فيلسوف فى مواجهة ثقافة الانحطاط
بداية فإن الفيلسوف لا يموت ولكن يموت وينفقُ أعداء الفكر وكارهو الحرية والإبداع أما الفلاسفة فلا يموتون وهم باقون بيننا بأفكارهم ورؤاهم وأسئلتهم الكبرى التى تنفر من الإجابات النهائية والمسلمات الدوجمائية المغلقة. وموت الفيلسوف مراد هو موت للجسد الذى كان لا بد له من نهاية، لكن أفكاره وآثاره ستظل باقية بيننا تبعث فينا روح السؤال كلما خبا نور العقل، وتخيف هؤلاء السفلة والجبناء من أعداء الفلسفة والحرية. ستظل أفكاره حية تقاوم ثقافة الموت والاتباع والتكلس والجمود وتقض مضاجع أعداء الإبداع والحداثة والتنوير.

رغم أن الموت حدث طبيعى ومتوقع لإنسان عاش قرنًا من الزمان، إلا أن هذا الموت الذى هو مصيرنا جميعًا كشف عن عورات ثقافتنا المصرية وأظهر مدى ما نعانيه مما أسماه مراد وهبة «جرثومة التخلف»، وأسميه أنا «ثقافة الانحطاط»، وهذا ما قد أفردت له فصلًا كاملًا فى كتابى «دوائر التحريم». وثقافة الانحطاط كما أفهمها هى تلك الثقافة التى تجمع بين طرفين، يبدو للوهلة الأولى وكأنهما نقيضان: ثقافة الإرهاب والتكفير، وثقافة التفاهة والإلهاء والإسفاف، قد يتصور البعض أن كليهما ضد الآخر، وأنهما على طرفى نقيض، لكن النظرة المتعمقة التى تحاول الحفر فى الأعماق سرعان ما تكتشف أن الثقافتين هما وجهان لعملة واحدة هى ثقافة الانحطاط. فالمصدر الذى منه تنبع الثقافتان هو الفقر الثقافى وضمور العقل فى مقابل الحضور الطاغى لسلطة الخرافة والتغييب. ولا شك أن موت د. مراد وهبة هو أمر لا يخص العوام والبسطاء، ولكنه يخص النخبة المثقفة وتحديدًا أساتذة الفلسفة فى مصر والعالم العربى، وأنا كمتابع لما ينشر على صفحات السوشيال ميديا أعلم جيدًا أن النخبة المثقفة قد أصابها ما أصاب العوام من الهوس الدينى، والانشغال طيلة الوقت بالإشكالية الدينية، وهذا طبيعى، ففى ظل حالة التصحر الثقافى وغياب مفردات الإبداع فى الفن والفلسفة والعلم لا يجد الناس ما يتشبثون به سوى ثقافة الجلد أو الثقافة الدينية، فضلًا عن أن تزايد الأزمة الاقتصادية وانسداد الآفاق جعل الناس يفتشون عن حلول سحرية وعن معجزات، وأيضًا يبحثون عن كبش فداء يخلصهم من إحساسهم المرهق بالخطيئة وشعورهم بأنهم مذنبون وملوثون. وكبش الفداء هو قربان به يتطهرون ويتقربون للإله.

وكبش الفداء هنا ليس الذبيحة التقليدية، ولكنه يتخذ صورًا رمزية، وغالبًا ما يكون الآخر الذى قد تجسده صورة المرأة المدانة والمتهمة دائمًا فى تراثنا الإسلامى والإبراهيمى بأنها رفيقة الشيطان، وقد يكون الآخر الدينى المختلف أو الآخر السياسى وفى حالتنا نجد أن من هاجموا الفيلسوف مراد وهبة اتخذوا منه هذا الرمز القربانى لأنه ينتمى لديانة مغايرة.
إن اتهام الفيلسوف مراد وهبة بالصهيونية من قبل أستاذة فلسفة مرموقة؛ لأنه لم يؤيد منظمة حماس ليس مجرد خلاف فكرى كما ادعى البعض، ولكنه محاولة متعمدة لاغتيال مسيرة فيلسوف وتلطيخ سمعته وتشويه صورته، وهى حيل دنيئة ومكشوفة يمارسها معظم المنتمين للجماعات التكفيرية التى حاربها وهبة لأنها تزعم زورًا ووهمًا امتلاك الحقيقة المطلقة.
ولعل خطورة ثقافة الانحطاط فى بُعدها الدينى تكمن فى أنها ثقافة تعيد إنتاج القهر بكل صنوفه ومعانيه، وترسخ ذلك البعد المنحط فى النفس الإنسانية، وأعنى به رغبة الإنسان فى الفرار من الحرية وحنينه الجارف لأن يصبح عبدًا تافهًا بلا مسئولية، بلا قلق وبلا أعماق، وربما بلا إنسانية.
ثقافة الانحطاط لا تخلق كائنات إنسانية سوية، ولكن تنتج كائنات مدمنة للعبودية وخاضعة ومذعنة، كائنات مشوهة، وتافهة، وضائعة ومتعصبة، متعطشة للدماء، عدوانية، أنانية، غير قادرة على الحب أو العلاقات الإنسانية التى تتسم بالدفء الإنسانى، والتى تمثل أساسًا ضروريًا لأى تعايش حر بين البشر، ولأى تواصل إيجابى وخلاق.