السبت 30 أغسطس 2025
المحرر العام
محمد الباز

محمد الكفراوى يكتب: حفرة تبتلع العالم

حرف

بيدىْ التعيسةِ تلكْ 

بجميعِ أفكارِى السوداءِ

ومعاولَ مصنوعةٍ من لحمٍ وعظامٍ 

أصنعُ ثقبًا، هنا بالضبطِ

فى الممرِ الذى تتكدسُ فيه الأرواحُ

وبفضلِ النوايا الحسنةِ والعاداتِ الرتيبةِ 

يتّسعُ شيئًا فشيئًا

يتمدّدُ ويكبرُ ويتوحشُ

وأثناءَ الليلِ، 

يجتذبُ الأجسادَ إلى فخّ معدّ بإتقانٍ

يعتصرُها، يتشمَّمُها، يلوكُها بتلذذٍ مريبٍ 

وبعدها بلحظاتٍ 

يمتصُّ عصارةَ العالمِ.

العابرُ

أتحسّسُها بفزعٍ. 

رعشةٌ مريبةٌ تمرُّ بينَ ضلوعى

بخطواتٍ وئيدةٍ وصوتٍ مكتومٍ 

تسرى فى جسدى دونَ سابقِ إنذارٍ

رعشةٌ تحملُ فى طياتِها شعوبًا كاملةً بادتْ منذ زمنٍ. 

تمتماتٌ غامضةٌ تصنعُ جسرًا من الخيباتِ 

أعبرُه من حياةٍ إلى أخرى 

أنا العابرُ بالصدفةِ 

فى ممراتِ الزمنِ الموحشة.

برغباتٍ رخوةٍ وبواقى حنينٍ 

أتسلّقُ جبالًا من اللذةِ.

أنهارٌ وهميةٌ أعبرُها بحذرٍ.

كائناتٌ خرافيةٌ تخرجُ من مخيلتى وتلتهمُ أعضائى.

جسدى المتعبُ لا يهتمُ بهذا الشططِ.

فقط يتمددُ بأريحيةٍ على مرمى البصرِ

باحثًا عن نُتفٍ من النشوةِ 

فى جوفِ هذا الخواءِ العظيم.

الضجيجُ الذى يغلّفُ حياتى 

لابدّ أنه مزحةٌ ثقيلةٌ من شخصٍ سمج. 

أكوامٌ من الضبابِ أزيحُها بيدى

منقبًا عن ضوءٍ شفيفٍ يلامسُ روحى

فلا أجدُ سوى جدارٍ معتمٍ 

يقف بينى وبين العالمِ الوغدِ الذى أريدُه.

بملابسَ باهتةٍ وحسٍ مرهفٍ 

أنزوى إلى ركنٍ قصىٍ 

أتخلصُ من شعاعِ الشمسِ الذى ينخرُ رأسى 

من وهجِ الحقيقةِ التى فتتتْ ضلوعى

أعبرُ فجوةً زمنيةً بين ماضىّ وحاضرِكُم 

طوالَ الطريقِ أتسلّى باستعادةِ ملامحِكُم المطموسةِ 

تحتَ عجلةِ الزمنِ. 

فى الحقيقةِ لستُ أنا الملومُ 

ربما نزوةٌ غامضةٌ هى التى تجرجرُنى لهذهِ الطريقِ 

أحيانًا أصحو مشبعًا بوهمٍ طرىٍ 

حول عوالمَ لم أزُرْها من قبلُ 

تتلبسُ جسدى وتشلُّ أطرافِى. 

أصدقاءٌ مقربونَ وعابرو سبيلٍ 

يلعقون دمى دونَ سببٍ واضحٍ. 

العتمةُ المخبأةُ فى تجاويفِ صدرى 

تتغذّى على أنفاسٍ لا أعرفُها 

هواءٌ برائحةِ الغثيانِ يحاصرُ أنفى 

ولا مفرَ من مواجهةِ العالمِ

بسحنةٍ مختلةٍ وعيونٍ تنزفُ بشرًا غريبى الأطوارِ.

تلالٌ من الهزائمِ 

بمُنتهى اللطَافةِ

أستدعى تلك الرائحةَ الشهيةَ 

رائحةَ العشبِ المضمخِ بالنّدى 

ذلك السحرُ الذى خدّرَ أعضاءنا فى الماضى 

وتركنا ذائبينَ على حافةِ النشوةِ

حينَ كانَ الزمنُ يمشى على أربعٍ 

كانت السماءُ قريبةً فى متناولِ اليدِ

والرغباتُ تتقافزُ فوقَ أكتافِنا 

ونستندُ بأضلعِنا الشائهةِ 

على تلٍ من الهزائمِ 

هى تحويشةِ العمرِ. 

بافتتانٍ وولهٍ 

أتملّى صورَكُم

أهلى، أصدقائى، أحبائى.

بئرُ الحنينِ الذى خرجتُ منه 

بنصفِ عقلٍ وذؤابةِ روحٍ 

وندبٍ متفرقةٍ تحملُ قصصًا مسليةً

أمضغُها بتلذذٍ وأذرفُها للعابرينَ.

يوميًا على هذهِ الحالِ

كلُ صباحٍ

يستيقظُ العالمُ فى دمىْ 

تنتثرُ الأحلامُ أشلاءً باهتةً

من اللحمِ الطازجِ السيّالِ.

كلُ يومٍ أربّتُ على روحى وأواسِيها 

لأحتفظَ بها دافئةً فى جيوبى السريةِ.

كلُّ مساءٍ 

يفتحُ الظلامُ مسارات مريبةً بين أضلعى. 

متكئًا على تلالٍ من الخطايا المحببةِ. 

كلُّ ليلةٍ 

أبيتُ وأصحو على نزيفٍ غامضٍ 

يطاردُنى منذ أزمنةٍ سحيقةٍ 

أستقبلُه بوجهٍ بشوشٍ ولحيةٍ مزرقّةٍ 

ربيتُها للتمويهِ وامتصاصِ الألمِ.