جاء هذا الكلام على هوى الأجيال الأقدم فاكتسب ثقلًا وتصديقًا.

لكن الصعوبة كانت فى تفكيك الأجيال القديمة كونهم قدموا تراثًا وإرثًا يصعب المساس به، فى الغناء والمسلسلات والأفلام والأدب والرياضة، أو على الأقل كان هذا ظنهم. قد تكون موجة التفكيك قد بدأت على أيدى الجيل السابق لأبناء الثمانينيات، لكنهم أيضًا قد يكونون فعلوا ذلك لأنهم يعلمون طبيعة الجيل المستهدف، هم على قناعة بأنه سوف يعجب بما يقدمونه.

البداية كانت مع فيلم قشر البندق من إنتاج عام ١٩٩٥، وكانت أحداثه تدور حول انخفاض إيرادات الفندق الذى يديره رءوف فوزى «حسين فهمى»، فيلجأ لحيلة إقامة مسابقة لتناول أكبر كمية من الطعام لجذب نزلاء جدد، فتتحول المسألة إلى استعراض لنماذج كثيرة من مآسى الفقراء الذين اشتركوا فى المسابقة، وكام من أوائل الأعمال التى تضع الطبقات الاجتماعية فى مواجهة مباشرة.

ما زلنا مع أبناء الجيل الأقدم الذى يقدم هدايا لأبناء الثمانينيات، وهذه المرة مع المؤلف أحمد عبدالله «مواليد ١٩٦٥»، والممثل المحتكر لشباك التذاكر محمد سعد «١٩٦٨»، أما الفيلم فكان «اللمبى». فى كل مشهد تستطيع أن تلمس تعاملًا مختلفًا مع كل شىء فى المجتمع، لكن النقطة الأهم كانت أغنية أم كلثوم «حب إيه» التى غناها محمد سعد لكنها تحولت إلى «حب إيه.. حب آه»، وأصبحت الإرهاصة الأولى لتحول أغانى كبار النجوم لنسخة شعبى. بالطبع هاجت الدنيا وقتها على الفيلم وصُناعه، وأن أم كلثوم هرم مصر الرابع لا يصح المساس بها، لكن الأمر انتهى إلى لا شىء. كرر محمد سعد المسألة مرة أخرى فى فيلم كتكوت عام ٢٠٠٦ باعتماد جملة لحنية من أغنية «سيرة الحب» بعد أن حولها إلى «بللم بللم تيرارا»، ولم يكتف هذه المرة بالأغانى العربية، لكنه قدم نسخة شعبية من أغنية Lady.

ظلت محاولات التفكيك والسخرية من الأجيال السابقة تظهر فى كثير من الأعمال، سواء بشكل عابر أو بتركيز شديد؛ إلى أن وصلنا لمرحلة الثلاثى «شيكو وأحمد فهمى وهشام ماجد» وجميعهم مواليد عام ١٩٨٠، أى من أبناء الجيل بشكل كامل. 

معظم أفلام الثلاثى كانت مليئة بكل ما يأخذ من قيمة ما قدمته الأجيال السابقة عليه، سخرية لاذعة جدًا بشكل قد يكون غير مبرر فى كثير من الأوقات. فى فيلم «سمير وشهير وبهير» مثلًا ستجد هشام ماجد فى أول ظهور له فى الفيلم يطارد «الخدامين» الذين يعملون فى منزلهم ببندقيته، ويصيدهم كأنهم حمام أو بط، وفى الخلفية موسيقى مسلسل «الوسية» إحدى علامات الدراما المصرية عبر تاريخها. ثم كانت السخرية من فيلم عنترة بن شداد أيقونة فريد شوقى ونيازى مصطفى، لكن النقطة الأكثر وضوحًا كانت غناء عبدالحليم حافظ أغنية «العنب» لسعد الصغير على لحن أغنيته «يا خلى القلب»، وظهور بوسترات له على طريقة عمرو دياب فى ألبوم «وياه»، مرتديًا «كت»، ويرسم على ذراعه «تاتو» ويكتب توقيعه بنفس الطريقة «ع حليم».

مع كل عمل كانت دائمًا هناك جملة أو أكثر تؤكد سياسة تفكيك المجتمع، فى ورقة شفرة نجد بعض السخرية من الشاب المهتم بدراسة تاريخ الفراعنة، وفى الرجل العناب يشير اسم الدور الذى يقدمه شيكو لنفس الأمر «تيسير فهمى»، لكن اللوحة الأوضح للتفكيك والسخرية كانت فى فيلم «الحرب العالمية الثالثة»، الذى يمكن أن تضعه كتفًا بكتف مع مسرحية «مدرسة المشاغبين» فى رسم صورة سلبية للتعامل مع المجتمع.

فى الفيلم سخرية واستهزاء وتقليل من دور كل رموز المجتمع المصرى والعالم أيضًا، توت عنخ آمون ملك سمين جدًا وتافه غير قادر على اتخاذ قرار، ومحمد على وزير مطيع للملك فى كل ما يقول، وعلاء الدين نصاب وحرامى، وصلاح الدين الأيوبى مجرد رأس بلا جسد، وغناء أم كلثوم ممل، وأبوالهول مرتشٍ بسيجارة، ومارلين مونرو فتاة ليل، وبوب مارلى «ديلر»، والإسكندر الأكبر لديه مطعم سمك، وأحمد فتحى جنى فاشل فى تحقيق أى أمنية، والأهم من ذلك كله أن رأفت الهجان عندما هرب من المتحف اتجه إلى إسرائيل.

والمتابع لأعمال أبناء هذا الجيل سيجد الكثير والكثير من مظاهر تفكيك المجتمع التى ما هى إلا صرخة من هذا الجيل ووسيلة لإيجاد هويته الخاصة، أو على الأقل محاولة لإيجاد نفسه. وأرجوك لا تعجب إذا علمت أن نجوم أغانى المهرجانات- صرخة الجيل فى وجه الغناء القديم- من أبناء الثمانينيات، عمر كمال ١٩٨٥، حسن شاكوش ١٩٨٧، وحمو بيكا ١٩٨٨. وأرجوك أيضًا لا تنزعج عندما تسمع الروائى الشاب أحمد مراد مواليد ١٩٧٨ وهو يقول إن روايات نجيب محفوظ لا تتناسب مع العصر.

قد يكون جيل الثمانينيات «منحوسًا»..

وقد يكون «مظلومًا»..

وقد يكون فعلًا «ابن موت»..

لكن المؤكد أنه جيل تائه..

ولا يزال يبحث عن نفسه.