الأربعاء 21 يناير 2026
المحرر العام
محمد الباز

سؤال لا يموت

حرف

بالأمس القريب كنا نحتفى بمئويته بوصفها قرنًا كاملًا من المقاومة الفكرية، واليوم نودعه بوصفه واحدًا من آخر الحراس الكبار للعقل فى زمن تآكلت فيه شجاعة التفكير، وتراجعت فيه الفلسفة إلى الهامش، لا لعجزها، بل لأن العالم لم يعد يحتمل أسئلتها. كأن القدر شاء أن يختم مراد وهبة حياته كما عاشها: سؤالًا مفتوحًا، وقلقًا نبيلًا، واحتجاجًا هادئًا على واقع يضيق بالعقل، ويتوجس من الحرية، ويخشى التفكير الحر أكثر مما يخشى الجهل الصريح.

لم يكن مراد وهبة فيلسوفًا بالمعنى الأكاديمى الضيق، بل كان موقفًا فكريًا وأخلاقيًا. لم يتعامل مع الفلسفة بوصفها معرفة تحفظ، بل بوصفها ممارسة يومية للشجاعة، واختبارًا دائمًا لصدق الإنسان مع نفسه. ومن هنا جاءت أهميته الحقيقية: لم يكن يكتب ليرضى، ولا ليصطف، ولا ليبحث عن مكان آمن داخل المؤسسة، بل ليزعج، ويوقظ، ويعيد طرح الأسئلة التى يهرب منها الجميع.

فى مشروعه الفكرى، خاض مراد وهبة معركة التنوير بلا مواربة. كتب عن العقلانية، وعن الحرية، وعن خطورة تحويل المقدس إلى أداة إغلاق للعقل. وفى كتابه الشهير جرثومة التخلف، لم يكن يطلق شتيمة، بل كان يقدم تشخيصًا فلسفيًا دقيقًا لبنية عقلية تخاف السؤال، وتعادى الاختلاف، وتستبدل التفكير بالطاعة. كان يرى أن التخلف ليس قدرًا، بل حالة ذهنية تنتج حين يتحالف الخوف مع السلطة، وحين يتحول الدين أو الأيديولوجيا إلى يقين مغلق.

رحل الذى أعاد لابن رشد صوته فى زمن الصمت، واستعاد الرشدية لا بوصفها ذكرى تراثية نحتفى بها فى المناسبات، بل بوصفها موقفًا وجوديًا ومعرفيًا. فالرشدية عند مراد وهبة لم تكن عودة إلى الماضى، بل انحياز إلى المستقبل، دفاعًا عن حق الإنسان فى الفهم، وفى التأويل، وفى الاختلاف. 

كان ابن رشد لديه مشروع مفتوح للعقل، لا أيقونة تاريخية، وكان الدفاع عنه دفاعًا عن العقل الكونى فى مواجهة كل أشكال الوصاية. كما انشغل مراد وهبة طويلًا بسؤال التنوير فى السياق العربى، رافضًا فكرة تعارض العقل مع الإيمان، ومؤكدًا أن أزمة مجتمعاتنا ليست فى الدين، بل فى غياب العقل النقدى. دعا إلى شراكة بين العقل والحرية، ورأى أن النهضة لا تقوم بالشعارات، بل ببناء إنسان قادر على التفكير المستقل، إنسان لا يخاف السؤال ولا يعتبر الشك خيانة.

دفع مراد وهبة ثمن هذا الإيمان غاليًا: عزلة، وتهميشًا، ومنعًا، وتشويهًا، واتهامات جاهزة لم تتكلف عناء القراءة. ومع ذلك، لم يساوم، ولم يطلب السلامة، ولم يخفف من حدة السؤال. كان يعرف أن التنوير طريق شائك، وأن من يختاره لا يسير فى الظل، بل فى مهب الريح، حيث لا حماية إلا للضمير، ولا سند إلا للعقل. 

فى زمن اختارت فيه قطاعات واسعة من النخبة الصمت أو التواطؤ، ظل مراد وهبة واقفًا. والوقوف، فى نظره، لم يكن بطولة، بل واجبًا أخلاقيًا، لأن الصمت فى حضرة الظلام خيانة للعقل، ولأن الفلسفة التى تخاف تتحول إلى ديكور ثقافى لا أكثر. لم يكن وهبة عدائيًا، ولا متعاليًا، ولا ساعيًا إلى الصدام من أجل الصدام. كان هادئًا، صبورًا، لكنه حاسم. يعرف أن الأفكار لا تفرض، وأن الحقيقة لا تمتلك، وأن أقصى ما يستطيع الفيلسوف فعله هو أن يفتح الأبواب، ويترك للآخرين حرية العبور أو الرفض. كان يؤمن أن دور الفيلسوف ليس قيادة الجماهير، بل حماية حقها فى التفكير.

العزاء الوحيد فى رحيله أنه لم يرحل فارغًا. لقد ترك لنا ما لا يُدفن: ترك كتبًا ستظل تُقرأ، وأفكارًا ستظل تقلِق، ومنهجًا فى التفكير يقوم على النقد والشجاعة والحرية. ترك وصية غير مكتوبة تقول إن الفلسفة ليست ترفًا، وإن الحرية ليست شعارًا، وإن السؤال هو الشكل الأرقى للإيمان بالإنسان. 

سلام على مراد وهبة، الذى عاش عمره كله واقفًا فى صف العقل، ومات كما يليق بالفلاسفة الكبار: تاركًا وراءه أسئلة أكبر من الموت، وأفكارًا أقدر على البقاء من الأجساد.سلام على من علمنا أن نفكر بلا خوف، وأن نشك بلا عداء، وأن نبحث عن الحقيقة لا لنمتلكها، بل لنظل جديرين بها. وداعًا أيها الفيلسوف العظيم. لن ننسى ضوءك فى لحظات العتمة، ولن نتوقف عن التساؤل كما علمتنا.