الإثنين 15 أبريل 2024
المحرر العام
محمد الباز

«حمدى عبدالرحيم».. كاتب من الطراز الرفيع

حمدي عبد الرحيم
حمدي عبد الرحيم

«دنيا ولا صندوق الدنيا، فيها ناس ألماظ/ ناس ألمونيا، ومُثل عليا ومُثل دنيا، وناس ياخدوا وناس يدوا ما ياخدوا».

الكلمات دى كتبها سيد حجاب فى مسلسل قديم، اسمه «أبنائى الأعزاء شكرًا» بطولة عبدالمنعم مدبولى، وكان مدبولى اسمه فى المسلسل «بابا عبده»، فـ المسلسل اشتهر بـ الاسم دا، خصوصًا إنه شخصية «بابا عبده» كانت محبوبة فى الشارع.

بابا عبده مثالى، زى أبطال معظم المسلسلات وقتها، إنما الملمح الخاص بيه هو إنه، رغم صرامته الأخلاقية، اللى بـ توصل بيه أحيانًا لـ درجة التزمت، فـ هو حنون لـ أبعد حد، وهو من النوع اللى وصفه سيد حجاب أعلاه «ناس يدوا ما ياخدوا». بابا عبده فى المسلسل كان كدا، وفى الواقع الكلام دا ينطبق على حمدى عبدالرحيم.

حمدى كاتب من الطراز الرفيع، له رواية كلاسيكية بديعة، وقصص، وله كتاب «فيصل-تحرير» ممكن يبقى مدونة لـ عقدين من الزمان، التسعينات والعشرية الأولى من القرن العشرين، والكتاب دا بـ أعتبره مرجع مهم جدًا لـ أى حد مهتم بـ علم الاجتماع، ومادته أغنى بـ كتير من كتب ذاعت وشاعت، ومعرفة حمدى بـ البشر المصريين مذهلة.

غلاف الكتاب 

كمان حمدى كتب دراما، وعدد مهول من المقالات، فضلًا عن لمسته وإضافته فى الصحافة المصرية من أوائل التسعينات ولـ مدة عشرين سنة على الأقل، كـ واحد من أسطوات الديسك المعدودين، والديسك، أعزك الله، هو إعادة صياغة المادة الصحفية وتجهيزها لـ النشر.

لكن مش دا اللى عايز أتكلم عنه، عايز أتكلم عن فكرة الشخص اللى «بـ يدى ما ياخد»، واللى حتى ما بقيناش نشوفه فى الأفلام ولا نقرا عنه فى الروايات، إنما قابلته وعاصرته مع حمدى عبدالرحيم، اللى ما حصلش على عُشر ما قدم، ولا ما يمكنه تقديمه، لـ إنها طول الوقت ما كانتش تفرق معاه، اللى كان يفرق معاه بس: الجودة والقيمة والاتساق مع ما يراه.

كام مرة يا حمدى تعمل حاجات مهمة، وتأسس مشروعات وأفكار، وتبنى وتناقش وتقترح، وتخوض التجارب بـ كل ما فيك، وتقضى الوقت وتبذل المجهود، وتفضى الأقلام على الأوراق، بعدين تلمح حاجة مش عاجباك، تاخد الموقف المتين، وتقول: بلاها، الله الغنى، والعجيب إنه دا عمره ما خلاك تفقد حماسك فى المرة اللى بعدها.

مش عايز أسمّى حاجات عاصرتها بـ نفسى، لـ إنه مش دا الهدف، إنما أمور كتير كتير خدت حيز كبير فى فضاء الكتابة والصحافة والثقافة، عليها بصمتك وأفكارك واستفادت من إسهامك، من غير إنت ما تستفيد حاجة خالص، ولما تسأله يرد عليك: لا ما أنا خدت حقى شتيمة! شتمتهم لما قلت يا بس!

مع إنه لا شتام ولا يحزنون، ولا عمره فجر فى خصومة، ولا تجاوز، وأقصى حاجة هو إنه يستخدم سخريته المريرة فى وصف الحكاية والناس، ودمتم.

بـ مناسبة السخرية، كان فيه موضة كدا كام سنة إننا كـ كتاب نصدر كتب ونسميها «كتابة ساخرة»، ودا فى الواقع ما كانش أكتر من رداء يناسب المرحلة، إنما فى الآخر يفضل وزن الكاتب بـ المضمون، مش بـ الشكل، وعن نفسى كنت بـ أفضل طريقة حمدى عبدالرحيم، لـ إنى كنت بـ أشوف فيها ثقل ووزن، ودا سجلته وقتها إن لم تخنى الذاكرة فى مقال بـ جريدة الأخبار، وكنت بـ أعتبره الساخر الأهم، مع كامل الاحترام والمحبة لـ الأسماء الأخرى.

كنا بـ نقول إيه؟

آه، بابا عبده، أهى دنيا ودايرة بـ بابا عبده، وأهى عيشة وأيام بـ يعدوا، وساعات الدنيا بـ تهده، وساعات بـ تبوسه على خده.

بابا.. بابا عبده.