الأربعاء 21 يناير 2026
المحرر العام
محمد الباز

لعنة النقد

حرف

رحل الفيلسوف المصرى، تاركًا عشرات الكتب والنصوص فى الفلسفة والفكر عمومًا التى أغنت المكتبة المصرية والعربية، دون شك، التى كانت وستظل مرجعًا غنيًا يعبر عن تجربة فكرية لسياق تاريخى حمل فيه مجموعة من المفكرين العرب مشعل التقدم والتحديث والنهضة. وهو ما انعكس، بشكل كبير، فى مؤلفات وهبة التى تعبر عن مشروع ضخم ينطلق من التأصيل المعرفى الحداثى الغربى نحو إمكانية لتشكيل النهضة العربية؛ وهى الخطاطة التى ترجمتها أعماله، من بينها: «المذهب عند كانط»، و«فلسفة برجسون»، و«قصة الفلسفة»، و«مدخل إلى التنوير»، و«العلمانية والأصولية فى الشرق الأوسط المعاصر»، و«جرثومة التخلف»، و«مُلاك الحقيقة المطلقة».

هذا المسار قد أكسب مشروعه بعدًا نقديًا بأفق تقدمى نهضوى عبر إعادة البناء على أسس عقلية يمثلها النموذج الرشدى. وبهذا يكون البناء تأصيلًا ومستلهمًا من عمق الهوية الثقافية الإسلامية، وهو ما قد يجنبه النقد القائل بعملية الاستلهام أو الإسقاط الغربى على الثقافة العربية الإسلامية، بغض النظر عن الخصوصية والسياق. إن النموذج الرشدى هو نموذج كونى، فقد استلهم فى تشييد العقلانية النقدية الغربية، وهو ما أسهم فى خلق مسار إصلاحى عقلانى حداثى غربى امتد من الإصلاح الدينى إلى بلورة الأزمنة الحديثة. إذن، العقلانية هى جوهر المشترك الكونى.

التشديد على العقلانية والعلمانية جعله من أهم دعاة التنوير فى العالم المصرى والعربى، لكنه أصبح أيضًا فى قلب الصراع مع دعاة الأصولية والتعصب الدينى. وهو ما فجره خبر موته، خصوصًا فى العالم الافتراضى، حيث تضخم بشكل كبير النقاش الذى فجرته الدكتورة يمنى الخولى بتدوينتها حول نعيه؛ ما أعاد الصراع إلى الواجهة، فانقسم العالم الافتراضى إلى داعم أو منتقد لها. وبرزت من جديد السرديات التصنيفية حول الإلحاد والعلمانية، الظلام والتعصب.

أزمة النقد.. أزمة بنيوية لدى طرفى الصراع

إن مفهوم النقد الذى يتبناه مراد وهبة كآلية ضرورية لإعادة هيكلة ماضينا بهدف تحقيق تقدم فى حاضرنا، يعتبره الطرف الآخر أداة تدميرية لا يمكن القبول بها فى التعامل مع المقدس، وهو ما ولد صراعًا حديًا تطرفيًا بين كل من التيار الدينى والتيار العلمانى؛ هذا الصراع الذى تغاضى، لعقود، عن المقاربة المعرفية لينجر نحو تغليب كفة المقاربة المعيارية والإيديولوجية والثقافوية؛ فكانت النتيجة غياب أرضية للحوار وقبول الرأى المخالف، وبلورة قوالب تصنيفية جاهزة.

يمكن الإشارة هنا إلى أن المفكر المصرى مراد وهبة كان على غرار العديد من المفكرين العرب، ضحية عملية تصنيفية ضيقة، خندقت أفكار الراحل بخانة النفى عن المشترك الجماعى، لهذا تم استخدام كل الآليات الخطابية والمفردات الملغمة مثل إسرائيل، الإلحاد، العلمانية، التنوير... لتعزيز معقولية الإقصاء. وهو تقليد تولد فى الحقيقة لدى الطرفين العلمانى والدينى، غير أنه يحضر عند الأصوليين بشدة، حيث إن هذا التقليد يعمل على استحضار المفكر فى إطار تصنيفى يجعل عملية التعاطى مع أعماله، على اختلافها وتنوعها، فى قالب وحيد. وقد يكون مراد وهبى نموذجًا لهذا التصنيف المعيارى الذى تم فيه التغاضى عن فكر الرجل لصالح توجه أو موقف سياسى، فعندما نغلب كفة التصنيف الذى يختزل المركب فى البسيط، غالبًا ما نوزاى بشكل دينامى بين التوجه السياسى وبين المفكر ذاته؛ فيسهل بالتالى نعته بأبخس النعوت التى تزيل عنه القيمة المعرفية والأخلاقية والاعتبارية التى حازها، بشكل ما، عبر أفكاره التى خلقت تأثيرا لا يستهان به. إن هذا الخلط أو المزج خطير جدا لأنه يبعثر الأوراق، إنها أشبه بعملية توظيفية تعيد استثمار موقع وقوة الرجل لصالح رفع جموع مريدى الطرف الآخر. وهو ما يجعل هذا الصراع صراع خطين مستقيمين لا يلتقيان إلا فى ترجيح كفة المريدين.

مفهوم العلمانية: من وصفة علاجية إلى أداة تكفيرية

فى التجربة التاريخية التى تعبر عنها أعمال المفكر الراحل مراد وهبة، نجد توجهًا نحو فهم يرجح المقاربة الإجرائية لا النقدية، خصوصًا فى العدة المفهومية الغربية، ربما لأن الراحل كان يرى مثلًا فى مفهوم العلمانية والعقلانية الحداثية علاجًا ضروريًا وحتميًا، فجعل من هذا الفهم ذاته إطلاقية تطرفية ترسم لنفسها موقع الخصم المفترض للتصور المخالف «التصور الدينى»، وبالتالى أسهم، بمعنى ما، فى خلق معركة مانوية بين طرفين يقدمان حلًا عبر ضرورة إقصاء الآخر أو انسحابه لصالح التصور البديل.

فى الحقيقة، إن هذا التوجه كان سائدًا لدى جل مفكرى العرب فى القرن العشرين، وهو تصور يتغذى على فهم بسيط ومباشر لمجموعة من المفاهيم المؤسسة للأرضية الحداثية الغربية. فالنقد هنا لم يتوجه نحو العدة الغربية نفسها التى أنتجت النقد بقدر ما توجه نحو الأسس الثقافية العربية للفكر النقدى. ما جعل الطرفين الدينى والعلمانى يعبران بشكل ضمنى عن تجربة سياقية لم تنجل حيثياتها وكذا ضبابيتها، إلا بعد القراءة النقدية التى توجهها الفكر الغربى أواخر القرن العشرين؛ الأمر الذى أصله نيتشه، مرورًا بماكس فيبر وكارل شميث وكارل لوفيث وهانس بلومنبرغ وراينهارت كوزيليك، وصولًا إلى تشالز تايلور وكازانوفا وآخرين.

هذه المراجعة النقدية لمفهوم العلمانية التى أحدثتها مخلفات الأزمة السياسية العالمية «الحربين العالميتين وصعود أنظمة شمولية وفاشية والهولوكست» قد أبانت عن تهافت التوجه العلمانى الغربى نفسه.

إن وهبة لم يكن الوحيد الذى انشد لمفهوم العلمانية كمفهوم يغلب عليه الشحنة الإيجابية، بل إن جيل ما بعد الاستعمار الذى درس وتتلمذ بكليات أوروبية حمل ذاك الحلم الغربى للبلاد العربية، ما جعل المنتمين إلى هذا الجيل يدعون للنقد الجذرى للتصورات الدينية دون أن يمتهنوا هذا التوجه فعليًا، وبدلًا عنه توجهوا نحو رفع العدة البديلة والجاهزة لعملية تتجاوز عملية النقد بخلق البديل المطلق. فانتقلنا من عملية مواجهة التصورات الدينية، لأنها لا تخضع للنقد، إلى تبنى بدائل لا تخضع هى نفسها للنقد، فصرنا أمام تعصب يرسم حدين متناقضين حد الإقصاء.

وبما أن رحيل مراد وهبة أعاد النقاش من جديد حول الصراع التقليدى ما بين التوجه العلمانى والدينى، فإن المناسبة شرط لإحداث مراجعات لجل المنطلقات البحثية التى تغذى هذا الصراع المفتعل والذى لا يعمل سوى على إطالة الأزمة التاريخية للوجود العربى.