الأربعاء 21 يناير 2026
المحرر العام
محمد الباز

من نقد الأصولية إلى أصولية التنوير

حرف

فى الحديث عن مراد وهبة، يجب تأكيد أنه صاحبُ مشروعٍ فلسفى وفكرى مُهم وضرورى، وأهمية مشروعه فى نظرى تكون فى وجود صوتٍ آخرَ موازٍ للأصولية الدينية، وذلك لأن الصوتَ الوحيد دائمًا خطر، ولا يعنى هذا أن ما قدمه كان مشروعًا فكريًا ينطلق من بنية المجتمعات العربية وواقعها، بقدر ما هو أيديولوجية موازية، لا تنطلق من دراسة الواقع وتفرض عليه حالًا خارجيًا، وتشكل الواقع وتصيغ أزماته وفق هذا الحل. فما قدمه وهبة مشروع موازٍ للأصولية لا يختلف عنها فى مضمونها؛ أى أنه أنتج أصوليةً تعتمد على الغرب ليكون نموذجًا حتميًا، ومثل فرنسيس فوكياما تعامل مع العالم على أنه مجتمعات أوروبية أمريكية متقدمة ومجتمعات متخلفة عليها أن تكون أوروبية أمريكية.

ولم يخرج مشروع مراد وهبة عن الإطار الدعوى الذى تتزعمه الأصولية، وكذلك لم يخرج خطابه عن لهجة الاتهام وربما التكفير التى تستخدمها الجماعات الأصولية. ففى مقابل دعوتهم الدينية، تزعَّمَ وهبة الدعوة إلى التنوير، وتعامل معه بطابع دعوى تبشيرى، مُتغافلًا عن طبيعة التنوير الثورية التى تجعله نابعًا من وعى ورغبة واختمار معرفى ورحلة نقدية طويلة. وفى مقابل رؤية الجماعات الأصولية للإسلام بوصفه نموذجًا ومصيرًا محتومًا للمجتمعات العربية والإسلامية، قدَّمَ الحداثة بوصفها الحضارةَ الرشيدةَ ونهايةَ التاريخ المحتومة، وعلى كل المجتمعات الأخرى أن تتبعها، كما يتبع الأطفال آباءهم وأمهاتهم، لأنها قادرة على حل جميع الأزمات الإنسانية المعاصرة. 

وفى مقابل وضع الفكر الأصولى الاجتهادات الإسلامية والتراث الإسلامى لتكون منهجًا لقيادة التاريخ والمجتمعات إلى المستقبل، رأى أن الفلسفات المعاصرة هى التى تُقدم المنهج لقيادة التاريخ، وأن المجتمعات الأوروأمريكية هى القادرة على قيادة العملية التاريخية للأمام. وكما يرى العقل الأصولى أن الإسلام هو نهاية التاريخ، وأن المجتمعات كُلها ترغب فى أن تكون إسلامية، يرى وهبة أن ثمة نوعًا وحيدًا من المجتمعات، وهو المجتمعات الأوروأمريكية، والبقية مجتمعات ترغب فى أن تكون أوروأمريكية، ولكنها لا تستطيع، وهو يدعوها لذلك.

ووفق الاتهام المعتاد من الجماعات الأصولية بعدم أهلية المجتمعات العربية والإسلامية بأن تكون مسلمة، واتهامهم الدائم بالتكفير، يبنى مراد وهبة اتهامه للمجتمعات العربية بالتخلف وعدم أهليتهم للحضارة والعقلانية، وقال فى كتابه «جرثومة التخلف» إن التخلف فى المجتمعات العربية هو تخلف حضارى وليس اقتصاديًا. ومثلما رفعت الجماعات الأصولية شعار الإسلام هو الحل، وسعت فى دعوة المجتمعات المسلمة وغير المسلمة إلى الإسلام، رفع مراد وهبة شعار العلمانية هى الحل، وسعى فى دعوة المجتمعات العربية إلى العلمانية. وبالمنطق ذاته الجماعات الأصولية التى تُطالب المجتمعات العربية بالخضوع لمشروعها، يُطالبهم بالخضوع لخطابه ويسعى فى قيادتهم، ولكنْ هنا، باسم العقل والمنطق والحضارة، والصورة لا تختلف فى الطرفين عن بعضهما، فكلاهما يُنتج خطابًا إنشائيًا يُعلن نفسه مسئولًا عن الواقع وإدارته، ويقدمه فى صورة نضالية تجعل المجتمع مُدانًا، ولا يَنظر إلى رؤيته واحتمالية أهليتها لهذا الواقع الذى يرفضها. 

وأؤكد أن هذه الملاحظات لا تنفى أهمية مشروعه وضرورته، بل إنها تؤكده، فبموجب آلية عمل الجدل الهيجلى، يمثل مشروع مراد وهبة مرحلة ضرورية فى الفكر العربى، لتخرج من بعدها مرحلة ومشاريع أكثر نضجًا فى البيئة العربية، فمشروع وهبة، هو أصولية موازية للأصولية الدينية، ووفق الجدل الهيجلى فإن هذا يُنتج مشروعًا أكثر نضجًا ووسطية يقف على مسافة نقدية من الأصوليتين، ويخرج من بنائه الاجتماعى ومشكلاته. كما أن عدم وجود صوت أو مشاريع موازية للأصولية الدينية، يجعل المجتمعات خاضعة لصوتٍ واحد ورؤية واحدة دون مراجعة، والصوت الواحد عادة ما يُخلف مجتمعات لا تعرف التعددية والاختلاف وذات رؤية واحدة وجانب واحد، وإذا كان هذا الصوت هو صوت الأصولية العنيفة، فإنه سيُنتج مجتمعات إرهابية صرفه. 

ولا يخرج مشروع وهبة عن إطار عمل العقل العربى الساعى فى الحل، والباحث عن الحل أكثر من دراسته للمشكلة، بطريقة جعلت مشكلة العقل العربى المُعاصر تكمن فى الحل، لأنه واقع دائمًا تحت طاولة حل يُفرض عليه، ومطلوب منه أن يسوغ مشكلاته وفق هذا الحل. وعمل مراد وهبة على تقديم الحل أفقد للفلسفة طابعها النقدى، وقدم فكر ابن رشد ليكون نمطًا للعقل، يجب أن يُعمل به، دون أن ينقد أو انطلاق المشروع الفلسفى من بِنية الواقع، وهذا ما جعل مشروعه مُناقضًا للطابع الفلسفى، الذى يجعل الفلسفة عقيدة تُفرض، لا بناءً منهجيًا نقديًا يخرج من بِنية الواقع ومشكلاته. 

ويُعانى الخطاب النخبوى العربى المُعاصر القطبيةَ والمثنوية المتعارضة، وهى من طابع العقل البسيط الذى يرى الأشياء بعين الخير-الشر، الحق-الباطل، وتجعل هذه المثنوية خطابَ النخبة العربية مُنحصرًا فى؛ إما، أو، إما هذا، أو ذاك. ومن هذا البناء رأى مراد وهبة فى المجتمعات الأوروأمريكية بديلًا عن الطرح الإسلامى، ورأى فى ترامب رسولَ العناية الإلهية، لأنه أنقذ العالم من كارثة خاصة بالحضارة، فقد أنقذ الحضارة من فكِّ الأصولية الإسلامية، وهذا يعنى أنه يرى فى أمريكا الحضارة بألف لام التعريف، كما ترى الجماعات الإسلامية التاريخ الإسلامى والخلافة الإسلامية الحضارةَ بألف لام التعريف، وترفض أى نمطٍّ حضارى آخرَ. 

والواقع أن مواقفه السياسية كانت متسقة مع مشروعه الذى يتبناه، ولا نملك أن نحاكم نواياه أو ضميره فهذه أمور خارجة عن القدرة والمعرفة الإنسانيتين، وما نملكه هو دراسة مشروعه ونقده، غير ذلك هى أمور تأخذ منحى آخرًا. ولم يخف مراد وهبة مشروعه أو يتوارى خلف أى شىء، بل كان واضحًا وجريئًا فى طرحه، ويُشهد له بالنزاهة العلمية والعمل الدءوب، وملاحظ هذا فى أعماله، والنقد هو من باب بناء المعرفة وتكاملها وليس العداء أو الرفض، بل إنه واجب وضرورة معرفية.