الأحد 14 يوليه 2024
المحرر العام
محمد الباز
المحرر العام
محمد الباز

عماد أبو غازى

عماد أبو غازي
عماد أبو غازي

كان عندى ١٩ سنة، وكان هو أستاذ قد الدنيا فى الجامعة، وطلبت أقابله علشان أناقشه فى موضوع، كنت لسه ساذج والدنيا واخدانى، ومش فاهم أبعاد الحياة، والحماس ضارب فى العروق، وكنت غضبان منه جدًا، لـ درجة إنى قررت أتصل بيه وأطلب اللقاء.
الغريبة إنه رحب تمامًا، ودعانى لـ بيته، وسمعنى بـ كل اهتمام وتركيز، كنت ساعتها مؤمن بـ «القومية العربية»، كـ أى شاب تحت العشرين محب لـ الشعر العربى وتاريخ الإسلام، وكان هو بـ يحرر صفحة فى «الدستور» بـ يطرح فيها أفكار «القومية المصرية» إن جاز التعبير، ومهتم بـ تراث مصر المهمل والمنسى والمجهول عمدًا لـ صالح تكريس الثقافة العربية، فـ أنا كنت شايف دا ....، شايف دا ....، مش عارف كنت شايفه إيه، بس هو مش عاجبنى وخلاص.
سمعنى، والواقع إنى بعدين لقيت دا مدهش، الدكتور عماد أبوغازى شخصيًا، بـ يسمع شاب صغير محدش يعرفه نوهائى نوهائى، اللى هو المعيد فى الجامعة وقتها كان ممكن ما يستعناش تكلمه خمس دقايق فضلًا عن إنك بـ تنقده، لكن فاكر إنى اتكلمت كتير بـ اندفاع فى نقد ما يطرحه، دون أى تحفظ، أو تذويق.
رده بقى كان مفاجأة كبيرة بـ النسبة لى، قال لى: أفكارك مرتبة وجيدة، إيه رأيك نحول النقاش من شفوى لـ تحريرى؟ ما فهمتش، وما توقعتش إنه ممكن يطرح حاجة زى دى، لكنه قال: إنت هـ تكتب رأيك دا، وأنا هـ أنشره فى الصفحة اللى بـ أحررها، وأرد عليه، إيه رأيك؟
الواقع إنى اعتبرته بـ يهزر، محدش بـ يعمل كدا، محدش خالص يعنى، لكنه وعدنى بـ نشر أى حاجة أكتبها كما هى دون أدنى تغيير، ودون تخفيف لـ النبرة، وهو هـ يناقش الكلام دا مناقشة موضوعية. وقد كان.
دا أقدر أعتبره أول مقال كتبته فى حياتى، ونشره فعلًا كما هو، ورد بـ كلام شديد الموضوعية والتهذيب، وكانت معركة صحفية مشهورة وقتها، فضل صداها شهور، وناس كتير كتبت ترد على ما كتبته أو ترد على رد الدكتور عماد، ثم عدت واتنسيت زى كل حاجة ما بـ تتنسى، لكن فضل مأثر فى تعامله مع الموضوع.
لا أدعى صداقة الدكتور عماد، لكن فى كل مرة أتقاطع معاه كان بـ يتزايد الاندهاش من ذلك الرجل «المحترم»، أساسًا كلمة «محترم» دى من الكلمات المزفلطة اللى بـ يقولوها على أى حد دون معايير، إنما محترم بـ النسبة لى يعنى تبقى زى عماد أبو غازى.
محترم يعنى تكون كل حاجة بـ النسبة لك لها قيمة معينة، وتحافظ على القيمة اللى إنت قررتها فى السر والعلن، فى المجال العام والمجال الخاص، وهو كان مؤمن على الأقل بـ قيمتين واضحتين: العلم والوطن «مصر» وطول الوقت كان جادًا فى تكريس القيمتين دول دون حسابات اعتاد الكثيرون على اعتبارها.
أذكر مرة كنا فى مكتبه، عدد قليل جدًا من الناس اللى عارفين بعض، ودخل كاتب لا داعى لـ ذكر اسمه، المفروض إنه كاتب كبير ومعروف، ثم إنه طلع تليفونه، وفرجنا على فيديو فيه سخرية من النشيد الوطنى، وفاكر إنه دكتور عماد انزعج فعلًا، اللى هو ما ينفعش النشيد الوطنى، اللى عمله سيد درويش، يبقى محل سخرية، ومن كاتب بـ هذا الحجم.
كانت جلسة خاصة، مش قدام الكاميرا ولا الميكروفون، محدش يعنى هـ يهتم ولا يركز، لكنها كانت من المرات القليلة اللى شفته فيها غاضب، وقعد يفكرنا بـ تاريخ النشيد وأهميته وقيمته، وقيمة الحفاظ عليه، ولو النشيد بقى «مسخرة»، مش هـ يكون فيه حاجة تانية نحافظ عليها.
مش النشيد هو سبب اندهاشى، لـ إن دا موضوع قابل لـ النقاش، أقصد حدود السخرية وقبولها، إنما المدهش هو الدكتور عماد، اللى لما بـ يصدق حاجة بـ يعتنى بيها، ودا نادر.
فى كل مرة أتقاطع معاه كان بـ يتزايد الاندهاش من ذلك الرجل «المحترم»