الثلاثاء 16 يوليه 2024
المحرر العام
محمد الباز
المحرر العام
محمد الباز

محمد خيرى الإمام: ألفت كتاب "من خبايا الذاكرة" للتسلية.. ولدىَّ الكثير لأرويه عن القرية

حرف

- كتبت «من خبايا الذاكرة» هربًا من الاستقطاب والتمزق بعد «25 يناير»

- الطحين والعجين والخبيز و«تبييض» الأرز أكثر مناطق الكتاب حميمية

- أنوى الكتابة عن مجذوب القرية وشيخ الطريقة والمسحراتى ومبيض النحاس وآخرين

إذاعة القرآن الكريم من القاهرة، أخبار خفيفة، صباح الخير يا مصر، قرآن الشيخ رفعت.. كلها ذكريات من زمن الثمانينيات، تثير فيمن حضرها الكثير من الشجن، ربما هذا الشجن هو ما قاد الدكتور محمد خيرى الإمام، بحكم مكان ولادته وطفولته فى قرية «كفر بدواى» التابعة لمدينة المنصورة بمحافظة الدقهلية، ليبدأ بهذه الذكريات مشروعه النثرى من خلال كتابه الجديد: «من خبايا الذاكرة».

فى هذا الكتاب لا توجد ذكريات الكاتب فحسب، بل يعيدنا «الإمام» جميعًا إلى ذكرياتنا نحن، تلك التى عشناها فى قرانا الريفية والجنوبية على حد سواء، قبل نحو 45 عامًا، لنشهد معه، فى رحلة «زمنية سينمائية مكتوبة» أول يوم لدخول الكهرباء إلى القرى، ومحاولات ضبط إرساله بـ«الإريال» وغيرها الكثير.

عن الكتاب وهذه الذكريات يدور حوار «حرف» التالى مع محمد خيرى الإمام، عن كتابه «من خبايا الذاكرة». 

■ بداية.. من هو محمد خيرى الإمام؟

- كنت طفلًا محبًا للقراءة، وأدمنت حب اللغة العربية من كُتَّاب قريتى، على يد شيخى محمد عبدالجليل، والشيخين فؤاد عبدالسلام وعبدالحى الكنانى، وانبهرت بالرفع والنصب والجر من خطيب قريتى المفوه الشيخ فخر الدين الشافعى، وكذلك الشيخ محمد وهبة.

تعرفت على قواعد النحو والصرف والبلاغة على يد والدى معلم القرية، من الرعيل الأول من المعلمين، فقد كنت أحضر فى طفولتى المبكرة دروس والدى لطلاب الثانوية العامة، وأترك لعب الأطفال ولا أفوت حصة إلا وأحضرها، طفلًا صغيرًا أجلس عن يمين والدى.

بالتالى تعلمت قبل الأوان ما كان يجب علىّ فى الثانوية العامة، وأنا ما زلت فى الصف الخامس الابتدائى، فبينما يتعلم أقرانى المبتدأ والخبر، والفعل والفاعل، كنت أتعلم أسلوب المدح والذم والتحذير والاختصاص، وعمل لا النافية للجنس والميزان الصرفى.

وأذكر أننى كنت أجلس بجانب والدى فى صلوات الجُمَع، فإذا اقتضت الصدفة أن يصعد المنبر خطيب يخطئ فى النحو أو القراءة، أتسابق أنا ووالدى المرحوم فى اكتشاف الخطأ بضغطة خفيفة بأصابع القدمين المتلاصقتين فى جلستنا بالمسجد.

قرأت «الشوقيات» والمتنبى وأمل دنقل وصلاح عبدالصبور مبكرًا، فكانت قراءاتى مبررًا موضوعيًا لبداية مشوارى فى كتابتى المبكرة للشعر فى عمر قياسى قد لا يتجاوز العشر سنوات، ثم تعلمت العَروض على يد شاعر من قريتى، هو الشاعر محمد عبدالوهاب السعيد، وفاجأته بأول قصيدة موزونة على بحر الكامل وأنا ابن اثنتى عشرة سنة.

■ وماذا عن القرية وتأثيرها على منتجك الإبداعى؟

- الشاعر أو الكاتب ابن بيئته، فإذا كان الكاتب مصريًا، فلا بد أنك ستجد النيل موجودًا فى إبداعه فى مواضع شتى، وقد تستشف من خلال كتابته ما تراكم فى تكوينه الثقافى من إرث حضارى ضارب فى عمق التاريخ، بينما يستعيض كاتب البلاد الصحراوية مثلًا بالمطر والغيم. 

كذلك تستطيع أن تكتشف أثر الحياة الريفية ومفرداتها البسيطة كالجداول والسواقى والترع فى المنتج الإبداعى للمبدع الريفى، هذا من حيث الشكل. 

أما من حيث المضمون فإن معانى المحبة والترابط والدفء الاجتماعى قد تبدو بين سطور القصائد أو القصص. وأذكر أن ديوانى الأول، الذى نشرته فى مرحلتى الجامعية بعنوان «غائب مؤرق بالحضور»، قد ضم قصيدة كان عنوانها «هواء القرى».

■ ما الذى دفعك لكتابة «من خبايا الذاكرة»؟

- لقد كان نشاطى الأدبى الوحيد كتابة الشعر، وبعض المقالات النقدية القليلة، لكن الذى حدا بقلمى نحو السرد، كانت حالة الاستقطاب العنيفة والمدوية التى أصابت المجتمع بعد ثورتى ٢٥ يناير و٣٠ يونيو.

تقطعت الأواصر، وانقسم الناس، وانتشر التخوين، كل هذا أصاب قلبى بأحاسيس سيئة ومشاعر سلبية، أدت بى إلى استنساخ مشاعر المحبة والدفء والتراحم من خلال كتابة مقالات سردية عما يمكن أن يجتمع عليه الناس.

لم تكن الفكرة هروبًا من الواقع، بقدر ما كانت بحثًا عن مشترك يذكر المصريين بأن هناك ما يجمعهم، وأن المحبة أقوى من البغضاء، والذكريات قد تجمع المختلفين فى الرأى فى وحدة الإحساس.

تذكرت قريتى فى زمنها الجميل، فكتبت ذكرياتى عن أول ليلة يسرى فيها التيار الكهربائى فى شارعنا، وعن أول تليفزيون يقتنيه واحد من أثرياء قريتى، وكتبت عن الراديو والكاسيت والفيديو، وكتبت عن الحصاد والطحين والخبيز، وكتبت عن المآتم والأفراح والموالد. 

■ تقول فى كتابك: «ولكنى مُصر على الاحتفاء بالماضى».. ما سبب إصرارك على هذا الاحتفاء؟

- يرى البعض أن «النوستالجيا» حالة مرضية، قد تعنى الاكتئاب أو الهروب من الواقع، وهى كلمة يونانية تتكون من مقطعين، «نوست» بمعنى الرجوع إلى البيت، و«الجيا» بمعنى ألم أو وجع، لكن معناها فى مفهومى يتلخص فى الحنين للماضى والأهل والعِشرة القديمة، بحثًا عن إحساس مفقود بالجمال، أحسسته يومًا ما.

كل هذا يغرينى بالانغماس فيما مضى لأستشعر المشاعر التى مرت بى سابقًا، بنفس الطعم والحلاوة والنقاء. الذكرى تحيى القلب، وكلما كانت الذكريات جميلة ورائعة حدت بالإنسان أن يعود إلى الماضى الجميل. 

كانت القرية وقت نشأتى أقرب لإحساس الأسرة أو العائلة. جُلُّ الأهالى أقارب وجيران وأحباب. المناسبات كانت دليلاً على روح المحبة والتكافل، سواء فى الأفراح أو النوازل، تفرح القرية كلها فى النجاح والزواج وموسم الحصاد، وتحزن كلها فى الحوادث والحرائق والكوارث، لا تستطيع أن تفرق بين الأقارب والأصهار والجيران. 

■ هل انتهت القرية هنا أم ما زال فى جعبتك الكثير لتكتبه عنها؟

- لم أؤدى دور المؤرخ النمطى، أو المتابع الموضوعى لأحداث قريتى التى مرت بى، وبالتالى لم أرصد الأحداث والأماكن والشخصيات المؤثرة بتسلسل وانضباط. لكن ما كتبته قليل مما تسلل من ذاكرتى على صفحات هذا الكتاب.

لم أكتب عن مجذوب القرية، أو شيخ الطريقة، أو مؤذن المسجد، أو المسحراتى، أو مبيض النحاس، أو ناظر محطة السكة الحديد أو غيره. لم أتطرق إلى الأماكن مثل الوسعاية أو حارة الكلبة أو حارة الشيخ أو دوار العمدة أو مركز الشباب... بالتالى ما زال عندى الكثير لأتحدث عنه فى تجارب سردية مقبلة.

■ ألم تراودك ذكريات لم تكتبها وتمنيت أن تضيفها للكتاب؟

- ذكريات الطفولة لا تنتهى، وكلما اقتربت من منطقة كتابة، أو مرت ذكرى بى، تولدت فى رأسى أحداث أخرى، وذكريات متوالية، ووجدت عقلى منفتحًا على شخوص ومواقف وأحداث مرت بى، بكثير من التداعى، الذى أكبح جماحه بحيث لا تتداخل الأفكار وينفرط عقد الكتابة. 

أجدنى فى حل من محاولة إضافة فصول أخرى للكتاب، ولكنى بالفعل كتبت مجموعة أخرى تنطوى بالأساس على طقوس رمضان فى الريف منذ عقود خلت، وأفردت مساحة شاسعة لألعاب الشارع فى طفولتنا، وقد ترى تلك المجموعة السردية النور فى قادم الأيام.

■ حصلت على المركز الأول فى فرع قصيدة الفصحى عام ١٩٩٥ كأول جائزة لك، والمركز الثالث فى مسابقة الشاعر عبدالسلام بو حجر بالمغرب عام ٢٠١٩.. ماذا تغير فى إبداعك بين الجائزتين؟

- لا أدرى على وجه التحديد، فرغم أن الجائزتين بينهما ما يقرب من ربع قرن، لا أستطيع أن أجزم أنى طورت كتابتى على مر السنين. لقد امتلكت أدوات الكتابة مبكرًًا، وبالتالى لا أستطيع أن أقول إن قصيدة كتبتها فى عام ٢٠٢٤ أفضل من قصيدة كتبتها قبل ٣٠ عامًا فى عام ١٩٩٤ مثلاً. 

ربما تراكم خبرات الحياة، وتجربة الاغتراب بعد أن سافرت للعمل طبيبًا فى الخليج قد أضافا رصيدًا متراكمًا من المعارف والتفاعلات. لكن تبقى التجربة الشعورية هى سيدة الموقف فى إنتاج عمل أدبى متميز، أو نص إبداعى مختلف.

كان الحصول على المركز الأول فى مسابقة الشباب والرياضة تجربة أولى للاحتكاك بالوسط الأدبى، خارج حدود قريتى «كفر بدواى» ومدينتى المنصورة، كسبت فيها التعرف على مبدعين وشعراء من الإسكندرية إلى أسوان. ولعل أصدقائى من المبدعين من كل محافظات مصر يذكرون تلك المسابقات واللقاءات التى أثرتنا إبداعيًا وإنسانيًا.

أما الفوز بجائزة الشاعر المرحوم عبدالسلام بو حجر، فكان قفزة أخرى، لتسمح لى الظروف بأن يُطبع ديوانى «آخر ورقات التوت» الفائز بالمسابقة.

■ لديك ديوان «كما يليق بمغترب» وأنت الآن مسافر خارج البلاد بالفعل.. أين موقعك الآن ما بين الملاذ والاغتراب والعودة؟

- أنا محصور بين الثلاثة طوال الوقت، فأنا فى خضم اغترابى، وسعيى على الرزق خارج حدود وطنى، ألوذ بقريتى وبيت أبى والارتماء فى حضن أمى، ألوذ بالذكريات، وأسرح إلى الخلف مشتاقاً إلى الماضى الجميل.

إذا اشتد الحنين وغلبنى الشوق أعود إلى الجذور فى «كفر بدواى» بناسها الطيبين، أعود إلى ترابها وسمائها، أسير فى شوارعها أتملى بيوتها وأزور قبورها، أعود إلى قبر أبى أسلم عليه فيملأ قلبى طاقة جبارة تعيننى فى رحلة اغترابى المقبلة.

■ ما أقرب الكتب إلى قلبك سواء من إبداعك أو للآخرين؟

- سؤال صعب، ولا أستطيع أن أجزم أنى سأجيب الإجابة النموذجية، لكنى أحب ديوان المتنبى، والأعمال الكاملة لأمل دنقل ومحمود درويش، ومسرحية «الحسين شهيدًا» لعبدالرحمن الشرقاوى، ورواية «نائب عزرائيل» ليوسف السباعى.

■ أخيرًا.. وأنت تجيب الآن عن أسئلة الحوار.. ألم يدر شريط ذكريات القرية فى خلدك مرة أخرى؟

- وأنا أجيب عن هذا السؤال أستدعى شريط الذكريات كاملاً، لا أتوقف عند حدث بعينه، أرى شريط السنوات يمر أمامي، فلا أكاد أتوقف عند ذكرى محددة، لكنى أتذكر الآن ملابسات صدور هذا الكتاب، وليس كتابته.

فوجئت باحتفاء أصدقائى بتلك الكتابة التى كنت أقترفها من باب التسلية. وجدت تفاعلاً أذهلنى حين حرضنى الأديب الدكتور عبدالمنعم الباز، والأديبة الدكتورة رحاب إبراهيم على تجميع هذه الصفحات بين دفتى كتاب، بينما داعبنى صديقى الأديب عبداللطيف محمود بضرورة ترك الشعر والاتجاه إلى الرواية. 

تذكرت تفاعل أبناء قريتى مع ما أكتبه، وتشجيع واحد من أكبر مثقفيها، وهو أخى الأكبر الدكتور محمد السعيد، وإشادته بكتاباتى عن قريتنا، مؤكداً أنها أهاجت مشاعره، وأعادته إلى الماضى الجميل.

كذلك تلقيت عرضًا جادًا من الشاعر حسام العقدة والأديب طارق العوضى والشاعرة هبة عبدالوهاب لطباعة هذا الكتاب، فى إطار سلسلة «كتاب القارئ»، وهو ما حدث بالفعل، ليكون «من خبايا الذاكرة» هو الكتاب الأول فى تلك السلسلة الجديدة.

■ من بين الذكريات التى ذكرتها فى كتابك.. أيها أكثر تجوالاً فى خاطرك؟

- كانت فكرة طحين القمح و«تبييض» الأرز، والحديث عن يوم العجين والخبيز من أكثر مناطق الكتاب حميمية؛ فهى تتحدث عن مفردات الحياة الريفية البسيطة، والتى تمثل عماد العيش، وتسلط الضوء على خيرات الريف، وسلاسة حياة الفلاح التى شوهتها المدنية، فأنا أرى أن القرية فى الألفية الجديدة تخلت عن هدوئها وبساطتها، واكتسبت صخب المدينة وتعقيدات الحياة.